2026/08/18 | 0 | 35
قراءة في كتاب الدعاء
مع كتاب الدعاء – مشروع تغيير -، تأليف: السيد هاشم السيد حسن الموسوي، الطبعة الأولى:1435 هــ /2014 م.
حقيقة السعادة: - شخص واحد في السر والعلانية -
في دعاء عرفة للإمام الحسين (ع): «اللهم اجعلني أخشاك كأنني أراك وأسعدني بتقواك، ولا تشقني بمعصيتك».
ينبغي على الإنسان أن يعمل على أن تكون سريرته كعلانيته ، وهذا الأمر من الأمور الصعبة التي تحتاج إلى جهاد كبير، وإذا كان كذلك فسيكون شخصية واحدة إذا كان لوحده في خلوته، أو إذا كان مع الناس من حيث السلوك والعلاقة مع الله تعالى، فهذا الشخص كما يمتنع عن المعصية أمام أعين الناس يمتنع عنها أيضًا إذا كان لوحده وبعيدا عن الرقابة الاجتماعية؛ لأنه يستشعر الرقابة الإلهية، بل يشعر أنها أهم وأعظم من الرقابة الاجتماعية.
والذي يوفق لهذه الصفة الحميدة، ويحقق مفهوم الدعاء: «اللهم اجعلني أخشاك كأنني أراك. يشعر بحالة نفسية مريحة وهادئة ومطمئنة، بعكس الذي يُخفي ذنوبه عن أعين الناس، فهذا الإخفاء قد لا يطول كثيرا، وقد تفوح رائحته.
وكم ترك المجرم من بصمات العار التي وصم بها جبينه، وهو يحسب أنه لن يطلع عليها أحد، فينكشف من حيث لا يحتسب، والناس لا ترحم من كشِفَ غطاؤه، فتنهار شخصيته، وقد يتمكّن الشيطان من هذا الباب أن يسقطه اجتماعيا، ويبعده عن الالتزام بشكل كلي، وهذا ناتج من ازدواج في شخصيته؛ فهو فاسق إذا كان لوحده، ومؤمن إذا كان مع الناس.
عمل الصالحات سرا:
إذا كان الإنسان في خلوته عابدًا متضرعًا بعيدًا عن أعين الناس، أو أنه تصدق على الفقراء سرا، فلو انكشف أمره، فإنما ينكشف عن الخير والطاعة والعبادة، وهناك إشارات إلى أن الإنسان إذا عمل على إخفاء أعماله الصالحة، فإن الله يكشف مقامه للناس ولو بعد حين.
وقد نقل لي أحد أصدقائي عن شخص يعرفه يقول: إنه لم يكن يتوقع منه أنه يواظب على صلاة الليل، ولكن ولده سأله: «هل توجد صلاة تصلى الساعة الواحدة ليلا»؟
فقال له: «ولم هذا السؤال»؟
فقال: «لأنني أرى والدي يصلي في هذا الوقت»!
فالله سبحانه قد كشف هذا العمل الصالح الذي يقوم به هذا الشخص، مع أنه لم يسع في كشفه، وفي الواقع أن كشف العمل الصالح للناس لا يمثل أمرًا يستحق الاهتمام بعد أن رضي الله عن الإنسان، ورضوان من الله أكبر.
التقوى ترسخ الاطمئنان:
أما قوله (ع): «وأسعدني بتقواك»، فمن وجوه ذلك أن التقوى هي التي توفر للإنسان الاطمئنان النفسي؛ لأنها تمنعه من ارتكاب المعاصي، وما الذي يجعل الإنسان يعيش القلق والاضطراب، والشقاء غير المعاصي فالقاتل بغير حق كيف يعيش لحظة سعيدة؟
وقد قرأت أن شخصا ارتكب جريمة قتل، ولم يكتشف، ثم سلم نفسه بعد ثلاثين سنة، فلما سئل عن ذلك قال: إنَّني كنت أتعذب طيلة هذه الفترة، وأنا أسلم نفسي؛ لكي ينفذ في حكم الإعدام وأرتاح!
وهذا لا يقتصر على ذنب القتل، بل يشمل ذنب عقوق الوالدين والغيبة والسرقة، وغيرها، لا سيما الذنوب المتعلقة بحقوق العباد.
عندما تنكشف السعادة المزيفة:
السعادة المبنية على التقوى هي السعادة الحقيقية، أما سعادة الغناء والفجور، والرقص، فهي سعادة مزيفة، ولما ينكشف الغطاء يتبين أنها لم تكن سعادة وإنما كانت شقاء.
مسكين ذلك الذي يتجرع جرعة المخدرات، وهو يظن أنه يطير في السماء من الفرح، فلما ينكشف الغطاء في الدنيا يجد نفسه وقد انهارت، واضمحل جسمه، وذبلت وروده، وتكالبت عليه الأمراض، ورفضه المجتمع.
فأي سعادة مزيفة هذه؟ - هذا في الدنيا -.
