2026/10/31 | 0 | 82
متى يبدأ الأطفال باستغلال الثغرات والتحايل على الأوامر، ولماذا؟
عظم الناس يعرفون كيف يستغلون الثغرات. فعندما يطلب منك رئيسك، أو مالك المنزل، أو شريك حياتك، أو أحد العملاء، أو جهة ذات سلطة، فعل شيء لا ترغب فيه، ولا تستطيع رفض الطلب صراحةً، يمكنك اللجوء إلى ما يُعرف بـ الامتثال الماكر (1) أي تنفيذ الأوامر بحرفيتها، مع التحايل على الغرض المقصود منها (2)
وربما يعرف معظم الآباء والأمهات سلوك «المحامي الصغير» أيضًا. فإذا قال أحد الوالدين لطفله: «حان وقت وضع الجهاز اللوحي جانبًا»، فقد يضع الطفل الجهاز حرفيًا على الطاولة، ثم يواصل اللعب عليه. وبالرغم من شيوع هذا النوع من التحايل وأهميته، فإن الدراسات التي تناولت تطوره خلال مرحلة الطفولة لا تزال محدودة. ويُقصد باستغلال الثغرات هنا أن يفهم الشخص المعنى أو الهدف المقصود، لكنه يتعمد تفسير الكلام بطريقة مختلفة تتيح له التحايل على المطلوب (3).
في دراسة تناولت نمو الأطفال (4) نُشرت ضمن أبحاث جمعية دراسات تطور الطفل (SRC) (5) بحث علماء من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة هارفارد متى يبدأ الأطفال باستغلال الثغرات في طلبات الآخرين، ولماذا يفعلون ذلك. وقد يساعد تتبّع جذور هذا السلوك وفهم أسباب سوء التواصل بين الوالدين والطفل على توضيح كيفية تحسين التواصل، حتى عندما يكون الطرفان مستعدين للتعاون.
ولمعرفة المزيد عن كيفية استغلال الأطفال للثغرات ومتى يفعلون ذلك ولماذا، طلب الباحثون من 260 من الآباء والأمهات الإبلاغ عن هذا السلوك لدى أطفالهم، الذين بلغ عددهم 425 طفلًا، تراوحت أعمارهم بين 3 و18 سنة، وكانت نسبة الإناث بينهم 42%، ونسبة ذوي البشرة البيضاء 34%. كما درس الفريق سلوك الأطفال الفعلي في ثلاث تجارب، شملت 298 طفلًا تتراوح أعمارهم بين 4 و10 سنوات، وكانت نسبة الإناث بينهم 49%، وغالبيتهم من ذوي البشرة البيضاء.
أظهرت النتائج أن الأطفال يتعلمون مع التقدم في السن التمييز بين استغلال الثغرات والامتثال للطلبات أو رفضها.
وتبيّن أيضًا أن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 4 و10 سنوات يتوقعون أن يساعدهم استغلال الثغرات على تجنّب التبعات المزعجة، وأنهم يرجّحون اللجوء إليه عندما لا يرغبون في تنفيذ ما يطلبه منهم أحد والديهم.
وعلى وجه التحديد، وجد الباحثون أن هذا السلوك يبدأ عادةً في الظهور بين سن الخامسة والسادسة، ويبلغ ذروته في سن السابعة والثامنة. وإلى جانب دراسة سلوك الأطفال، بحث الفريق فيما إذا كانوا ينظرون إلى استغلال الثغرات بوصفه سلوكًا فكاهيًا، وذلك من خلال ملاحظة ما إذا كانوا يبتسمون أو يضحكون أثناء ممارسته.
وتوافقت النتائج مع إفادات الآباء والأمهات؛ إذ رأى الأطفال أن استغلال الثغرات سلوك فكاهي، بخلاف السلوكيات الأخرى التي درسها الباحثون. وقد تكون هذه أول دراسة تستكشف تطور هذا السلوك لدى الأطفال، بما يتيح فهمًا أوسع لكيفية تفكيرهم اجتماعيًا. ويُقصد بالتفكير الاجتماعي قدرة الشخص على استنتاج نوايا الآخرين وفهم تصرفاتهم، والاستفادة من ذلك في توجيه سلوكه (6).
