هل تكشف قدرتنا على التفكير والاستدلال في العشرينيات من عمرنا عن احتمال إصابتنا بالخرف بعد عقود؟ تشير دراسات على عينة ة كبيرة إلى أن الذين يحققون نتائج أفضل في اختبارات القدرات العقلية خلال مرحلة المراهقة أو بداية مرحلة الشباب قد يكونون أقل عرضة للإصابة بالخرف فيفي مرحلة الشيخوخة.
ومع ذلك، لا تعكس نتائج هذه الاختبارات القدرة على التفكير وحدها، بل قد تتأثر أيضًا بمستوى التعليم، والخبرات الحياتية، والظروف الأسرية، والاجتماعية. لذلك، يصعب اعتبار أداء الشخص في اختبارات القدرات العقلية خلال مرحلة مبكرة من حياته مؤشرًا موثوقًا بمفرده على احتمال إصابته بالخرف مستقبلًا.
ولفهم هذه العلاقة بصورة أدق، اختبر باحثون في دراسة حديثة (1) نُشرت في مجلة بحوث الزهايمر وعلاجه Alzheimer’s Research & Therapy» قدرة الأطفال على الاستدلال بعد بلوغهم 13 عامًا. واختير هذا السن لأنه يسبق ظهور فروق كبيرة في المسارات التعليمية والاجتماعية؛ ففي هذه المرحلة، تكون تجارب الأطفال ومساراتهم متقاربة نسبيًا، قبل أن تبدأ في التباعد مع التقدم في السن. بالرغم من أن بعضهم يواصل تعليمه مدة أطول، أو يلتحق بمستويات ومؤسسات تعليمية مختلفة، أو يحصل على فرص تعليمية أفضل، تتباين أيضًا تجاربهم الاجتماعية وظروفهم الأسرية والمهنية.
وتنبع أهمية التركيز على هذه المرحلة من أن انخفاض نتائج اختبارات القدرات العقلية في الطفولة ارتبط كذلك بزيادة احتمال الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والسكري في مرحلة الرشد، أي ابتداءً من سن 20 عامًا. لذلك، أراد الباحثون معرفة ما إذا كانت القدرة على الاستدلال في سن مبكرة ترتبط باحتمال الإصابة بالخرف لاحقًا، بصرف النظر عن الإصابة بهذه الأمراض.
ويقصد بالقدرة على الاستدلال استخدام المعلومات والمعطيات المتاحة لفهم العلاقات بينها، واكتشاف الأنماط، وربط الأفكار، والتوصل إلى استنتاجات منطقية، فضلًا عن حل المشكلات واتخاذ القرارات استنادًا إلى المعلومات المتوافرة.
تابع الباحثون أكثر من 10 آلاف شخص في السويد، من الصف السادس الابتدائي وحتى بلوغهم سن الستين وما بعده. ووجدوا أن الأطفال الذين حصلوا على درجات أعلى في اختبارات الاستدلال الاستقرائي (2) في سن 13 عامًا كانوا أقل عرضة للإصابة بالخرف بعد عقود. واستمرت هذه العلاقة حتى بعد مراعاة عوامل أخرى، مثل مستوى تعليم الوالدين، ومستوى المشاركين الدراسي في منتصف أعمارهم، وإصابتهم بأمراض بدنية خطيرة، بما فيها أمراض القلب والأوعية الدموية والسكري.
الطفولة قد تكشف مؤشرات مبكرة لاحتمال الإصابة بالخرف مستقبلًا
لا يقتصر الخرف على إضعاف الذاكرة، بل قد يؤثر أيضًا في طريقة التفكير والتواصل والمشاعر والسلوك، مما يجعل أداء المهام اليومية أكثر صعوبة. ومع تزايد أعداد كبار السن، أصبح العبء العالمي للخرف أكبر من أي وقت مضى من حيث حجم المشكلة وتأثيرها، ومن المتوقع أن يستمر في الارتفاع. ولا يقتصر هذا العبء على عدد المصابين بالخرف، بل يشمل أيضًا ما يسببه من إعاقة وفقدان للاستقلالية والحاجة إلى الرعاية، إضافة إلى الأعباء التي يتحملها أفراد الأسرة وأنظمة الرعاية الصحية والمجتمع. ففي عام 2021، كان نحو 57 مليون شخص حول العالم مصابين بالخرف، ما جعله سابع أكبر سبب للوفاة عالميًا، وأحد الأسباب الرئيسية للإعاقة والاعتماد على الآخرين بين كبار السن.
ولا يتطور الخرف بمعزل عن العوامل الأخرى التي تؤثر في صحة الإنسان طوال حياته؛ فقد تؤدي صحة القلب، ومرض السكري، ومستوى التعليم، بل وحتى الطريقة التي يتطور بها الدماغ خلال مرحلة الطفولة المبكرة، أدوارًا مهمة في احتمال الإصابة به. ومن هنا، بدأ الباحثون يتساءلون عما إذا كانت نتائج اختبارات القدرات العقلية التي يخضع لها الشخص في مرحلة الشباب قد توفر مؤشرات مبكرة على احتمال الإصابة بالخرف بعد عقود، أي في مرحلة الشيخوخة.
رصد الباحثون بالفعل ارتباطًا محتملًا؛ إذ ارتبط ارتفاع مستوى القدرات العقلية في أواخر مرحلة المراهقة وبدايات مرحلة الشباب بانخفاض احتمال الإصابة بالخرف. غير أن هناك عاملًا مهمًا ينبغي أخذه في الاعتبار، وهو أن القدرات العقلية في هذه المرحلة العمرية تكون قد تأثرت بالفعل بسنوات التعليم والخبرات الحياتية، مما يجعل التمييز بين السبب والنتيجة أمرًا صعبًا.