أما في الآخرة، قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: 22]. وذلك لأنه من الذين: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: 7].
السعيد الحقيقي:
المتقي حتى لو كان معذَّبًا مشرّدًا مسجونا منبوذا فهو السعيد الحقيقي؛ لأنه سيكون سعيدا يوم يقسم الناس يوم القيامة: ﴿... ۚ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [سورة هود: 105]. لأنه سيكون من هؤلاء: ﴿۞ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۖ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108].
والأيام تمضي بسرعة، وتنخر في حياة الإنسان، وما أجمل كلام الإمام الكاظم (ع) عندما كان في السجن حيث خاطب هارون الرشيد قائلا: «إنه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلا انقضى عنك معه يوم من الرخاء حتى نفضي جميعًا إلى يوم ليس له انقضاء، يخسر فيه المبطلون».
إذا، النعيم الزائف سرعان ما سينقضي، والبلاء في السجن سرعان ما سينقضي، والعاقبة للمتقين.
المعصية شقاء:
«ولا تشقني بمعصيتك»، وقد تفتح هذه المعصية أبوابا وأبوابا قد يتعسر على الإنسان غلقها، فكلما دخل في معصية أدخلته هذه المعصية في معصية أخرى، فيجد نفسه في دوامة من المعاصي، فالزنا قد تكون بدايته نظرة محرمة، والإدمان على الخمر والمخدرات قد تكون بدايته جرعة قليلة، أو تجربة عبثية.
اقتران السعادة بذكر الله وطاعته:
من مصاديق السعادة أن يحمد الإنسان ربه على نعمه؛ لأن هذا الحمد والشكر يقتضي زيادة النعم ومضاعفتها، والإنسان يسعد بزيادة النعم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7].، والإمام زين العابدين (ع) يقول في دعائه في التحميد: «حمدًا نسعد به في السعداء من أوليائه». فالإمام (ع) يعلمنا الحرص على أن لا تفوتنا سعادة ذكر الله المتمثلة في الحمد.
السعادة في الرغبة إلى الله سبحانه:
من السعادة الرغبة إلى الله سبحانه، والتوجه إليه، والابتعاد عما يصرف عنه، وهذا ما يشير إليه الإمام السجاد(ع): «فالهالك منا من هلك عليه، والسعيد منَّا من رَغِبَ إليه».
وهذه النصوص كلها تشير إلى هذا النوع من السعادة، وهناك نص آخر يدعونا إلى فتح أعيننا القلبية؛ لنبصر السعادة الحقيقية، ولا نفرح بالدنيا ونغتر بها، فيقول الإمام السجاد (ع) في دعائه إذا أحزنه أمر: «حتى لا أفرح بما آتيتني من الدنيا، ولا أحزن بما منعتني». فعجيب أمر الإنسان الذي يفرح ويضحك وهو لا يدري هل الله راض عنه أم لا؟
ولا يحق لأحد أن يفرح إلا بعد أن يتيقن أنه قد استظل بظل رحمة الله تعالى وهذا القلق يجعل الإنسان يلح على الله في الدعاء بأن يجعله مع السعداء حتى لو كان مكتوبا في أم الكتاب مع الأشقياء، وذلك عن طريق البداء، يقول الإمام الصادق (ع): «وإن كنت عندك في أم الكتاب شقيا، فاجعلني سعيدا، فإنَّك تمحو ما تشاء، وتثبت، وعندك أم الكتاب». ويقول الإمام السجاد (ع): «يا من سعد برحمته القاصدون».
وكذلك قرن الإمام السجاد (ع) بين العبادة والسعادة في دعائه إذا نظر للهلال قائلا: «وأسعد مَنْ تَعبَّد لك فيه».
السعادة في حسن الخاتمة:
حسن الخاتمة من الأمور التي تقلق الإنسان؛ لأنها من الأمور المجهولة؛ حيث إن الإنسان لا يدري ماذا يكسب غدًا، وبأي أرض يموت، وعلى أي هيئة يموت؟ هل يموت ساجدًا في المسجد، أو مجاهدًا في الحرب، أو مجاهدًا في الكد على العيال، أم يموت بجرعة مخدرات، أو نائما على صدر فاسقة تحرم عليه؟ كيف ستكون نهايتي ونهايتك؟
لا أدري ولا تدري، وطبيعة الإنسان أنه يخاف من المجهول، وهذه علامة الاستفهام المتمثلة بهذا المجهول في معرفة حسن الخاتمة تلعب دورا خطيرا ينبغي علي وعليك أن نراعيه بحيث تكون كل أعمالنا حسنة؛ لأننا لا ندري متى سنموت، فإذا فعلنا فعلا سيئًا لا نملك ضمانًا أنه لن يكون آخر أفعالنا.