وأجرت جمعية دراسات تطور الطفل (SRCD) مقابلة مع كيرا باريس (Kiera Parece)، المشاركة في تأليف الدراسة وطالبة الدراسات العليا في مختبر الإدراك في مرحلة الطفولة المبكرة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، للحديث عن نتائج البحث.
س: هل بإمكانكِ أن تعطينا فكرة عامة وموجزة عن الدراسة؟
ج: تناولت دراستنا كيفية فهم الأطفال للثغرات واستغلالها. ونقصد بالثغرات هنا أن يفسّر الشخص الطلب تفسيرًا حرفيًا متعمدًا، فينفّذه من الناحية الشكلية، لكنه يخالف المقصود الحقيقي منه. وهذا السلوك شائع في القانون والتاريخ والحياة اليومية، لكننا، بحسب علمنا، لم نجد دراسات سابقة تبحث في كيف تطورت وظهرت هذه الظاهرة عند الأطفال.
جمعنا بين استبانة تناولت تجارب الآباء والأمهات مع أطفالهم في الحياة اليومية، وثلاث دراسات تجريبية طلبنا فيها من أطفال تقييم سلوك استغلال الثغرات، والتنبؤ بالظروف التي قد يلجأ فيها الآخرون إليه، وابتكار ثغرات بأنفسهم.
وجدنا أن الأطفال يتعلمون تدريجيًا التمييز بين ثلاثة أنواع من الاستجابة للطلبات: تنفيذها وفقًا للمقصود منها، أو رفضها صراحةً، أو التحايل عليها بتنفيذها حرفيًا دون تحقيق الغرض منها.
كما توقّع الأطفال أن يؤدي استغلال الثغرات إلى مشكلات أقل من الرفض الصريح، وأن الأطفال الآخرين يلحأون إلى هذه الحياة بدرجة أكبر عندما تتعارض رغباتهم مع رغبات والديهم.
ومع أن هذا السلوك لا يظهر لدى جميع الأطفال في نفس السن نفسه، فإن النتائج المتسقة التي توصلنا إليها في الدراسات الثلاث، إلى جانب إفادات أولياء الأمور، تشير إلى أن فهم الثغرات واستغلالها يبدأ عادةً في سن الخامسة أو السادسة، ويبلغ ذروته بين السابعة والثامنة.
ورأى الأطفال أيضًا أن استغلال الثغرات أمر مضحك؛ فقد ابتسموا وضحكوا أكثر عند سماع قصص عنه مقارنةً بقصص أطفال ينفذون ما يُطلب منهم أو يرفضونه صراحةً. وبينما يجد الأطفال الأصغر سنًا صعوبة في ابتكار طرق للتحايل على الطلبات، تتحسن قدرتهم على ابتكار ثغرات قابلة للاستغلال بأنفسهم مع تقدمهم في السن، ولا سيما بين الخامسة والسابعة.
مثال: إذا طلبت الأم من طفلها ألّا يستخدم الكمبيوتر، فقد لا يستطيع الطفل الأصغر التفكير في بديل، بينما قد يفكر طفل أكبر قليلًا في استخدام الجهاز اللوحي بدلًا منه؛ فهو لم يستخدم الكمبيوتر فعلًا، لكنه تحايل على الغرض من المنع، وهو الابتعاد عن استخدام الأجهزة الإلكترونية.
فمثلًا، إذا طلبت الأم من طفلها عدم استخدام الكمبيوتر، فقد يكتفي الطفل الأصغر سنًا بالامتناع عن استخدامه، بينما قد يفكر الطفل الأكبر سنًا في استخدام الجهاز اللوحي بدلًا منه. وبذلك يكون قد التزم بالطلب حرفيًا، لكنه تحايل على المقصود منه.
س: ما دفعكِ إلى دراسة سلوك استغلال الثغرات لدى الأطفال؟
ج: أولًا، استغلال الثغرات ظاهرة مثيرة للاهتمام. فبمجرد أن نبدأ بالتفكير فيها، نكتشف أنها حاضرة في مجالات كثيرة، مثل القانون والتاريخ والحكايات والتمردات والحياة اليومية، فضلًا عن الحكومات والشركات.
تكمن أهمية استغلال الثغرات في أنه يتيح للشخص تجنّب الرفض الصريح للأوامر، دون الالتزام بالهدف الحقيقي منها. فهو لا يطيع الأمر تمامًا ولا يرفضه مباشرةً، بل يبحث عن طريقة للتحايل عليه، وهو ما يتطلب قدرًا من الإبداع في التفكير.
