2026/11/02 | 0 | 75
ذاكرة السيرة الذاتية الفائقة حالة نادرة: لماذا تتوارد الذكريات تلقائيًا لدى بعض الأفراد
من دون الرجوع إلى تقويم أو يوميات، أو البحث في محرك "قوقل"، ماذا بإمكان المرء أن يتذكر عن يوم 5 نوفمبر 2021؟ إذا لم يكن ذلك التاريخ مرتبطًا بذكرى سنوية أو ذا أهمية خاصة بالنسبة إليه، فمن المرجح ألا يتذكر عنه سوى القليل.
لكن شابة تعيش بالقرب من مدينة أطلانطا في ولاية جورجيا الأمريكية استطاعت، عند سؤالها عن ذلك اليوم، أن تتذكر بسهولة أي يوم من أيام الأسبوع وافق ذلك التاريخ، وأن تستحضر تفاصيل ما كانت ترتديه من ملابس وغيرها من حلي، والموكب المحلي الذي أُقيم ذلك اليوم في نفس المدينة، ومدى روعة غروب الشمس في تلك الأمسية. ولم تقتصر هذه القدرة على تاريخ محدد، كما أنها ليست مجرد استعراض لمهارات التذكر التي تمتلكها؛ إذ استطاعت الشابة أن تبرهن على تلك القدرة باسترجاعها تفاصيل مماثلة عند سؤالها عن تواريخ أخرى منقاة عشوائيّا، ومن مراحل مختلفة من حياتها.
وتُعزى هذه القدرة إلى حالة نادرة تُعرف باسم الذاكرة الذاتية الفائقة (HSAM) (1) وهي قدرة استثنائية على استرجاع ذكريات التجارب الشخصية الماضية، التي كادت تشمل معظم أحداث الحياة التي مرت بها، بتفاصيل دقيقة واضحة وكأنها تراها الآن تتكشف أمام عينيها،.
هذه الشابة هي إحدى الحالات التي تناولها تقرير حالة، نُشر في مجلة نيوروكيس (1) (Neurocase)، من دون الكشف عن هويتها، تحت إشراف البروفيسور آن كلياري (Anne Cleary) من جامعة ولاية كولورادو. نتائج الدراسة أسهمت في تعميق فهمنا للآليات التي تتشكّل بها الذكريات وتُسترجع، وقد تساعد الأطباء على فهم مدى تأثّر الذاكرة بعد إجراء عمليات جراحية على الدماغ، وما قد تسببه هذه العمليات الجراحية من تغيّرات في قدرة الشخص على تكوين الذكريات واسترجاعها. كما قد تسهم هذه النتائج في فهم التغيرات التي تطرأ على الذاكرة مع التقدم في السن، ولا سيما تلك المرتبطة بأمراض، مثل ألزهايمر.
ذكريات تُسترجع تلقائيّا وببساطة دون أي مجهود يُذكر
اكتُشفت حالة ذاكرة السرة الذاتية الفائقة (HSAM) لأول مرة قبل نحو عشرين عامًا. ويُقدّر الخبراء أن عدد من يمتلكون هذه القدرة لا يتجاوز مئة شخص حول العالم. ولعلّ أشهرهم الممثلة ماريلو هينر (Marilu Henner)، المعروفة بدورها في المسلسل الكوميدي الشهير "تاكسي (Taxi)."
ومع ذلك، يصعب التعرّف إلى هؤلاء الأشخاص من خلال اختبارات الذاكرة التقليدية؛ إذ غالبًا ما تكون نتائج الاختبار عادية، سواء في الاختبارات المعملية أو في مهام التذكّر اليومية. فالبرغم من قدرتهم الاستثنائية على استرجاع تفاصيل حياتهم الشخصية، فإن أداءهم لا يختلف كثيرًا عن أداء الآخرين في مهام مثل حفظ قائمة من كلمات.
