2026/10/14 | 0 | 114
قراءة في رواية الربح التي لا تروض
مع رواية الربح التي لا تروض، للمؤلف: عبد الرؤوف باقر الطويل، الطبعة الأولى :1447هــ/2025 م.
ورثة الرماد: ملحمة مغربية تمتد عبر ثلاثة أجيال، حيث تتقاطع الطموحات العائلية مع غبار التاريخ الذي لا يرحم وتختبئ وراء الجدران أسرار لا يسمح بفهمها.
جزء من المقدمة:
ستسمع أنين الأرض وهي تُروى بالخيانات، وسترى العيون التي خبأت الشك في طيات الود، والقلوب التي انقسمت بين ولاء وخوف وصمت. سيعبد الناس الرماد ظنّا أنه طوق النجاة، ويطارد الأبناء ظل آبائهم في الحقول التي ذبلت قبل أن تثمر. الرواية ليست عن زمن بعينه، بل عن كل زمن خضع فيه الإنسان لامتحان الشرف.
وليست عن مكان واحد، بل عن كل أرض مرت بها ريح ولم تروض.هنا .. يُعاد التاريخ من فم الريح.
جزء من الرواية (الفصل السابع عشر):
حين تتساقط السنابل:
لم يكن "العربي " يكتفي بما في يده، كما الأرض التي لا تشبع من المطر، أو البحر الذي لا يعرف الاكتفاء من الأنهار.
قلبه يتململ، كلما بلغ ضفة بحث عن أخرى، كأنه لا يعرف الراحة إلا في الحركة، ولا يجد السكون إلا في المسير نحو شيء جديد.
كل بيت تطأه قدماه، وكل مجلس يُفتح له، كان يخرج منه وفي جيبه وعد أو نظرة .. أو فكرة زواج، أحياناً تنبت في رأسه مثل بذرة صغيرة، وأحيانا تندفع كعاصفة لا تترك له مجالاً للتفكير.
صارت الأبواب تفتح أمامه بلا استئذان، ولم تعد زياراته تقتصر على التجار ووجوه السوق، إذ أصبحت البيوت تتسابق لعرض بناتها عليه، كأنما يقدمن له مفاتح قلوبهن على طبق من فضة.
" القياد، المقدمون" ، أعيان البلدات والقرى، وأصحاب النفوذ في المدن الكبيرة، كلُّ على طريقته يلمح أو يصرّح، فبعضهم يزين له النسب، يمد أمامه سلالة طويلة تنتهي عند اسم من الأسماء التي تفتح لها الأبواب بلا طرق، والبعض يلوح بالدين، يربط مصاهرة الغد بدين الأمس، فيمزج بين حسابات المال ورغبات القلوب.
وكلاهما كان يعرف.. أن "العربي " إذا مد يده لن يسحبها فارغة، وأنه إذا وضع عينه على شيء.. لن يحيد عنه حتى يصير له.
المسألة لم تكن دائماً عن النسب، ولا عن وزن الاسم بين الناس.
أحيانا.. الأمر لا يعدوا تلك اللمعة، التي تلمحها عيناه في نظرة عابرة، أو ذلك الحضور الذي يفرض نفسه في صمت، أو حتى قصة يراها فرصة، تماماً كما يرى قطعة أرض أو قافلة في الميناء، ويعرف كيف يحوّلها إلى مكسب.
من بين زيجاته، ظلت حكاية "العبدة" ابنة الفلاح، تحمل نكهة خاصة لا بسبب جمالها وحده، بل الطريقة التي دخلت بها حياته، كما تدخل أرض مثقلة بالدين إلى يد صاحبها الجديد، بلا حرب ولا مزاد.
كان الناس يلجؤون إلى "العربي" أكثر من غيره حين تضيق بهم السبل، فقد ذاع صيته كرجل لا يخذل أبناء مدينته، لا يتركهم فريسة للدائنين من الغرباء أو الوافدين من وراء البحر.
لكنه، على كرمه، كان يحمل عقل الإقطاعي الذي لا يفرط في ماله.
يرى أن العطاء لا يكتمل إلا إذا عاد على صاحبه بشيء، وأن المعروف الذي لا يبنى على ركيزة من الحساب قد يتحوّل إلى باب مفتوح للضياع.
هو رجل كريم، نعم، وقد يهب من الذهب ما يثقل أيدي النساء، ومن الأراضي ما يمتد بصر الناظر إليه، قد يتكفل بحجة، أو زواج، أو بيت يظلل أهله، ويظلوا سنوات طوال يذكرون اسمه بخير.