وتثير هذه الظاهرة القلق أيضًا، خاصةً مع تطور الذكاء الاصطناعي. فقد تنفّذ أنظمة الذكاء الاصطناعي ما نطلبه منها حرفيًا، لكنها لا تحقق الهدف الذي نقصده فعلًا. لذلك، من المهم أن نفهم كيف يحدث هذا النوع من التحايل، حتى نتمكن من تطوير أنظمة ذكية تنفّذ ما نريده منها، لا أن تكتفي بالتقيّد الحرفي بتعليماتنا.
نظرًا إلى شيوع استغلال الثغرات وما قد يترتب عليه من مشكلات، أردنا معرفة متى يبدأ الأطفال بهذا السلوك ولماذا يلجؤون إليه. ففهم كيفية نشوء هذا السلوك وتطوره قد يساعدنا على فهم كيف يفسّر الناس كلام الآخرين، وكيف يتعاملون مع ما يقصدونه، ولماذا قد ينفّذون ما يُطلب منهم بطريقة تختلف عن المقصود منه.
س: هل اكتشفتِ شيئًا أدهشكِ خلال الدراسة؟
ج: من أكثر الأمور التي أسعدتني وأدهشتني إبداع الأطفال وذكاؤهم في استغلال الثغرات. وقد ظهر ذلك في القصص التي رواها لنا الآباء والأمهات عن تجاربهم مع أطفالهم، وكذلك في التجارب التي أجريناها. ولاحظنا أن الأطفال يستغلون الثغرات في مجالات متنوعة جدًا.
فالأمر لا يقتصر على تعلّم معنى كلمة معينة ثم استخدامها للتحايل على طلب يتضمنها. فقد شملت الأمثلة مجالات متعددة. ففي استخدام التكنولوجيا، مثلًا، قد يلجأ الطفل إلى الجهاز اللوحي إذا مُنع من استخدام الكمبيوتر. وإذا مُنع من تناول نوع معين من الحلوى، فقد يختار نوعًا آخر. كما وجدنا أمثلة تتعلق بفهم العلاقات المكانية والزمانية. وفي جميع هذه الحالات، ابتكر الأطفال طرقًا مختلفة للتحايل على القيود المفروضة عليهم.
ومن الأمور الأخرى التي فاجأتني النمط الواضح الذي ظهر في تطور هذا السلوك. فالأطفال يبدأون عمومًا بفهم الثغرات واستغلالها في سن الخامسة أو السادسة، ثم يبلغ السلوك ذروته في السابعة أو الثامنة، قبل أن يتراجع بعد ذلك. ومن المثير للاهتمام أنه لا يظهر بوضوح لدى الأطفال الأصغر سنًا. فلماذا لا يبدأ هذا السلوك في وقت أبكر؟
يمتلك الأطفال الصغار بالفعل بعض المهارات التي تساعدهم على استغلال الثغرات؛ فهم يستطيعون فهم الكلام في سياقه، والتظاهر بغير الحقيقة، وإدراك أن للآخرين أفكارًا ورغبات قد تختلف عن أفكارهم ورغباتهم. ومع ذلك، لا يبدأ هذا السلوك بالظهور بوضوح إلا في سن الخامسة أو السادسة تقريبًا. وهنا تتساءل الباحثة: إذا كان الأطفال يمتلكون هذه المهارات في سن مبكرة، فلماذا لا يستطيعون استخدامها في التحايل على طلبات الآخرين إلا بعد بضع سنوات؟
أعتقد أن آباء وأمهات الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين الخامسة والسادسة لن يتفاجؤوا بمعرفة أن أطفالًا آخرين يلجؤون إلى استغلال الثغرات. لكنني آمل أن تدفعهم نتائج الدراسة إلى التفكير في سبب لجوء الأطفال إلى هذا الأسلوب، ولماذا يبدأ بالظهور بوضوح في هذه المرحلة العمرية.
