2026/11/07 | 0 | 169
أين يختلّ ميزان الإنفاق؟
اقتصاد المعيشــــة ( 9 )
ليس من الصعب أن ينفق الإنسان ماله، ولكن الصعب أن يعرف متى ينفق، وأين ينفق، وكم ينفق. فقد يبدّد أمواله وهو يظنّ أنّه يستمتع بحياته، وقد يحرم نفسه وأسرته وهو يعتقد أنّه يُحسن التدبير، وقد ينفق بسخاء في غير موضعه، ثم يتردّد في بذله حين يصبح واجبًا أو حاجةً حقيقية.
وهنا تظهر مفارقة السلوك المالي؛ فقد يكون الخلل في كثرة الإنفاق، أو في قلّته، أو في توجيهه إلى غير ما ينفع. فالاعتدال المالي لا يُقاس بمقدار ما ننفقه أو ندّخره فحسب، بل بمدى ملاءمة الإنفاق لحاجاتنا، وانسجامه مع مسؤولياتنا، وما يحقّقه من منفعة حقيقية.
ومن هنا، فإنّ فهم أخطاء الإنفاق الثلاثة: الإسراف والتبذير والتقتير، يمثّل خطوة أساسية نحو وعي اقتصادي يجعل المال وسيلةً لحياة كريمة، لا مصدرًا للتباهي أو الحرمان.
أولًا: الإسراف... حين يتجاوز الإنفاق حدَّه المناسب
الإسراف هو مجاوزة الحدّ المناسب في الإنفاق، بحيث يتخطّى الإنسان ما تقتضيه حاجته أو قدرته أو مسؤوليته، من غير مبرّر معقول. وليس كلّ إنفاق كثير إسرافًا؛ فقد تقتضي حاجات الأسرة نفقات مرتفعة، أو تستدعي ظروفها الاستثنائية ذلك، أو يكون الإنفاق موجّهًا إلى تعليم الأبناء وصحتهم ومستقبلهم. وفي المقابل، قد يقع الإسراف في أشياء قليلة الثمن إذا تكرّرت بلا حاجة وتراكمت حتى أصبحت عبئًا على الميزانية.
ولهذا يوجّهنا القرآن الكريم إلى قاعدة واضحة في الاستهلاك، فيقول تعالى:
﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ الأعراف: 31
فالآية لا تدعو إلى ترك الطيّبات أو التضييق على النفس، وإنّما ترسم حدًّا أخلاقيًّا يحفظ النعمة من المبالغة وتجاوز الحدود.
ويتجلّى الإسراف في مظاهر يومية، منها شراء ما يفوق الحاجة لمواكبة الآخرين، وتغيير الأجهزة والأثاث قبل انتهاء صلاحيتها، والمبالغة في الولائم، والاشتراك في خدمات لا تُستعمل، وشراء منتجات تنتهي صلاحيتها قبل الانتفاع بها. وقد يبدو كلّ تصرّف بسيطًا بمفرده، لكنّ اجتماع هذه المصروفات يحوّل أجزاءً من الدخل إلى نفقات لا تضيف قيمة حقيقية للحياة، ويحرم الأسرة من فرص الادخار وسداد الديون ومواجهة الطوارئ.
إذن، ليس السؤال: كم أنفقنا؟ بل: هل كان إنفاقنا مناسبًا لحاجتنا وإمكاناتنا، أم تجاوز الحدّ الذي تقتضيه المصلحة؟
ثانيًا: التبذير... حين يذهب المال إلى غير موضعه
إذا كان الإسراف يتعلّق بتجاوز الحدّ المناسب، فإنّ التبذير يسلّط الضوء على إهدار المال وصرفه في غير وجهه الصحيح والنافع. وقد يجتمع المفهومان في تصرّف واحد، لكنّهما ليسا متطابقين؛ فقد يكون الإنفاق كثيرًا ومبرّرًا فلا يكون إسرافًا، وقد يكون قليلًا في مقداره، لكنّه موجّه إلى غرض عبثي أو محرّم، فيكون تبذيرًا من جهة غايته.
وقد جاء التوجيه القرآني واضحًا في قوله تعالى:
﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾، ثم قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ الإسراء: 26–27
ويكشف هذا السياق أنّ المال ليس أداةً لإشباع الرغبات الفردية فحسب، بل يرتبط أيضًا بالحقوق الاجتماعية ومسؤولية الإنسان تجاه ما يملك وحاجات الآخرين.