وأوضحت كلياري أن أحد أسباب عدم اكتشاف هؤلاء الأشخاص بسهولة هو أن كثيرًا من اختبارات الذاكرة المعيارية تركز على الاسترجاع الطوعي؛ أي محاولة تذكّر شيء ما أو معلومة عن وعي وقصد، عندما يُطلب منهم ذلك، وهذه تختلف عن التذكر اللاإرادي الدي يراود الذهن تلقائيًا، دون أن يحاول الشخص التذكّر بقصد. لكن التقرير الجديد، الذي أعدّته كلياري وزملاؤها، يشير إلى أن من يملكون ذاكرة السيرة الذاتية الفائقة لا يتذكرون أحداث حياتهم الماضية عندما يحاولون استرجاعها فحسب، بل تطرأ ذكريات أخرى على أذهانهم تلقائيًا، من دون أي محاولة واعية لتذكّرها، حتى أثناء انشغالهم بأعمال أخرى. وهذا التداعي التلقائي يحدث لديهم بصورة متكررة أكثر بكثير من معظم الناس؛ أي إن ذكريات الأيام والتجارب السابقة تخطر ببالهم من دون أن يحاولوا تذكّرها. فمثلًا، قد يكون الشخص منهم منشغلًا بعمل يومي عادي، ثم يجد نفسه فجأة يتذكر يومًا معيّنًا من سنوات مضت، بما حدث فيه من تفاصيل، من دون أن يكون قد فكّر في ذلك اليوم أو حاول استحضاره. وهذا ما يُعرف بالذكريات اللاإرادية، التي يبدو أن أصحاب هذه القدرة يمرون بها بمعدل يفوق المعتاد بكثير.
وبينت الاختبارات التي أُجريت على هذه الفتاة أن الذكريات التلقائية من الماضي تخطر على بالها بمعدل أعلى بكثير مما يحدث لدى معظم الناس. وأضافت كلياري: "يبدو أن من يمتلكون ذاكرة السيرة الذاتية الفائقة يستعيدون ذكرياتهم الماضية ويعيشونها ذهنيًا بصورة متكررة، مما قد يعزز هذه الذكريات ويجعلها أكثر رسوخًا واستقرارًا بمرور الزمن."
لطالما افترض الباحثون أن الذين يتمتعون بـ ذاكرة السيرة الذاتية الفائقة يمتلكون قدرة أفضل على تذكّر أحداث الماضي بعد محاولة استحضارها بوعي وقصد، لا بنحو تلقائي. لكن دراستنا تشير إلى أن الاختلاف الأساس يكمن في مدى تكرار توارد الذكريات تلقائيًا وبصورة عفوية أكثر من المعتاد، وهو ما يفتح آفاقًا جديدة لفهم هذه الظاهرة ودراستها.
تراجع القدرة على التذكر التلقائي ودور الاختبارات التقييمية
في الظروف الطبيعية، قد يكون تراجع القدرة على الذاكرة التي ترد إلى الذهن تلقائيًا مؤشرًا جديًا على احتمالية وجود تغيرات مقلقة في كفاءة الذاكرة والقدرات الذهنية وصحة الدماغ عمومًا. وأوضحت كليري أن هذه الحالة تتيح فرصة فريدة لفهم طريقة عمل الذاكرة التلقائية، وتطوير اختبارات نفسية عصبية (neuropsychological assessments) أكثر دقة، تساعد على فهم العمليات التي تجري داخل الدماغ عند تذكر المعلومات. وقد تكون لهذه الاختبارات أهمية كبيرة في مجالات الرعاية الصحية والتطبيقات العلاجية.
ضربت كليري مثالًا بمرضى الصرع الذين لا تستجيب حالاتهم للعلاج بالأدوية، فيخضعون لجراحة في الدماغ. يخضع هؤلاء لاختبارات الذاكرة قبل الجراحة وبعدها، لرصد أي تغيّرات تطرأ عليها. فبعضهم لا يُظهر أي تراجع ملحوظ في الذاكرة بعد العملية، بينما يجتاز آخرون الاختبارات المعيارية بنجاح، بالرغم من أن أسرهم تلاحظ أحيانًا مشكلات في ذاكرتهم لا تكشفها هذه الاختبارات.
وترى كليري أن هذا التباين يكشف عن قصور أدوات التقييم الحالية في رصد الجوانب الدقيقة للذاكرة، موضحةً: "قد لا نملك الاختبارات المناسبة لفهم ما يحدث فهمًا كاملًا، أو لإجراء مقارنات مفيدة تُعمّق فهمنا لطريقة عمل الذاكرة في الدماغ السليم. ولتطوير هذه الأدوات، علينا أولًا فهم ما يميّز الذين يتمتعون بذاكرة السيرة الذاتية الفائقة، فهم يمثلون حالة استثنائية مقارنةً بعموم الناس، من حيث قدرتهم على تذكّر أحداث حياتهم الشخصية وتفاصيلها. ويمكننا تحقيق ذلك من خلال دراسة ظواهر مختلفة، مثل وهم سبق الرؤية (دي جا ڤو) (3) (déjà vu)، أو استخدام مهام بسيطة لقياس قدرة الشخص على استرجاع المعلومات من ذاكرته دون الاستعانة بمساعدات أو تلميحات خارجية."
