تشير الإحصاءات إلى أن حجم الأسرة في كثير من الدول آخذ في التقلص، وأن عددًا متزايدًا من الأزواج حول العالم أصبحوا يكتفون بإنجاب طفل واحد، إما باختيارهم وتخطيطهم، أو لظروف خارجة عن إرادتهم. وعلى الرغم من أن كثيرًا من الدراسات النفسية تناولت الاختلافات بين الأشخاص الذين لديهم أشقاء (إخوة و/أو أخوات) وأولئك الذين نشأوا دون أشقاء، فإن آثار النشأة دون إخوة أو أخوات في الدماغ والسلوك لم تتضح بعد بصورة كاملة.
وقد أسفرت الدراسات السابقة عن نتائج متباينة، بل متناقضة أحيانًا؛ إذ أشارت بعض الدراسات إلى وجود آثار سلبية لكون الشخص وحيد والديه، في حين كشفت دراسات أخرى عن آثار إيجابية. ولم تكن هذه النتائج متسقة أيضًا؛ فبعض الدراسات وجدت أن الأطفال الوحيدين في الأسرة يحققون أداءً أفضل في المدرسة، ويتمتعون بمهارات اجتماعية أفضل، وتقل لديهم المشكلات السلوكية، بينما توصلت دراسات أخرى إلى نتائج معاكسة.
وفي هذا السياق، أجرى باحثون في المستشفى العام التابع لجامعة تيانجين الطبية، بالتعاون مع باحثين من مؤسسات صينية أخرى، دراسة حديثة هدفت إلى معرفة كيف تؤثر النشأة دون إخوة أو أخوات في الدماغ والسلوك خلال مرحلة الرشد (التي تبدأ، وفق التعريف المستخدم في الدراسة، عند سن العشرين). وقد كشفت نتائج الدراسة، المنشورة في مجلة Nature Human Behaviour (نيتشر هيومن بيهيفيور)، عن أنماط مميزة في بنية الدماغ ونشاطه، فضلًا عن سمات سلوكية تظهر لدى بعض الراشدين الذين نشأوا بوصفهم أطفالًا وحيدين في أسرهم.
وذكر جيه تانغ (Jie Tang) وجينغ تشانغ (Jing Zhang) وزملاؤهما في دراستهم: "مع تزايد عدد الأسر التي تقتصر على طفل واحد في مختلف أنحاء العالم، تبرز أهمية فهم آثار النشأة دون إخوة أو أخوات (GWS) في الدماغ والسلوك عند بلوغ مرحلة الرشد، إلى جانب فهم الدور الذي تؤديه البيئة المحيطة في تشكيل هذه الآثار". (1)
هدف الدراسة ومجالات البحث
وأضاف الباحثون: "اعتمدنا على بيانات مجموعة الصين للدراسات الوراثية والتصوير العصبي (CHIMGEN) (3، 2)، التي جعلت دراسة العوامل الوراثية والبيئية والتفاعلات بينها وعلاقتها بالصفات الظاهرية ممكنة. وبحثنا في ارتباط النشأة دون إخوة أو أخوات (GWS) ببنية الدماغ ووظائفه (4)، والاتصالية الوظيفية بين مناطقه (5)، والقدرات الإدراكية (6)، وسمات الشخصية (7)، والصحة النفسية (8). كما سعينا إلى تحديد دور العوامل البيئية المرتبطة بهذه النشأة، بما فيها الوضع الاجتماعي والاقتصادي (9)، في تشكيل الاختلافات في الدماغ والسلوك".
عينة الدراسة ومنهجيتها
شملت الدراسة 2,397 زوجًا من المشاركين، اختيروا من بيانات مجموعة CHIMGEN التي جُمعت في 32 مركزًا بحثيًا في الصين. وتكوّن كل زوج من شخص نشأ دون إخوة أو أخوات، وآخر لديه إخوة و/أو أخوات، مع الحرص على تقارب أفراد كل زوج في الخصائص الديموغرافية والخلفيات الاجتماعية والاقتصادية والعرقية، بما يتيح إجراء مقارنة أكثر دقة بين المجموعتين.
نتائج الدراسة
1- الاختلافات الدماغية والإدراكية
وذكر تانغ وتشانغ وزملاؤهما: "وجدنا أن النشأة دون إخوة أو أخوات ترتبط بارتفاع سلامة الألياف العصبية المرتبطة باللغة، وهي مسارات من المادة البيضاء تسهم في معالجة اللغة والتواصل، وانخفاض سلامة الألياف الحركية، وزيادة حجم المخيخ، وصغر حجم الدماغ، وانخفاض نشاط المنطقة الصدغية الجبهية".
2- القدرات الإدراكية والصحة النفسية ودور البيئة
وأضاف الباحثون: "خلافًا للصورة النمطية التي تربط النشأة دون إخوة أو أخوات بالمشكلات السلوكية، وجدنا ارتباطات إيجابية بينها وبين القدرات الإدراكية والصحة النفسية. كما وجدنا أن معظم الاختلافات المرتبطة بهذه النشأة في مؤشرات الدماغ والسلوك تتوسطها عوامل بيئية قابلة للتغيير، مثل الوضع الاجتماعي والاقتصادي (9)، ورعاية الأم، ودعم الأسرة. وتشير هذه النتائج إلى وجود مجالات يمكن أن تستهدفها التدخلات الرامية إلى تعزيز نمو الأطفال".
الصورة: تصوير الدماغ والاختلافات السلوكية بين المشاركين في الدراسة ممن لديهم أخوة / أخوات والمشاركين الوحيدين في أسرهم
3- الدلالات والتطبيقات
وتشير هذه النتائج إلى أن الاختلافات التي قد تظهر لدى الذين نشأوا دون إخوة أو أخوات لا تعود بالضرورة إلى كونهم أطفالًا وحيدين في أسرهم، بل يرتبط كثير منها بالظروف البيئية والتجارب التي مروا بها خلال طفولتهم. وهذا يعني أن وجود الإخوة والأخوات ليس العامل الوحيد الذي يسهم في تشكيل نمو الطفل وتطوره؛ إذ يمكن للأطفال الوحيدين في أسرهم تنمية قدراتهم العقلية، وتعزيز صحتهم النفسية، واكتساب المهارات الاجتماعية والسلوكية من خلال توفير فرص متنوعة للتفاعل مع أطفال آخرين، والمشاركة في الأنشطة الجماعية، وخوض تجارب تعليمية واجتماعية مختلفة، إلى جانب الرعاية الأسرية والدعم المناسب. وقد تسهم هذه العوامل في دعم نموهم المعرفي والنفسي والسلوكي على المدى الطويل.

