2026/09/11 | 0 | 60
فوزية أبوخالد والقراءة
حينما أردت أن أكتب عن الدكتورة فوزية أبوخالد احترت كثيرًا أي الجوانب أختار لأكتب عن واحدة من أهم المعالم الشعرية والأدبية الكبرى في الوطن العربي؟ بماذا أبدأ وكيف أنتهي؟
أأبدأ بما قاله محمد العلي عنها بأنها الشاعرة المائية، "كُتبها ماء السراب ومرثية الماء وما بين الماء وبيني"؟
أم بما قاله فيها الدكتور عبد الله الغذامي: تظل فوزية أبوخالد في وسط هذه المعارك الثقافية صامدة بقصيدتها وبمقالتها وبمواقفها من أجل قضية كتابها الأول؟
أم بما قاله فيها الناقد محمد الحرز بأنها صوت الـتمرد الأنثوي الـذي خرج من قلـب الـصحراء؛ لـيرتفع في أرجائها مثل عمود النور المنطلق إلى عنان السماء؟
أم بما قالته عنها الدكتورة ميساء الخواجة بأنها "امرأة احترفت الشعر والشعر احترفها"؟
أم بوصف الدكتورة فوزية البكر لنضالها بأنه الشراسة الناعمة؟
فحينما تقرأ عنوان (إلى متى يختطفونك ليلة العرس) الذي كُتبَ في منتصف سبعينيات القرن الماضي فإنك تتعجب من جماله وجرأته في آن، لكن التعجب يزداد حينما تعلم أن الكاتب امرأة، ويتضاعف التعجب والإعجاب حينما تعلم أنه لفتاة لم تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها. أما حينما تقرأ الكتاب فتلك حكاية أخرى يجب أن تروى أكثر مما رويت عشرات المرات، لا يعكس سوى التصاق مبكر بعالم الكتب والقراءة حتى استطاع كأس قراءتها أن يفيض في ذلك العمر المبكر.
هذا الكتاب، إلى جانب (تمرد عذري) في عام 2008، وعشرات الكتب والدراسات والمشاركات المتنوعة، تخط سطورًا خالدة في كتاب الزمن في بلادنا الحبيبة، لم تتوقف رغم كل العقبات التي كانت لا تزيدها إلا إصرارًا وتصميمًا على مواصلة دربها كاتبةً من الصف الأول من الكاتبات، وشاعرةَ احتجاج وتمرد ناعم لا يكاد يتوقف.
هي الكاتبة والشاعرة المتألقة والأكاديمية المعروفة التي كانت في كل خطوة وعبر العقود الماضية في مسيرتها المهنية والأدبية تعلن عن تمردها الجريء على كل ما تراه خاطئًا أو يعاكس الفطرة السليمة، جامعةً لطباعِ ومزاجِ نجد حيث أبوها، والحجاز حيث والدتها الهاشمية، ومعترفة دون وجل أو مكابرة أنها اقترفت جنحة التجديد في قصيدة النثر بعناد طفولي، كما تقول هي أيضًا، متسلحة بالصبر تارة وبالتوتر والعذاب أخرى، وبتشجيع والدها رحمه الله ثالثة، حيث كان يشجعها على القراءة ويطرب لكتابتها، حتى تتمكن من إيصال رسالتها في زمنٍ أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه صعب للغاية. كل هذا رغم أنها عاشت طفولة أرستقراطية - كما تقول بنفسها - بين الرياض ومكة المكرمة والطائف ولبنان وسويسرا وغيرها؛ ما يؤهلها أكثر من غيرها لكي تكون بعيدة عن هذا الطريق الموحش والمليء بالأشواك.
أصدرت مجموعة كبيرة من الكتب والدراسات في جوانب واتجاهات متنوعة، حظي بعضها بالترجمة إلى لغات كالإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية، إلى جانب آلاف المقالات المتنوعة في الصحف المحلية والعربية.
ومنذ أن ارتقت سنام قصيدة النثر واقتحمت حقل ألغامه وهي تسير في "وحشة طرق شعرية غير آهلة" كما قالت؛ خطف بريقه الغامض البعيد بصرها وأثار فضولها منذ نعومة عودها "حين لمحت ريشة قصيدة النثر تطير لا تلوي على شيء إلى أفق بعيد" (مجلة المجلة، يوليو 2024م). هكذا كانت حتى أصبحت رائدة لقصيدة النثر في المملكة، ورائدة في التنوير وفي الأنشطة الثقافية والاجتماعية، جامعة بين ريادات عدة كما قال عنها الكاتب علي الرباعي، وحاملة لرسالة الكتب، ومواصلة لمسيرتها كاسم لامع مائز ومختلف يصعب منافسته في ذاكرة الكتابة والإبداع الشعري.