دانيال درين (Daniel Drane) باحث في علم الأعصاب يدرسْ كيفية عمل الوظائف العقلية ومدى تأثرها بالجراحة لدى المرضى الذين يخضعون لجراحات الصرع، وهو أحد المشاركين في إعداد تقرير الحالة. وقد استضاف مختبره في جامعة إيموري (Emory University) الباحثة آن كلياري (Anne Cleary) لإجراء التقييمات الأولية للمشاركة في الدراسة. ومنذ ذلك الحين، تولّى درين منصب أستاذ كرسي المخصّص لأبحاث الصرع في جامعة ولاية أوهايو. ويعمل حاليًا على إنشاء مختبر يستخدم تقنيات الواقع الافتراضي والقياسات البيومترية لتطوير أدوات التقييم وسدّ الثغرات التي أشارت إليها كلياري وزملاؤها.
وقال درين: "أجرينا تقييمًا لذاكرة الفتاة بالتعاون معّا، كما أجرينا مقابلة مع أفراد عائلة الفتاة. وخضعت الفتاة أيضَا لاختبارات معيارية في علم النفس العصبي، وأجرينا عليها مؤخرًا تصويرًا للدماغ بالرنين المغناطيسي، إلى جانب عدد من المهام التجريبية الأخرى. ونأمل أن تشكّل هذه المهام أساسًا لأبحاث مستقبلية نتعاون فيها مع فريق جامعة ولاية كولورادو (CSU) والباحثين الآخرين المشاركين في هذا المشروع.
أوضحت كلياري أن الفتاة المشاركة في الدراسة فضلت عدم الكشف عن هويتها في الوقت الحاضر. وقد يتيح صغر سنها فرصًا جديدة ومثيرة للبحث، لا سيما في دراسة أمراض مثل ألزهايمر، التي قد تؤثر في الذاكرة مع التقدم في السن، وعلاقتها بتشكل الذكريات التلقائية (ذاكرة السيرة الذاتية الفائقة).
وأضافت: "نريد أيضًا تطوير أساليب تساعدنا على التعرف على الذين يتمتعون بذاكرة السيرة الذاتية الفائقة بدقة أفضل، أينما كانوا. ويشمل ذلك وضع أسئلة يمكن التحقق من إجاباتها، مع مراعاة الفروق الديموغرافية، مثل السن واللغة الأم، بحيث لا تؤثر هذه الفروق في نتائج التقييم."
جديد الموقع
- 2026-11-02 *د.عزة بشير استشارية النساء والولادة بمستشفيات الحمادي.. تكتب عن:* *الولادة ليست مقياسًا للأمومة*
- 2026-11-02 *السيف: تحويل توصيات مؤتمرات الإعاقة إلى برامج تنفيذية يعزز جودة الخدمات واستدامتها*
- 2026-11-02 *جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل تطور 15 زمالة مهنية في التعليم الجامعي*
- 2026-11-02 «من البذرة إلى الثمرة».. الزاهر يستعرض أسرار العناية بالنباتات في غرفة الشرقية بالقطيف
- 2026-11-02 أمير المنطقة الشرقية يدشن انطلاق التصفيات الأولية لمسابقة الأمير نايف بن عبدالعزيز -رحمه الله- لحفظ القرآن الكريم
- 2026-11-02 نائب أمير المنطقة الشرقية يستقبل مجلس إدارة مجموعة اليمامة
- 2026-11-02 إدارة الأختلاف بين المثقفين
- 2026-11-02 مدير تعليم الأحساء يكرّم ريان الزكري لإنجازه الوطني
- 2026-11-02 حملة التبرع بالدم السابعة في المطيرفي تستقطب 140 متبرعاً تحت شعار «اقتداء وعطاء»
- 2026-11-01 سعادة وكيل محافظة الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة جمعية متلازمة داون ويطّلع على استراتيجيتها وخطتها المستقبلية
