2026/10/24 | 0 | 51
قرارك في التقاعد قرارَ ترتيبٍ لا قرار قطيعة
كثيرًا ما نسمع بين الفينة والأخرى مناداةً تتكرر كأنها وصفة جاهزة: " أعتنِ بنفسك"، "لا تبالِ بالآخرين"، " إن تجاوزت عقدك الخامس فلك أن تقلل من الجهد "، " يكفي ما فعلته سابقًا "، ثم تُعرض فكرة الانسحاب من الحياة العامة أو الاجتماعية بوصفها تهذيبًا للذات لا ظلمًا للغير. بينما الباري عز وجل يؤكد في قوله تعالى "فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب"، وقال " وإن ليس للإنسان إلا ما سعى". هذه بعض الآيات المباركات تشكل هداية لخط عام في حياة الإنسان وتعطيه بصيرة ينبغي له أن يتبعها بعد التأمل فيها والتدقيق في مضمونها والتفكر فيها، والبعض يعبّر عنها بأنها تصنع رؤية كونية للإنسان.
لا ننكر أن سنًّا متقدمة تحتاج إلى رفقٍ بالبدن، واحتواءٍ للطاقات، وتقديرٍ لما بذله الإنسان في سنوات العمر. لكن المشكلة ليست في طلب الراحة، بل في تحويل الراحة إلى ذريعة أخلاقية، وتبديل الحدود الصحية إلى قطيعة اجتماعية، ثم تزيين ذلك بخطاب لا يكتفي بتخفيف المسؤولية، بل يطالب بإلغاء معنى "الإحسان" و"صلة الرحم" و"حفظ الحقوق" بحجة أن الوقت قد انتهى.
لا شك بأن الراحة حق.. لا ترخيص للإهمال، فالراحة ليست عيبًا، وهي أحيانًا ضرورة طبية أو نفسية. لكن الحق في الراحة لا يعني أن يصبح الإنسان غير مسؤول. فالإنسان قد يخفّف جهده، لا أن يقطع وجوده الإنساني. إذ يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات.. راحة صحية.. تقليل العمل بسبب تعب حقيقي. راحة ترتيبية.. إعادة توزيع المسؤوليات بما يناسب الطاقة.. راحة إنقطاعية.. انسحاب يبرَّر بأنه "لا أريد" و "لا أبالي". المستوى الثالث هو الأكثر خطورة، لأنه يحوّل مفهوم الرعاية الذاتية من قيمة إلى قناع. ثانيًا.. "عدم الإزعاج" قد يتحول من معنى صحيح إلى قسوة ممّوهة.. من حق الإنسان ألا يستنزف نفسه في تفاصيل لا تناسبه، ولا أن يُكره على ما لا يستطيع. لكن حين يُصاغ الانسحاب بصيغة.. "لا أريد أن أزعج نفسي"، يصبح التعبير وكأنه شهادة إعفاء أخلاقية. إن الإحسان لا يحتاج دائمًا إلى جهدٍ شاق. أحيانًا يحتاج إلى: كلمة طيبة، وسؤال عن حال مريض، ومشاركة في مناسبة، ونصيحة مشفقة عند الحاجة، حضور باحترام دون إرهاق. فالقول: “لا أريد أي عمل” ليس دائمًا قرارًا صحيًا، وقد يكون- كما يحدث - قرارًا لتبرير البعد.. ثالثًا: التقاعد قرار إداري.. لا إلغاء للمعنى الإنساني.. كثيرون ينطلقون من فكرة: "تقاعدت" إذن "لا ألتزم". لكن العمل الذي قامت به اليد سابقًا لم يكن "مرغمًا عليه" في جوهره؛ بل كان خيارًا ومسؤولية تجاه الأسرة والمستقبل. وإذا كان الإنسان قد عاش المسؤولية سابقًا باختياره، فمن التناقض أن يغيّر المعنى عند نهاية العمر.. كأن ما صنعه صار منّة ثم انتهت المنّة! الأولى أخلاقًا أن نقول: "لم يعُد واجبي كعملٍ وظيفي، لكن يبقى واجبي كإنسان." رابعًا: عدم المبالاة بالآخرين عبارة أخلاقية مقلقة.. الأنفة من خدمة الناس مفهومٌ، لكن “عدم المبالاة” ليست قيمة، إنها انطفاء تدريجي للعلاقة. وكم من إنسان يبرر بروده بعبارات كبيرة، ثم يُكتشف لاحقًا أنه لم يترك العمل فحسب؛ ترك حقًا من حقوق المحبة والرحمة. قد تتغير الأدوار، لكن لا يصح أن تُسلب المبادئ من معناها. خامسًا: الفرق بين حدود صحية وقطيعة معنوية.. ليس المطلوب أن يظل المرء في دوامة اجتماعية، ولا أن يعيش كأنه لم يتقدم به العمر. إنما المطلوب ألا تتحول الحدود إلى عقابٍ للناس، وألا يصير الانسحاب رسالة.. "أنا فوق المسؤولية". الإنسان الحكيم يختار.. يقلّل الاحتكاك بما يجهده.. لا يقطع الإحسان عمن يحتاجه.. يوازن بين نفسه والآخرين، ويحفظ كرامته دون ظلم غيره. "، قال تعالى "إن سعيكم لشتى فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى".
إن الدعوة إلى الاعتناء بالنفس بعد سنٍّ متقدمة دعوة سليمة في أصلها، لكنها قد تنقلب إذا صيغت كتبرير للتخلي. فالراحة فضل، لكن "التخلي" ليس فضيلة؛ هو خطر عندما يُفهم على أنه حق في الانعدام.. لا عمل، لا مساندة، لا تواصل، ثم تُقدَّم القطيعة على أنها رقيّ.
فلنقل الحقيقة المتوازنة.. أنت تستحق راحةً، نعم. لكنك لا تستحق أن تُميت معنى إنسانيتك. حدودك الصحية تحفظك، أما انسحابك الإنساني فيجرّ العلاقات إلى الفتور ثم الفقد، ولذلك ينبغي أن يكون قرارك في التقاعد قرارَ ترتيبٍ لا قرار قطيعة.
جديد الموقع
- 2026-10-24 *هل الطلبيعة كتاب؟* *المقالة السابعة: الإنسان... من يقرأ الكتاب؟*
- 2026-10-24 السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام).. حين تكون الزوجة سكينةً للقلب وراحةً للروح
- 2026-10-23 تمت الموافقة على رمز اتحاد النقل الجوي الدولي الجديد في مطار ملهم الدولي (RMH) في الرياض
- 2026-10-23 وجدانيات تعبق بالشوق والحنين في بيت الشعر
- 2026-10-23 *سمو الأميرة عبير بنت فيصل تطّلع على أركان ومبادرات تعليم الشرقية ومشروعاته المشتركة مع مجلس "ابصر"*
- 2026-10-23 هيئة الأدب والنشر والترجمة تدشّن جناح المملكة المشارك في معرض باكو الدولي للكتاب 2026
- 2026-10-23 مجمع الدمام الطبي يحلّق عالمياً.. ضمن 6 مراكز للتميز في جراحات السمنة
- 2026-10-23 *أدبي الباحة يكرم الفائزين في مسابقة "قلوب البراعم تغرد للوطن" في أمسية وطنية بهيجة*
- 2026-10-23 ( أنا ناجية : واعية ، مطمئنة، قادرة، منتجة و ملهمة )
- 2026-10-23 110 طالبًا وطالبة من تعليم مكة المكرمة يتأهلون إلى المرحلة النهائية لمسابقة سيف العالمية ..