إضافةً إلى ذلك، ربطت معظم الأدلة المتاحة حتى الآن احتمال الإصابة بالخرف على المدى الطويل بدرجة الذكاء العام، بدلًا من ربطه بأداء الفرد في اختبارات القدرات العقلية المحددة، مثل الاستدلال الاستقرائي، والقدرة اللفظية، والقدرة المكانية. وبعبارة أبسط، كانت الدراسات السابقة تبحث فيما إذا كان الذين يتمتعون بمستوى عالٍ من الذكاء العام أقل عرضة للإصابة بالخرف، بينما تسعى الدراسة الحالية إلى معرفة ما إذا كانت القدرات العقلية المحددة، مثل الاستدلال الاستقرائي (2)، ترتبط باحتمال الإصابة بالخرف في مرحلة الشيخوخة.
ولمعالجة هذه الفجوة والوصول إلى علاقة أكثر وضوحًا، أجرى فريق البحث اختبارات عقلية عام 1961 على 10,539 طالبًا سويديًا في السادس الابتدائي وجميعهم من مواليد 1948. هدف هذا الاختبار إلى قياس ثلاث قدرات مختلفة: الاستدلال الاستقرائي (2)، والقدرة اللفظية (التفكير باستخدام اللغة)، والقدرة المكانية (تصوّر الأشياء والأشكال ذهنيّا وفهم العلاقة بينها من حيث الموقع والاتجاه والحجم والشكل). ثم تابع الباحثون المشاركين خلال مراحل حياتهم اللاحقة على مدى ستة عقود، حتى نوفمبر 2025 (أي حتى بلوغهم الـ 77 عامًا). وبدلًا من الاعتماد على المعلومات الصحية التي أفاد بها المشاركون ذاتيًا، ربط الباحثون نتائج الاختبارات العقلية في مرحلة الطفولة مباشرةً بسجلات المستشفيات والوفيات الوطنية في السويد، واستخرجوا منها بيانات تتعلق تشخيصات الإصابة بالخرف وأمراض القلب والأوعية الدموية والسكري وغيرها من الحالات الصحية المهمة.
رصد الباحثون بالفعل علاقة محتملة؛ إذ ارتبط ارتفاع درجات القدرات العقلية في أواخر مرحلة المراهقة وبدايات مرحلة الشباب بانخفاض احتمال الإصابة بالخرف. غير أن هناك عاملًا مهمًا ينبغي أخذه في الاعتبار، وهو أن القدرات العقلية في هذه المرحلة العمرية تكون قد تأثرت بالفعل بسنوات التعليم والخبرات الحياتية، مما يجعل التمييز بين السبب والنتيجة أمرًا صعبًا.
التأثير الوقائي للقدرات العقلية
ارتفاع أداء الأطفال في اختبار الاستدلال الاستقرائي القائم على سلاسل الأعداد في سن الثالثة عشرة ارتبط بانخفاض احتمال الإصابة بالخرف في مرحلة الشيخوخة. فكل نقطة إضافية في هذا الاختبار ارتبطت بانخفاض احتمال الإصابة بالخرف بعد عقود من العمر بنحو 2%. أما الاختباران الآخران، وهما القدرة اللفظية والقدرة المكانية، فلم يُظهرا النمط نفسه، ولم يتنبآ بمفردهما باحتمال الإصابة بالخرف في مرحلة الشيخوخة.
وظل هذا الارتباط بين القدرة على الاستدلال الاستقرائي في مرحلة الطفولة واحتمال الإصابة بالخرف قائمًا حتى بعد أخذ مستوى تعليم الوالدين ومستوى التعليم الذي بلغه المشاركون أنفسهم في منتصف العمر في الحسبان. واللافت أن التعليم في منتصف العمر لم يعد مرتبطًا باحتمال الإصابة بالخرف بصورة مستقلة بعد إدخال القدرة على الاستدلال الاستقرائي في سن 13 عامًا في التحليل. وبعبارة أخرى، لم تجد الدراسة أن مستوى التعليم في منتصف العمر لم يعد مرتبطّا باحتمال الإصابة بالخرف بعد أخذ القدرة على الاستدلال في سن 13 في الاعتبار. وهذا لا يعني أن التعليم لا أثر له، بل يعني أن أثره الإحصائي لم يعد مستقلًا عن القدرة على الاستدلال الاستقرائي التي ظهرت في مرحلة الطفولة.
أوضح الباحثون أن هذه النتائج لا تثبت أن ضعف القدرات العقلية في الطفولة يسبب الإصابة بالأمراض في مرحلة الشيخوخة (أي العلاقة هنا ليست سببية). لكنها تتفق مع دراسات سابقة وجدت علاقة بين القدرات العقلية في الطفولة واحتمال الإصابة ببعض الأمراض في مرحلة الشيخوخة. وقد تتوسع الأبحاث طويلة الأمد مستقبلًا في دراسة ما إذا كان دعم نمو الطفل العقلي بصورة سليمة يمكن أن يحد من الإصابة بالخرف. ويقصد بدعم النمو العقلي مساعدة الطفل على تطوير مهارات مثل التفكير والتعلم والذاكرة والانتباه وفهم اللغة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال توفير تعليم جيد، وأنشطة تحفز الطفل على التفكير، وبيئة أسرية واجتماعية داعمة، إلى جانب عوامل أخرى تساعد الدماغ على النمو بصورة سليمة.
