2026/10/15 | 0 | 96
حتى لا ننساهم
عندما نرى أي شخص من أبناء منطقتنا يُكرَّم بأي شكل من أشكال التكريم، مثل زيارة الوجهاء له، أو تكريمه تقديرًا لعطائه في ميادين الخير، أو تأليف كتاب عن سيرته، أو إجراء لقاء معه عبر برامج التواصل الاجتماعي، أو حتى كتابة مقال صغير بقلم متعثّر يتأرجح بين الإقدام والإحجام، كما نفعل نحن، ندرك أن لكل شخصية أبعادًا متعددة.
فهذه الأبعاد يمكن لكل باحث أن يقرأها وفقًا لفهمه وقدرته ومدى علاقته بتلك الشخصية؛ فقد يكون جارًا لها في الحي أو المنطقة أو المدينة، أو تربطه بها صلة من خلال أحد أقاربها، أو يكون قد زاملها في أحد ميادين العمل.
ونتذكر هنا تكريم بعض الشخصيات التي تتعدد أبعادها، سواء أكان ذلك بعد طول غيابها عن وجه الأرض وانتقالها إلى رحمة الله، فتعود ذكراها من جديد، أم كانت لا تزال حية ترزق، لكنها قابعة في منزلها، لا يعرف الناس عنها إلا القليل. وهكذا نكشف بعض ما كان مجهولًا، وما اختفى وراء الستار مدة من الزمن، ثم تعود الشخصية إلى غيبتها من جديد، بعد أن تنكشف جوانب محدودة من سيرتها.
أما من توفاه الله، فكأنما يخرج من قبره من جديد ليعود إلى الذاكرة، ويصبح حديث الناس لبضعة أيام، يتناولون خلالها جوانب متعددة من حياته ومحطات من سيرته، إلى أن تتراجع ذكراه تدريجيًا بعد انتهاء مراسم الفاتحة أو برنامج استعراض سيرته، ويعود كل شخص إلى مشاغله واهتماماته، منشغلًا بما يملأ وقته.
ولنا في سير بعض الشخصيات التي أسهمت في إقامة صروح شامخة يستمر الانتفاع بها على مر العصور والأيام أمثلة تستحق الوقوف عندها؛ إذ تُقام لها الذكريات السنوية وفاءً لعطائها وتخليدًا لأعمالها.
ومن هذه الشخصيات مؤسس مسجد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في حي الدانة بالدمام، المرحوم الحاج أحمد حسن النمر (أبو عبد اللطيف)، الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى بتاريخ 3/5/1439هـ. رحمه الله وحشره مع محمد وآل محمد.
وللعلم، فإن تاريخ تأسيس المسجد هو 15 شعبان عام 1427هـ، أما افتتاحه فكان بتاريخ 18/12/1428هـ.
لقد أوقف المرحوم هذا المسجد وشيده في حي صغير المساحة، لكنه أسهم في إيجاد بيئة دينية أصبحت محط أنظار الأحياء الأخرى، واستقطبت المصلين من مختلف الأحياء. ولا يزال أبناء المرحوم على صلة بالمسجد عن بُعد، بعد أن انبرت شخصيات من الحي للعناية به والاهتمام بمختلف شؤونه.
ونتذكر أن المرحوم كان يعتني بالمسجد ويشرف على كل صغيرة وكبيرة فيه، ولم يكن يُقام أي برنامج إلا بعد موافقته.
ولا شك أن إنشاء وقف كالمسجد يُعد من أعظم أعمال البر التي يُرجى لصاحبها بها الأجر العظيم في الدنيا والآخرة؛ فالمسجد من المرافق التي يحتاج إليها الصغير والكبير، ولا سيما إذا كان قريبًا من عدة أحياء، ويخدم شرائح متعددة من المجتمع، من كبار السن والمحتاجين وغيرهم.
كما أن إقامة المساجد والأوقاف تحتاج إلى أوقاف أخرى داعمة، مثل تخصيص منشآت ذات مردود مالي لخدمة المسجد، بما يسهم في تغطية تكاليف صيانته والمحافظة عليه، وخصوصًا المرافق التي تتطلب صيانة مستمرة، مثل دورات المياه، وغيرها من الخدمات اللوجستية، كصيانة المواقف، وتجديد الفرش، وصيانة الإنارة.
ونأمل أن يُحتذى بهذا النهج، وأن تُنشأ أوقاف ومشروعات مجتمعية أخرى في الأحياء، مثل نادٍ لكبار السن، ولا سيما المتقاعدين، أو حديقة عامة، أو مضمار للمشي، أو مراكز تعليمية للشباب، إلى جانب تهيئة مرافق عامة تستقبل البرامج التطوعية الرسمية، وتسهم في خدمة المجتمع وتعزيز المشاركة بين أفراده.
كما نأمل أن تتولى لجان متخصصة متابعة هذه المبادرات، وأن تُنظَّم جوائز ومسابقات لاختيار أجمل حي، مع إعداد تقرير سنوي يرصد الأحياء التي تقدم خدمات جديدة وتطلق مبادرات نوعية تخدم مختلف شرائح المجتمع.
وأخيرًا، نأمل ألا ننسى الأيادي البيضاء التي تركت بصماتها في ميادين الخير، وأسهمت في بناء المجتمع وخدمة أفراده على مر الأيام والعصور؛ فهؤلاء يستحقون الوفاء، وتستحق أعمالهم أن تبقى حاضرة في ذاكرتنا، حتى لا ننساهم.
ولله در شاعرنا حسين اللويم، حين رثاه بقصيدته «وداعًا أبا عبد اللطيف»:
على كفّه بُني المسجد... فأشرق في وجهه العسجد
وحزنًا عليه يفتُّ الفؤاد... مدى الدهر أيامه سرمد
ألا قرَّ عينًا فحتماً ستبقى... مثال العطاء الذي يُحمد
رحم الله الفقيد، وتغمّده بواسع رحمته، وأسكنه فسيح جناته.
نرجو منكم قراءة سورة الفاتحة وإهداء ثوابها إلى روحه الطاهرة، مع الصلاة والسلام على محمد وآل محمد، وإهداء الثواب إلى أرواح المؤمنين والمؤمنات، قربةً إلى الله تعالى.
جديد الموقع
- 2026-10-15 سماحة الشيخ عبد الله اليوسف: صديق الكتاب وحليف القلم والقرطاس.
- 2026-10-15 مجالس الأحساء قديماً وحديثاً
- 2026-10-14 المواد القصيرة ونشوة الإنجاز
- 2026-10-14 قراءة في كتاب كشاكيل
- 2026-10-14 قراءة في رواية الربح التي لا تروض
- 2026-10-14 قراءة في كتاب دليل الوالدية الرقمية
- 2026-10-14 القراءة بدافع الكراهية
- 2026-10-14 موج يوسف في مهرجان بابل الدولي: لا نستعيد الماضي بل نُسائله عبر الفنون
- 2026-10-14 *مسرح الشرقية يحتفي بإنجازاته* *ليلة تكريم تعيد قراءة نصف قرن من الإبداع*
- 2026-10-14 في اجتماعه الأول.. مجلس إدارة غرفة حفرالباطن يختار «المجاهد» رئيساً للمجلس و«الشريع» و«الشمري» نائبين للرئيس