2026/10/28 | 0 | 172
كيف تكون كما يحبّ الله؟
هل تساءلت يومًا: ما الذي يجعل الإنسان جميلًا في عين الله؟ أهو علمه، أم عبادته، أم أخلاقه، أم قدرته على مقاومة نفسه حين تدعوه إلى ما لا يرضاه الله؟
تخيّل أنّك تستطيع أن تنتصر لنفسك بكلمة جارحة، لكنّك تختار العفو؛ وأنّك تستطيع أن تحصل على منفعة بالكذب، لكنّك تتمسّك بالصدق؛ وأنّك تستطيع أن تتبع هواك، لكنّك تتراجع لأنّك تريد رضا الله. في هذه اللحظات التي قد لا يراك فيها أحد، يحدث شيء عميق في داخلك: أنت لا تختار فعلًا فحسب، بل تسهم في صناعة الإنسان الذي تصبح عليه.
فالكمال الإنساني ليس أن نكون بلا ضعف أو خطأ، بل أن نعرف كيف نرتقي بأنفسنا، ونوجّه رغباتنا، ونحوّل إيماننا إلى سلوك يعبّر عن حقيقة ما نؤمن به. وليس المهمّ أن نعرف طريق الخير فحسب، بل أن نختاره حين يصعب اختياره، وأن نعود إليه إذا ابتعدنا عنه.
فكيف نقترب من الكمال الذي يرضاه الله؟ وكيف يتحوّل الإيمان من حقيقة تسكن قلوبنا إلى قوّة تهذّب أخلاقنا، وتوجّه قراراتنا، وتترك أثرًا طيّبًا في حياتنا وحياة الآخرين؟
ما الكمال الإنساني؟
الكمال الإنساني ليس مظهرًا نتباهى به، ولا كثرةً في المعلومات، ولا نجاحًا دنيويًّا يُقاس بما نملك أو بما يراه الآخرون فينا. إنّه بناء الإنسان من الداخل؛ أن تنضج معرفته، وتستقيم إرادته، وتتهذّب أخلاقه، وتتحوّل قناعاته إلى أعمال نافعة.
ولهذا يوجّهنا القرآن الكريم إلى معيار أعمق للقيمة الإنسانية، فيقول تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الحجرات: 13).
فليست قيمة الإنسان بما يملكه من مال أو مكانة، ولا بما يحفظه من علم فحسب، بل بما يثمره إيمانه من تقوى، وما يظهره في سلوكه من صدق وعدل ورحمة وأمانة. وقد يعرف المرء الخير، لكنّ معرفته لا تبلغ ثمرتها حتى تتحوّل إلى ممارسة؛ وقد يتحدّث عن الفضيلة، لكنّ صدق حديثه يُختبر عندما تتعارض الفضيلة مع مصلحته أو رغبته.
إنّ الكمال هو أن يقترب ظاهر الإنسان من باطنه، وأن تنسجم كلماته مع أفعاله، وأن يصبح الخير الذي يؤمن به قوّةً حاضرةً في قراراته.
التوحيد: البوصلة التي توجّه حياتنا
من أين يبدأ طريق الكمال؟ يبدأ من معرفة الله تعالى، وإدراك أنّ الحياة ليست حركةً بلا غاية، وأنّ الإنسان لم يُخلق ليكون أسير رغباته، بل ليعرف ربّه ويسير إليه بوعي واختيار.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الذاريات : 56
والعبادة في معناها الواسع ليست محصورةً في الصلاة والصيام، بل تمتدّ إلى كلّ عمل صالح يُؤدّيه الإنسان بقصد القرب من الله، وإلى كلّ موقف يختار فيه الحقّ، ويحفظ فيه كرامة الآخرين، ويؤدّي فيه ما عليه من مسؤولية.
حين يستقرّ التوحيد في القلب، تتغيّر نظرتنا إلى الحياة: يصبح العلم وسيلةً لمعرفة الحقّ، والعمل طريقًا إلى أداء الأمانة، والمال مسؤوليةً لا غايةً مطلقة، والعلاقات الإنسانية مجالًا للرحمة والوفاء. وهكذا لا يبقى الإيمان فكرةً في الذهن، بل يتحوّل إلى بوصلة توجّه اختياراتنا وتمنح أعمالنا معناها.
