2025/08/15 | 0 | 1649
قراءة في تجربة الشاعر ناجي حرابة .. سفر الذات من عتمة الستر إلى نور الصلاة .
اليمامة
هل تُكتب القصائد لإيقاظ شيءٍ غافٍ في أعماق الذات ؟
هل اللغة سّلم خفي تهبط بِه الروح إلى أغواِرهــا ثم تصعد به إلى المطلق ؟
في بيٍت شفيف لجاسم الصحيح يسلط مصابيحه الكاشفة على الحقيقة بلسان العارف قائًال :
وعّلمني السقوُط ببئِر نفسي
بأنّ الماءَ في الأعماقِ أحلى
للذات وهي تمتحن صدقها في العتمة ..
بهذه اإلضاءة ُينير السقوط درَب الواصلين ، ويصبح الشعر همسًا
والشاعر - حين يبلغ مقامه - هو مثل السالك تمامًا ال يكتب ليقال له : أجدت، وإنما ليهمس في سره: وجدت ..
في هذا السياق نقارب شعر ناجي حرابة كرحلٍة باطنية ، ونقرأ تشعباتها كما تقرأ المناجاة في السَحر ، ونتتبع ُخطى القصيدة
تمامًا كالمريدين ، إذ لكِل بيٍت مقام ولكل مقام منزلة ُيرفع عنها الحجاب .
في هذه الرحلة سنبدأ من ستر التكوين ، وسنتقلب بين المرآة واالغتسال واالنصهار حتى نبلغ ذروة الصالة حيث يغدو الحرف
سجدة والقصيدة قبسًا من نور ... وهناك، على طور المجاز، يوافينا ناجي وهو ينادي محبوبته األزلية :
بعد عينيِك لهفتي بوصَلتني
باتجاِه األعماِق وسَط بحوري
هل أنتم على أهبة التجّلي ؟
إن الشاعر سيأخذنا في رحلة عرفانية المالمح .. عبر قصيدٍة
تطّهرت حتى شّفت عن النور .
بوصلة القلب لهفته
واألعماق وجهته
والكلمة وسيلته ..
***
) الستر : منزلــة َمْن أِذَن له في المثول (
1/5
لليِل َوحدُت ُه التي اْحتشدْت بها كُّل العصوِر
الليل هنا منزلة للتهيؤ ، يتربى فيه السكون حتى يصبَح إشراقًا ..
الليل هو زمن ) مثول ( الذات أمام عزلٍة مأهولة بالصمت واإلصغاء ، ليس ثمَة صوت غير تلك المناجاة الصادقة :
إذًا
بيُح
يا ليُل إنك ما تزاُل ُت
للعّشاِق والّسراِق ِستَرك
فالستر هو الرحم الرمزي الذي يبدأ فيه التخلق الداخلي ، والظالم ليس سوى سكينة تسبق االنبثاق حيث تنضج البصيرة في
مختبِرها السري إلى أن يحين الوقت المناسب لتقول بهمس :
يا ُدجًى، قْل لنا
كيف نعرُف أّن الَّسنا أشرقا؟
بهذا السؤال الواعي نعرف أن الشاعر استعّد للمنزلة األعلى ، واقتربت لحظة االنفراج لُت فتح أول بوابات المعنى :
يا ليْل ُبْح
َذْن ِلسِّرَك بالُعبوِر
وْأ
إنه عبور إلى منزلة االنكشاف بعد أن تسّلح الشاعر بالبصيرة ، فمن ال يذرف قلبه في العتمة ال يسمع نداء القصيدة حين تهبط
من عليائها .
هنا تتكّوُن القصيدة ال كفكرة، بل كهجرة
نحو الذات وهي تخلع أقنعتها واحدة تلو األخرى .
