2025/08/14 | 0 | 936
أمي والتعلم في الثمانين
النهار الكويتية
عند عتبة الثمانين حيث تعتاد الأرواح أن تتكئ على الذاكرة وتنسج أيّامها من خيوط الماضي، قرّرت أمي أن تخلع عباءة الركون، وتمشي في دربٍ لا يسلكه إلا من أدرك أن الحياة لا تختصر في العمر، بل بالرغبة في الازدهار، في الثمانين من عمرها لم تكن أمي تلاحق زمناً فاتها بل كانت تنصت لنداءٍ داخليّ ظلّ يهمس لها طويلاً:
ما فاتك لم ينتهِ، وما بدأته الآن هو أول الحكاية.
رأيتها تمسك الجوال كما تمسك الجدات المسبحة؛ بوقار، بخشوع، وحنان. كانت ترى كل جديد وتبتسم في كل مرّة تكتشف فيها معلومة جديدة كأنها تكتشف الحياة نفسها من جديد لم تكن تتعلم لترضي أحداً، ولا لتكمل درباً ناقصاً، بل لتقول للعالم —ولنفسها قبل ذلك— إن العقل لا يشيخ إلا إذا عاف التفكير كان من السهل على جسدها أن ينحني لكن روحها بقيت منتصبة كالنخلة التي ربت جنبها ومعها،
لا تنحني للزمن ولا تعترف بسلطانه، وكان من السهل أن تركن إلى الذكريات لكنها اختارت أن تصادق الغد أن تشعل نور المعرفة في عينيها، ولو على ضوء شمعة، طبخاتها تغيرت وتنوعت وفاحت نكهتها الشهية، تقديمها للطعام اختلف، نظرتها للمختلف صارت أكثر حداثة وتنويرا، تقبلها للأفكار المختلفة اتسع وزان وتوازن وما عادت منهمكة في العلاقات العمودية بقدر ما تهتم للسلوك الأفقي مع الناس كم تبدو كلمات “الأبجدية” صغيرة حين تتهجّاها أمّ في الثمانين، لكنها تغدو قصيدة حين نسمعها تنطقها بروح عطشى للعلم، بشغف لا يعرف انطفاء،
هي لحظة تختصر فصولاً من التحدي وإرادة لا تحنيها السنون، ولا تكسرها أعذار العمر أصبحت تتحدث مع العاملات في البيت ببعض الكلمات الأجنبية، أمي التي خضبت يديها بتعب الحياة، قررت أن تلامس أصابعها شاشة الهاتف تتصفح بها الآن على الهاتف الذكي وأن تزرع في أبنائها درساً لا يدرس في المدارس:
أن من يملك الإرادة يصنع الوقت ويحيي الحلم ويكسر القيود الوهمية التي نصنعها باسم لقد فات الأوان.
أمي لم تكن تتعلم لتصبح أستاذة، بل لتعلمنا درسا ًبليغاً في الحياة:
إن اللحظة التي تبدأ فيها، هي اللحظة الأجمل، مهما تأخرت وأن القلب الذي ينبض بالشغف لا يعترف بتقويم السنوات إنها تتصل بي كل حين لتطلب مني جلب ما تراه على الشاشة من آخر التطورات البيتية أو الذكية كي تتقن عملها فهي تواكب ما يساعدها من أجهزة ذكية كي تفاجأنا بما تصنعه بشكل يفوق حتى ما يكون من المَحال
فيا أيها العاجزون عن الحلم في العشرين تعلموا من امرأة تمشي إلى النور في الثمانين ويا أيها الذين يغلقون النوافذ في وجوه أعمارهم افتحوا باباً يشبه أبوابا فتحتها أمي في عقولنا أبواباً لا تغلق إلا على نهاية مكللة بالمعنى.
بالمناسبة أمي لم تتعلم القراءة أو الكتابة ولم تعرفها حتى اللحظة لكنها علمت أبناءها التسعة كيف يتخرجون من الجامعات بتفوق.
جديد الموقع
- 2026-01-24 (أنتَ ابنُ جزيرتِكَ المعجونةِ بالشِّعْرِ وبالنثرِ وبالموسيقى)
- 2026-01-24 من أجل الإنسانية
- 2026-01-24 افراح العاشور و العلوي بالهفوف
- 2026-01-24 الكلية التقنية للبنات بالأحساء تشارك في مهرجان تمور الأحساء المصنعة
- 2026-01-24 افراح الناصر و البن حمضة بالهفوف
- 2026-01-24 افراح بوهويد و السالم بالهفوف
- 2026-01-23 *ديوان (تعبر الأرض خلفك) لفريد الضيف*
- 2026-01-23 الاحتفاء بكتاب " بحر الخمسين "للاستاذ خالد الحيدر
- 2026-01-23 ومضات رائية (11)
- 2026-01-23 أهالي المطيرفي يقدمون التعازي بوفاة اية الله السيد علي السلمان بموكب مهيب