لكن إذا كان الأمر دينا، فهو لا يفوت فرصة لتحويله إلى عقد يربطه بمستقبله، لا على وجه الربا الصريح، بل بطريقة يعرفها الإقطاعيون جيداً، حيث تتحوّل الحاجة إلى وسيلة للتملك، وتصبح المساعدة استثماراً طويل المدى.
كان التجار المتعثرون يأتونه في مواسم الركود، يجلسون بين يديه وكأنهم أمام قاض يملك الحكم بيده، والفلاحون يطرقون بابه قبل الزرع بأسابيع، يطلبون ما يبذرون به أراضيهم، وبعضهم يأتون ومعهم أبناءهم أو بناتهم في زيارات تحمل أكثر من غرض.
تعليق:
تمر الأحساء ...حكاية عرق الفلاح ووجع الحصاد.
يذكّرني موسم التمور وخراف النخيل الباسقات على أرض الأحساء الحبيبة، وكيف يتسابق الفلاحون إلى جني المحصول، أملاً في استرداد جزء مما أنفقوه من مال، وما بذلوه من جهد على مدى مراحل العناية بالتمرة، حتى تصل إلى موائد العائلات في الأحساء، وتكون حاضرةً على موائد الصغير والكبير، والتاجر والفقير، وعلى اختلاف الطبقات الاجتماعية.
فالتمور ليست مجرد محصول زراعي، بل هي جزء أصيل من تراث الأحساء وهويتها، ورفيقة المجالس، وحاضرة في الضيافة، وعلى موائد الإفطار والغداء، بما تحمله من قيمة غذائية ومكانة اجتماعية متوارثة عبر الأجيال.
ويظل المزارع طوال الموسم متفائلاً ومترقباً، يتأمل أن يجني من محصوله مردوداً مالياً مجزياً، يعوّضه عن المصروفات والتكاليف التي تحمّلها، ويجبر خاطره بعد شهور من العمل والاهتمام والرعاية. لكنه، وللأسف، قد يصطدم بواقع مؤلم حين يأتي بعض التجار أو المشترين ليبخسوا محصوله حقه، ويعرضوا عليه أسعاراً زهيدة لا تتناسب مع ما بذله من مال وجهد، ولا مع قيمة ما أنتجه.
وهنا تبدأ معاناة المزارع الحقيقية؛ إذ يجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما أن يبيع محصوله بثمن بخس، متحملاً الخسارة وضياع تعب الموسم، وإما أن ينتظر السعر المناسب، مخاطراً بفوات الوقت الملائم للبيع، وما قد يترتب على ذلك من خسائر إضافية.
ولعل في قصص المزارعين الكثير من الألم والحسرة، بل إن بعضها يختلط فيه العرق بالدموع، حين يقف المزارع أمام محصوله الذي طالما اعتنى به، فلا يجد ثمناً عادلاً يوازي ما بذله من جهد وتضحيات.
إنها معاناة تستحق الوقوف عندها، وتستدعي الاهتمام بحقوق المزارع، والعمل على إيجاد آليات عادلة لتسويق التمور، تضمن له سعراً منصفاً، وتحفظ قيمة محصوله، وتصون كرامته، حتى لا تتحول فرحة موسم الحصاد إلى غصة في قلب من زرع ورعى وانتظر.
فمن حق مزارع الأحساء أن يفرح بثمرة جهده، وأن يرى في محصوله عائداً عادلاً، يضمن له الاستمرار في مهنته، ويحفظ لهذه الأرض المباركة نخيلها الشامخة، وتراثها الزراعي العريق، ومكانتها التي ارتبطت بالتمور جيلاً بعد جيل.
جديد الموقع
- 2026-10-14 المواد القصيرة ونشوة الإنجاز
- 2026-10-14 قراءة في كتاب كشاكيل
- 2026-10-14 قراءة في كتاب دليل الوالدية الرقمية
- 2026-10-14 القراءة بدافع الكراهية
- 2026-10-14 موج يوسف في مهرجان بابل الدولي: لا نستعيد الماضي بل نُسائله عبر الفنون
- 2026-10-14 *مسرح الشرقية يحتفي بإنجازاته* *ليلة تكريم تعيد قراءة نصف قرن من الإبداع*
- 2026-10-14 في اجتماعه الأول.. مجلس إدارة غرفة حفرالباطن يختار «المجاهد» رئيساً للمجلس و«الشريع» و«الشمري» نائبين للرئيس
- 2026-10-14 رئيس اتحاد التايكوندو والمدير التنفيذي يطمئنان على اللاعبة صباح عسيري
- 2026-10-14 برعاية وحضور وزير الموارد البشرية... معهد الإدارة العامة يحتفي بـ 1055 خريجًا وخريجة في الرياض
- 2026-10-14 استعدادًا للاعتماد الدولي.. مشرف المدن الصحية بوزارة الصحة يزور تقنية القطيف