الاختيار يصنع الإنسان
لماذا يُحاسَب الإنسان على أفعاله؟ لأنّه ليس مجرّد كائن تحرّكه رغباته، بل يمتلك قدرةً على التمييز والاختيار، ويستطيع أن يستجيب لهواه أو يقاومه، وأن يسلك طريق الخير أو ينحرف عنه.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ ( الإنسان 3
تلفت الآية انتباهنا إلى العلاقة بين الهداية وموقف الإنسان منها؛ فقد تتهيّأ له معرفة الطريق، لكنّ مسؤوليته تظهر في استجابته له. فالإنسان لا يصنع نفسه بقرار واحد، بل بمجموعة اختيارات تتكرّر حتى تترك أثرها في شخصيته.
عندما تكظم غضبك بدل أن تجرح غيرك، فأنت لا تتجاوز موقفًا عابرًا فحسب، بل تتدرّب على الحِلم. وعندما ترفض الكذب مع قدرتك على الانتفاع به، فإنّك تعزّز الصدق في نفسك. وعندما تؤدّي حقًّا لا يطالبك به أحد، فإنّك تبني الأمانة في أعماقك.
ولهذا يقول تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ النجم: 39).
فالسعي يكشف حقيقة توجّه الإنسان، ويجعل الكمال ثمرةً للعمل والمجاهدة، لا مجرّد أمنية نردّدها. وليس المطلوب ألّا نخطئ أبدًا، بل ألّا نستسلم للخطأ، وأن نتعلّم كيف نعود إلى الطريق كلّما ابتعدنا عنه.
حين تتحوّل المناجاة إلى خُلُق
تمنحنا أدعية أهل البيت عليهم السلام لغةً نعبّر بها عن شوقنا إلى الكمال، وتعلّمنا في الوقت نفسه كيف نترجم هذا الشوق إلى عمل. ففي دعاء مكارم الأخلاق للإمام زين العابدين عليه السلام نقرأ: " وَبَلِّغْ بِإِيمَانِي أَكْمَلَ الْإِيمَانِ "
إنّه دعاء يفتح أمامنا أفقًا واسعًا: ألّا نكتفي بأصل الإيمان، بل نسعى إلى تعميقه حتى يظهر أثره في أخلاقنا ومواقفنا. ونسأله تعالى أيضًا: " وَأَجْرِ لِلنَّاسِ عَلَى يَدَيَّ الْخَيْرَ، وَلَا تَمْحَقْهُ بِالْمَنِّ "
فليس كافيًا أن نفعل الخير؛ ينبغي أن نحفظه من الأذى، فلا نتبعه بمنٍّ أو استعلاء، ولا نحوّل إحساننا إلى وسيلة لإذلال الآخرين.
وهنا نكتشف أنّ الدعاء ليس بديلًا عن العمل، بل هو تربيةٌ للقلب وتوجيهٌ للإرادة. فنحن نسأل الله أن يبلّغنا مراتب الإيمان، ثم نجاهد أنفسنا كي نترجم هذا السؤال إلى صدق وتواضع ورحمة وإحسان.
وإذا أخطأنا، فهل ينتهي الطريق؟
قد يتعثّر الإنسان في رحلته، وتغلبه شهوة، أو يستسلم لغضب، أو يقصّر في حقّ غيره. لكنّ الخطأ لا ينبغي أن يتحوّل إلى يأس، ولا أن يصبح التكرار حُجّةً للاستمرار فيه. فباب الرجوع إلى الله مفتوح، والتوبة جزءٌ من رحلة بناء النفس.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (الزمر: 53).
إنّ الرجاء الصادق لا يعني الاستهانة بالذنب، بل يعني ألّا نسمح له بأن يسلبنا القدرة على النهوض. والتوبة الحقيقية تبدأ بالاعتراف بالخطأ، ثم الندم عليه، والعزم على عدم العودة إليه، وردّ الحقوق إلى أصحابها حين يتعلّق الأمر بحقوق الناس.
وهكذا تصبح لحظات التعثّر فرصةً لمراجعة النفس، وتصحيح المسار، واستعادة الصلة بالله.