والمخيف في هذا الأمر أننا نرى العديد من عمالقة التاريخ الذين وصلوا إلى درجات عالية جدا سقطوا في موقف ضعف، وتهاوت أمجادهم في لحظات فإذا كان بلعم بن باعورا الذي عرف الاسم الأعظم ضعف وتهاوت أمجاده وصارت سرابا!!.
فما الذي يضمن لي ولك أن لا نقع فيما وقع هؤلاء فيه؟
من هنا نجد تركيزا شديدًا على مسألة حسن الخاتمة، وبيان ارتباط حسن الخاتمة بالسعادة، فكم يسعد ذلك الإنسان الذي يشعر بالراحة عند الموت والعفو عند الحساب؟!، يقول الإمام السجاد (ع): «واجعل ختام ما تحصي علينا كتبة أعمالنا توبة مقبولة لا توقفنا بعدها على ذنب اجترحناه، ولا على معصية ارتكبناها».
ويقول الإمام السجاد (ع): «وبلغني مبالغ من عُنيتَ بهِ، وأنعمت عليه، ورضيت عنه، فأعَشْتُهُ حميدا، وتوفيته سعيدا».
وهذه السعادة درجات؛ فهناك من يحظى بدرجة الشهادة في سبيل الله التي قرنها الإمام السجاد (ع) بالسعادة متكلّما عن المجاهد الغازي في سبيل الله، «فإن ختمت له بالسعادة، وقضيت له بالشهادة» ، وهي سعادة لا يمكن أن يعرفها كل الناس إلا من هداه الله.
السعادة في الإحسان للجيران:
السعادة مقترنة بكل أمر حسن، ومن ذلك الإحسان للجيران، وإذا ألقينا نظرة على دعاء الإمام السجاد السلام لجيرانه نجد أنه (ع) يطلب من الله أن يوفقه؛ لأداء حق جيرانه، ومساعدتهم في الشدائد، ويطلب من الله أن يكون جيرانه يبادلونه هذه الصفات الحسنة، فيقول (ع): «حتى يسعدوا بي وأسعد بهم».
ومن سعادة الإنسان أن يكون جاره طيبا، فلو أن الإنسان عاش في قصر جميل وفيه كل متطلبات الحياة، وله جار خبيث، فإنَّ هذا الجار ينكد عليه حياته وربما هم ببيع بيته لسوء أخلاق جاره.
فهذه إضاءة في السعادة الاجتماعية التي ينبغي على الإنسان أن يعمل على تحقيقها مع جيرانه، كما يتمنى أن جيرانه يكونون كذلك.
السعادة مع الحور العين:
وأختم بهذه الطريفة حيث إن أحد المستمعين كان يستمع إلى دعاء شهر رمضان الذي يقرأ عادة بعد دعاء الافتتاح: « اَللّـهُمَّ بِرَحْمَتِكَ فِي الصّالِحينَ فَاَدْخِلْنا، وَفي عِلِّيّينَ فَارْفَعْنا، وِبَكَأس مِنْ مَعين مِنْ عَيْن سَلْسَبيل فاسْقِنا »، وكان متكئا ناعسا ، وغير متفاعل مع كل فقرات الدعاء، فلما وصل القارئ إلى هذه الفقرة : « وَمِنَ الْحُورِ الْعينِ بِرَحْمَتِكَ فَزَوِّجْنا» اعتدل صاحبنا ورفع يديه، ونادى بأعلى صوته: (يا الله).
فهل يمكن لمثل هذا أن يعرف باقي أنواع السعادة التي اعتقد أنها مقتصرة على الحور العين؟
جديد الموقع
- 2026-08-18 قراءة في كتاب تعليم المتعلم طريق التعليم
- 2026-08-18 قراءة في كتاب حقيقة الدين
- 2026-08-18 "قلب أضناه الهوى".. بوح وجداني يختزل تقلبات الذات بين ألم التجربة وشفافية الكلمة
- 2026-08-17 سعادة وكيل محافظة الأحساء يلتقي الشركاء الاستراتيجيين لمعرض «اللومي الحساوي 2026» ويؤكد دعم سمو محافظ الأحساء للمبادرات الزراعية والتنموية
- 2026-08-17 نيابةً عن سمو محافظ الأحساء وكيل المحافظة يستقبل مدير عام الإدارة العامة للتوجيه والإرشاد بوزارة الداخلية
- 2026-08-17 نيابةً عن سمو محافظ الأحساء وكيل المحافظة يستقبل مدير عام الإدارة العامة للتوجيه والإرشاد بوزارة الداخلية
- 2026-08-17 اكتشاف آلية تساعد على بدء المخاض وعلاجات محتملة للوقاية من الولادة المبكرة
- 2026-08-17 وزير التعليم يصدر قرارًا بتمديد تكليف الدحيلان عميدًا لتقنية الأحساء
- 2026-08-17 "نادي النورس الثقافي" بالأحساء يطلق كتاب "النسخة التي ماتت قبلي" للكاتب محمد الحرز
- 2026-08-17 المنطقة الشرقية… عروس الخليج