ومن صور التبذير شراء أشياء لا يُنتفع بها، أو الإنفاق في ممارسات ضارّة، أو المبالغة في المظاهر الاستعراضية لإثبات المكانة أمام الناس، أو إهدار الطعام الصالح للأكل مع إمكان حفظه أو إيصاله إلى محتاج. وقد يظهر كذلك في الدخول في مشروع من دون دراسة أو تقدير للمخاطر، لمجرّد الحماسة أو تقليد الآخرين.
ولا يعني ذلك أنّ كلّ تجربة غير ناجحة تبذير، أو أنّ كلّ مشروع خاسر كان قرارًا غير حكيم؛ فقد يخسر الإنسان رغم الدراسة الجادّة واتخاذ أسباب النجاح. إنّما موضع النقد هو الإهدار الناشئ عن اللامبالاة وغياب التقدير، أو توجيه المال إلى ما لا يحقّق منفعة معتبرة.
ومن هنا، فإنّ السؤال الكاشف للتبذير هو: هل وضعت المال في موضعه الصحيح، وهل تحقّقت من الغاية التي أنفقته من أجلها؟
ثالثًا: التقتير والبخل... حين يصبح التوفير سببًا للحرمان
قد يظنّ بعض الناس أنّ تقليل المصروفات فضيلة في جميع الأحوال، وأنّ الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من المال دليل حسن التدبير. لكنّ هذا التصوّر يغفل أنّ المال وُجد لتلبية الحاجات المشروعة، والوفاء بالالتزامات، وتحقيق الاستقرار والكرامة، لا لمجرّد تراكمه.
والتقتير هو التضييق في الإنفاق عن الحدّ المناسب، بحيث لا يحصل الإنسان أو من يعولهم على ما يحتاجون إليه مع القدرة على توفيره. أمّا البخل، فيرتبط بالإمساك عن بذل المال في موضع ينبغي بذله فيه. وقد يلتقي المفهومان في السلوك نفسه، لكنّ التقتير يصف ضيق الإنفاق، بينما يبرز البخل جانب الامتناع عن البذل حين يكون مطلوبًا.
وقد وضع القرآن الكريم ميزانًا دقيقًا لهذا السلوك، فقال تعالى:
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ الإسراء: 29
فالآية تنهى عن طرفين: الإمساك الذي يعطّل الإنفاق المناسب، والبسط الذي يستنزف المال ويترك صاحبه عاجزًا عن الوفاء بالتزاماته. والميزان بينهما هو حسن التقدير، لا الانحياز إلى كثرة الإنفاق أو قلّته.
ويظهر التقتير عندما يمتنع ربّ الأسرة عن توفير الغذاء المناسب أو العلاج الضروري أو التعليم الأساسي لأبنائه، مع قدرته على ذلك، بحجّة الادخار. ويظهر البخل عند الامتناع عن أداء حقّ مالي واجب، أو التضييق على من تجب نفقتهم، أو حجب المساعدة في موضع تتعيّن فيه المسؤولية.
لكن لا يصحّ الحكم على كلّ تقليل للمصروفات بأنّه تقتير؛ فقد تضطر الأسرة إلى خفض نفقاتها بسبب انخفاض الدخل أو تراكم الديون أو الاستعداد للطوارئ، وقد يكون تأجيل الكماليات قرارًا حكيمًا يحميها من العجز المالي. فالفارق ليس في مقدار ما نقتصد فيه، بل في طبيعة ما نقتصد منه، والحقوق التي نحفظها أو نضيّعها.
فالادخار الذي يحمي المستقبل حكمة، أمّا الادخار الذي يهدر الحاضر ويضيّع الحقوق فليس اعتدالًا.
رابعًا: كيف نميّز بين الإسراف والتبذير والتقتير؟
لنفترض أنّ أسرة أرادت شراء جهاز منزلي جديد؛ فإذا اختارت جهازًا باهظ الثمن يفوق حاجتها وإمكاناتها، مع وجود بديل مناسب، فقد وقعت في الإسراف. وإذا اشترت أجهزة متعدّدة لا تحتاج إليها، أو أنفقت على مظاهر لا غاية منها سوى التباهي، اقترب سلوكها من التبذير. أمّا إذا امتنعت عن إصلاح جهاز ضروري أو شراء بديل مناسب، رغم قدرتها المالية، حتى تعطّلت مصالح الأسرة، فقد يكون ذلك تقتيرًا.
وكذلك الإنفاق على تعليم الأبناء؛ فتحمّل نفقات مرتفعة لتوفير تعليم جيد، إذا ناسبت الإمكانات وحقّقت نفعًا معتبرًا، لا يُعدّ إسرافًا لمجرّد ارتفاع المبلغ. أمّا الإنفاق على تعليم لا يلائم احتياجات الأبناء لمجرّد تقليد الآخرين، فيكشف عن سوء تقدير، كما أنّ حرمانهم من احتياجاتهم التعليمية الأساسية مع القدرة على توفيرها ليس اقتصادًا محمودًا.