كيف نبدأ رحلة الكمال؟
لا تحتاج البداية إلى قرارات كبيرة أو ظروف مثالية، بل إلى خطوات صادقة نلتزم بها:
• استحضر رضا الله قبل الاختيار: اسأل نفسك: هل ينسجم هذا الفعل مع إيماني وقيمي؟
• جاهد نفسك في أمر واحد: اختر عادةً تريد إصلاحها، كالغضب أو التسويف أو إطلاق اللسان، وابدأ بتغييرها.
• حوّل الإيمان إلى خُلُق : اجعل صلاتك دافعًا إلى الأمانة، وصيامك تدريبًا على ضبط الرغبات، ومعرفتك بالله سببًا للرحمة بعباده.
• حاسب نفسك كلّ يوم : تأمّل ما أحسنت فيه وما أخطأت، من غير تبريرٍ للتقصير ولا قسوةٍ تقطعك عن الإصلاح.
• اجمع بين الدعاء والعمل: اسأل الله العون والهداية، ثم خذ بالأسباب التي تقرّبك من هدفك.
• بادر إلى التوبة والإصلاح : إذا أخطأت، فلا تؤجّل العودة، ولا تكتفِ بالندم إذا كان في وسعك إصلاح ما أفسدت.
خاتمة: ابدأ من اختيارك القادم
أن تكون كما يحبّ الله لا يعني أن تبلغ الكمال في يوم واحد، بل أن تجعل حياتك رحلةً واعيةً إليه: تعرفه فتتوجّه نحوه، وتؤمن به فتختار ما يرضيه، وتجاهد نفسك حتى يصبح الخير خُلُقًا راسخًا فيك.
لا تنتظر أن تصبح إنسانًا أفضل كي تبدأ؛ ابدأ الآن بكلمة صدق، أو غضب تكظمه، أو حقّ تؤدّيه، أو اعتذار تقدّمه، أو خير تفعله من غير أن تنتظر ثناءً من أحد. فهذه الأعمال الصغيرة قد تكون خطواتٍ كبيرةً في بناء نفسك، حين تصدر عن إيمانٍ صادق وإرادةٍ واعية.
وتذكّر أنّ الكمال لا يُقاس بما تقوله عن نفسك، بل بما تصنعه اختياراتك منك. وفي نهاية كلّ يوم، امنح نفسك لحظةً من الصدق، واسألها:
هل أصبحت اليوم أقرب إلى الله، وأصدق في إيماني، وأحسن في أخلاقي؟
إذا كان جوابك نعم، فاحمد الله وواصل الطريق. وإذا رأيت تقصيرًا، فابدأ من جديد؛ فما دمت قادرًا على الاختيار، فما زال أمامك مجالٌ للنموّ، وفرصةٌ للتوبة، وخطوةٌ أخرى نحو الإنسان الذي تطمح أن تكونه في رضا الله.
قال تعالى : " وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" العنكبوت / 69
جديد الموقع
- 2026-10-28 أرجوانة باريس.. حين انتصر النص السعودي على عاصفة الظروف
- 2026-10-28 د. إبراهيم الأحمد.. عبقرية الجراحة وسموّ الإنسانية
- 2026-10-28 وفاة الاديب و الشاعر والمفكر محمد العلي "ابو عادل" عن 94 عامًا تغمده الله بواسع رحمته
- 2026-10-28 *المواطن أولًا.. حين تتحدث القرارات الملكية بلغة الرعاية والوفاء*
- 2026-10-28 كيمياء القبول الاجتماعي: عندما تشرح “قاعدة ليبينسكي” سر نجاح العلاقات الإنسانية
- 2026-10-28 عندما يترجل الكبار
- 2026-10-27 *د.دعد قرقوط أخصائية النساء والولادة بمستشفيات الحمادي..في حديث عن:*
- 2026-10-27 مستشفى الملك فهد التخصصي يحصل على اعتماد جمعيتي القلب والسكتة الدماغية الأمريكيتين لعلاج الجلطات
- 2026-10-27 «بصمات» تطلق برنامج «دعم التعلم» لأكثر من 100 يتيم ويتيمة من ابنائها
- 2026-10-27 سمو أمير المنطقة الشرقية يستقبل مدير فرع هيئة حقوق الإنسان بالمنطقة