س: هل بأمكانك توضيح كيف تفيد نتائج هذه الدراسة الباحثين وأولياء الأمور ومقدمي الرعاية والمعلمين وغيرهم ممن يعملون مع الأطفال؟
ج: بالتأكيد. يواجه أولياء الأمور ومقدمو الرعاية والمعلمون والباحثون الذين يعملون مع الأطفال موقفًا متكررًا: فهم يريدون من الطفل القيام بشيء ما، سواء كان مهمة تعليمية أو نشاطًا يوميًا يحتاج إلى تعلمه، ولذلك يحاولون توضيح ما يريدونه منه. لكن الطفل لديه أهدافه الخاصة، التي قد تختلف عن أهداف الوالدين أو المعلمين أو مقدمي الرعاية.
غالبًا ما تبدو هذه العملية بسيطة وواضحة، حتى إننا نعدّها أمرًا مسلمًا به: نخبر الطفل بما نريده منه، فينفّذ الطلب أو يرفضه. لكن استغلال الثغرات يعقّد هذه العملية؛ إذ قد يبدو الطفل ممتثلًا للطلب، بينما يتصرف بطريقة لا تحقق الغرض المقصود منه، وكأنن الأمر يبدو أشبه بخداع بصري؛ إذ نرى الأشياء على نحوٍ معيّن، ونظن أن ما نراه يعكس حقيقة تلك الأشياء، بينما قد تكشف نظرة أعمق أن الواقع مختلف عمّا توحي به انطباعاتنا الأولى. فالمشكلة ليست بالضرورة فيما نراه، بل في الطريقة التي نفسّره بها ونفهمه من خلالها.
لذلك، نأمل أن تساعد نتائج هذه الدراسة المعلمين ومقدمي الرعاية على إدراك أن التواصل اليومي مع الأطفال أكثر تعقيدًا مما يبدو، وأن استغلال الثغرات ليس سلوكًا يقتصر على طفل بعينه، بل يلجأ إليه كثير من الأطفال. وقد يكون هذا السلوك إبداعيًا ومرحًا، كما قد يشكل أساسًا لفهم أنماط من التصرفات التي نلاحظها في مجالات الحياة المختلفة.
ونعتقد أيضًا أن هذه الدراسة قد تفيد المشرّعين والجهات صاحبة السلطة؛ فهم، مثل أولياء الأمور والمعلمين، يطلبون من الآخرين القيام بأمور معينة، وقد لا ينفّذ هؤلاء الطلبات بالطريقة المقصودة.
وبوجه عام، نأمل أن تساعد هذه الدراسة على فهم كيف ظهر سلوك استغلال الثغرات وتطور، وأن تمهّد الطريق لمعرفة كيف نحد منه في الحالات التي لا نرغبه فيها، أو كيف نستفيد منه وتشجيعه في الحالات التي قد يكون فيها مفيدًا.
الهوامش
1- https://www.bamboohr.com/resources/hr-glossary/malicious-compliance
2- https://hbrarabic.com/المفاهيم-الإدارية/الامتثال-الماكر/
3- https://openreview.net/forum?id=mPaNp1eglz
4- https://srcd.onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1111/cdev.14222
5- https://ar.wikipedia.org/wiki/تطور_الطفل
6- https://link.springer.com/referenceworkentry/10.1007/978-1-4419-1695-2_610
6- https://hbrarabic.com/المفاهيم-الإدارية/اختبار-القدرة-المكانية/
7- https://ar.wikipedia.org/wiki/نظرية_العقل
المصدر الرئيس
جديد الموقع
- 2026-10-31 أنين فراشة يعبر القارات من واحة الأحساء إلى منصات التوقيع في باريس 2026 مسيرة متجددة من الأحساء إلى باريس
- 2026-10-31 إسهال الأطفال: كيف نكتشف الجفاف مبكرًا؟
- 2026-10-30 *سلال الايام* قراءة في سطور
- 2026-10-30 نَارٌ مِنَ الشَّوْقِ
- 2026-10-30 *هل الطبيعة كتاب؟* *المقالة الثامنة: كيف نعرف أننا نعرف؟*
- 2026-10-30 حي العدامة في رحلة الهجرة والتحول
- 2026-10-30 (قَرِّرْ كيف تكونُ ماهيَّةُ قصيدتِكَ الأخيرة)
- 2026-10-30 محامون تحولوا إلى الكتابة
- 2026-10-30 ضمن جناح المملكة ضيف شرف المعرض في دورته الـ29..الشؤون الإسلامية تشارك في معرض الجزائر الدولي للكتاب 2026م
- 2026-10-30 معرض الجزائر الدولي للكتاب يطلق برنامجه الثقافي ويستقبل زواره