في علاقتها بالكتب والقراءة قصة طويلة لم تبدأ يوم صدور كتابها الأول، ولم تنته حين أصيبت بالسرطان، ولا تزال تكافح وتنافح في طريق شاق وطويل بدأ منذ عقود ولا يزال متواصلًا حتى اليوم. استلهمت حب القراءة من أمها (الشريفة نور الهاشمي) التي كانت شغوفة بالقراءة ومشجعة لها حين كانت تأخذها إلى مكتبة المؤيد في الطائف وتشتري لها بعض كتب الأطفال، جنبًا إلى جنب مع الطقس الذي كانت تشارك فيه أخوالها وهي صغيرة حين كانوا يقرؤون قصة ألف ليلة وليلة قراءة جماعية.
وفي أوتوستراد القراءة الحافل والمزدحم قال عنها ابنها الدكتور غسان العقبي: كنا نتناقش منذ الصغر في المقالات وعن كبار الروائيين العالميين، لم تكن تقرأ لنا القصص بطريقة تقليدية بل كنا نتشارك في القراءة والأسئلة، وكانت القراءة جزءًا من جدولنا الأسبوعي، تسمع معنا أعمالًا موسيقية، تحرص- دون أن تملي- على تثقيفنا بكل جديد، مسكونة بهم التنوير والتنمية الثقافية.
وهي بهذه المحاولات وبغيرها لا تريد لراية القراءة التي حملتها مذ بدأتها قبل عقود أن تسقط، بل قامت وتقوم بما يلزم لكي تكون ديدن الأجيال الجديدة، إن بتشجيعها المباشر أو بمقالاتها أو بمشاركاتها المنبرية خلال مسيرتها الأدبية الطويلة. وقد نجحت في ذلك، فقد قال لي ابنها غسان إنه أراد أن يحقق هدفها في نقل محبة الكتب منها إلى ابنه (بعدما انتقل منها إليه)؛ حيث قام هو بما كانت تقوم به أمه بقراءة الكتب الأدبية مع ابنيه (عبد الرحمن ومحمد). بل إنه كان يقرأ لهما تارة من نفس نسخ الكتب التي كانت أمه تقرأ له منها، وكأن أمه (الدكتورة فوزية) تقرأ لحفيديها. وهكذا تنتقل محبة الكتب من الشريفة نور إلى فوزية إلى غسان إلى عبد الرحمن ومحمد، في سلسلة ذهبية من القراءة الجادة التي لا تنبت سوى المعرفة السوية القائمة على حب الحياة والوطن والعلم المفيد.
كما أن مَلَكة الكتابة بدأت بالانتقال إلى ابنة الدكتورة فوزية (طفول) حين أصدرت كتابها (طفولة سعودية)، وكأن هذه المَلَكة تصر أن تبقى كحبل سري لا يزال متصلًا منذ عقود خمسة ولا تريد له الدكتورة فوزية أن ينقطع.
جديد الموقع
- 2026-09-11 قراءة جزائرية في سرديات "من الجدير ذكره" العراقية
- 2026-09-11 هل القراءة المهنية ممتعة؟
- 2026-09-11 كيف يحدد الدماغ ما إذا كانت نتائج قراراتنا بسببنا أم بسبب الظروف الخارجة عن ارادتنا؟
- 2026-09-11 النرجسية العدائية عند بعض النساء: بين مسامحة المسيء وتجنبه والانتقام منه
- 2026-09-11 نصُّكَ بينَ الانشغالِ والإشغال)
- 2026-09-10 أفراح العبداللطيف والناصر تهانينا
- 2026-09-10 «بر الفيصلية» يعزز ثقافة التطوع ويربط التجربة التطوعية بالتنمية المهنية
- 2026-09-09 *«سند» بالأحساء تعزّز حضور المسؤولية الاجتماعية في القطاع الخاص بلقاء «صُنّاع الأثر» في جادة30*
- 2026-09-09 سمو محافظ الأحساء يستقبل معالي نائب وزير الصناعة والثروة المعدنية
- 2026-09-09 كتب غيرت في العالم – 3