ويمكن التمييز بين هذه الأخطاء من خلال ثلاثة أسئلة:
• سؤال المقدار: هل تجاوز الإنفاق الحدّ المناسب للحاجة والقدرة؟ هنا قد يظهر الإسراف.
• سؤال الوجهة: هل وُجّه المال إلى غرض عبثي أو غير نافع، أو أُهدر بلا مبرّر معتبر؟ هنا تظهر مشكلة التبذير.
• سؤال الحقوق: هل أدّى تقليل الإنفاق إلى حرمان الإنسان أو أسرته من حاجة أساسية، أو إلى تضييع حقّ واجب؟ هنا يبرز التقتير أو البخل.
وتساعد هذه الأسئلة على تجاوز الأحكام السطحية؛ فالمظهر الخارجي وحده لا يكفي للحكم على الإنفاق. قد يكون شراء شيء مرتفع الثمن قرارًا رشيدًا إذا اقتضته الحاجة والجودة وطول العمر، وقد يكون شراء شيء رخيص تبذيرًا إذا كان سريع التلف ويستلزم الاستبدال المتكرر. كما أنّ الإنفاق على الآخرين ليس تبذيرًا لمجرّد أنّه لا يعود بمنفعة مباشرة على صاحبه؛ فقد يكون إحسانًا أو أداءً لحقّ أو مساهمةً في مصلحة اجتماعية.
وهكذا، يتبيّن أنّ الاعتدال ليس نقطة حسابية ثابتة، بل تقدير واعٍ يجمع بين الحاجة والقدرة والغاية والنتيجة، ويراعي اختلاف الظروف من أسرة إلى أخرى.
خاتمة: قبل أن تنفق... اسأل نفسك
إنّ إدارة المال بوعي لا تبدأ من تقليل المصروفات آليًّا، ولا من إباحة الإنفاق ما دام الدخل يسمح به، بل من التمييز بين ما نحتاج إليه وما نرغب فيه، وبين ما ينفعنا وما يستنزف مواردنا، وبين ما ينبغي توفيره وما لا يجوز حجبه.
وقبل كلّ إنفاق مهمّ، لنسأل أنفسنا: هل أحتاج إلى هذا فعلًا؟ هل يتناسب مع إمكاناتي والتزاماتي؟ هل يحقّق منفعة تستحقّ ما أدفعه؟ وهل يؤدّي هذا القرار إلى تضييع حقّ أو إضعاف استقرار الأسرة؟
إنّ هذه الأسئلة تحوّل الإنفاق من استجابة عفوية للرغبات إلى قرار واعٍ تحكمه المسؤولية. فالاعتدال ليس أن ننفق أقلّ ما نستطيع، ولا أن ننفق كلّ ما نملك، بل أن نضع المال حيث ينبغي أن يكون: في موضع الحاجة، والمنفعة، والحقّ، والكرامة.
جديد الموقع
- 2026-11-08 (انتظار الدهشة)
- 2026-11-08 مجلس -ابصر- يشارك في انطلاق موسم التشجير الوطني 2026 بالمنطقة الشرقية تحت شعار (جيل يغرس لوطن يزدهر)
- 2026-11-08 *سفارة أدب الباحة تقرأ أسطر الأنثروبولوجيا على جدرانها*
- 2026-11-08 *د.إسراء رمضان أخصائية طب وجراحة العيون بمستشفيات الحمادي:* *حساسية العين عند الأطفال تحدث مع تغيّر الفصول.. وأعراضها البسيطة لا يجب تجاهلها*
- 2026-11-08 سمو محافظ الأحساء يستقبل مدير إدارة دوريات الأمن بالمنطقة الشرقية
- 2026-11-08 نائب أمير المنطقة الشرقية يستقبل مدير الإقليم الشرقي لشركة STC
- 2026-11-08 أمير المنطقة الشرقية يستقبل مجلس إدارة جمعية أيتام الجبيل
- 2026-11-08 أمير المنطقة الشرقية يطّلع على إنجازات (STC) وتقرير الاستدامة للعام 2025
- 2026-11-08 سمو محافظ الأحساء يستقبل المشرف العام على موسوعة "كيوبيديا" العالمية ويطّلع على مشروعاتها المعرفية
- 2026-11-08 د. إسراء الجزيري.. ابتكار سعودي لجهاز تناظر زراعة القوقعة