***
( المرآة : منزلة من أُذِن له بالنزول )
الحنيُن رسوُل الِقدْم
الحنيُن ابتكاُر المضارِع يسعى لتعلَو أعناُقُه فوَق سقِف الَعدْم
عندما يخرج الشاعر من الستر ال يرى النور مباشرة بل يرى انعكاسه في مرآة ذاته ..
في هذه المرحلة تتحول المرآة من سطح عاكس إلى موضع كشف استعدادًا
لـ ) نزول ( القصيدة عبر حنيٍن إلى قديم الذات حيث تتواجه مع ظّلها وصورتها وعمقها في آن .
يستدعي العهد األول لصفاء القلب ، لذلك فإن الشاعر يخاطب
فالحنين ال يعود نوستالجيا سطحية بل يصبح سلوكًا وجوديًا
هذا القلب بقوله :
أوِر يا قلُب ناَرك من حطِب الذكرياِت
ألن الذكريات وقود إلشعال التبصر الروحي ، ولكي يتعاطى الشاعر معها البّد من قصيدٍة متوهجة باالنتظار :
قصيدتي
أنحلها الشوُق وأدمى قلَبها االنتظار
حيث أن االنتظار هنا يشبه ) النزول ( في مدارج النفس ، والمكوث فيها ضرب من التصفية الداخلية حتى تتجلى القصيدة
كانعكاٍس لتذّكر الوجه الفطري - ذلك الحضور النقي قبل أن تكدره التجارب ، وقبل أن يشتته الضجيج -
وهذا هو لب الدعاء الذي يقول
( بك عرفتك وأنت دللتني عليك )
فكما أن العارف ال يصل إلى معرفة الحق إال عبر إشراقه عليه ) السفر من الحق إلى الحق ( ، كذلك الشاعر ال يبلغ صورة
لقي هي عليه قميص جوهرها األول فيتذكر من خاللهـا ذاته وربه ومبدأه ..
القصيدة إال حين ُت
إن القصيدة نفسها تصبح مرآًة ينظر بها الشاعر إلى وجهه األول، فتتجّلى متأرجحًة بين ) من كنت ( و ) ما أرجو أن أكون (
أريُد أن أكون
مرِّوَض الجماِل
في شراسِة القصيدِة الحرون
القصيدة هنا مرآة متمّردة، ال تستجيب إال لمن قّدس التعب، ووقف على ناصية الحلم ابتغاَء الوصول
***
( الاغتسال : منزلة من أُذنَ له في الوصول )
فَهَا (كوثرُ) الشعرِ بلِّلْ شِفاهَ القصيدِ بماءِ القنوتْ
ها هنا يبلغ الشاعر مقام التهيّؤ للوصال.. مقام من تهيأ وتعبأ واستعدّ فكل حرفٍ قبل هذا الاغتسال كان تمرينًا على الطُهر، وكل موسيقى كانت رشًّا أوليًا بالماء.
إن الماء هنا ليس فقط رمز الطهارة، بل هو أيضًا إشارة لشفافيةٍ تتجاوز الحرف نحو النور، تمامًا كما أن النار ليست فقط ألمًا، بل نضجًا:
أَبيْ نَضَجَ القَلْبُ
فَوْقَ عَرِيْشِ اللَّهَبْ
بهذا التشكل يتحّول الشعر من زخرٍف إلى ذكر، ومن تراكيب إلى ماٍء ونار ومن بهٍو إلى بهاء ..
القصيدة وضوء داخلي. لا تُكتب لتُلقى، بل لتُطهِّر مَن يكتب، وتُهيّئه للوصال :
أنا مذ صوتكِ النهاوندِ صلّى
فوق أذني غداةَ همسٍ طهور
خلتُ أن الغناء يهطلُ ضوءًا
فنوتْ أضلعي اغتسالًا
بنور في هذه المنزلة الاغتسال بالنور عملية تهيؤ للقبول
( الانصهار : منزلة من أذَن له في القبول )
أنا أم أنا قلُت: بل أنتنا
في هذا المقام، تتالشى الثنائية: ال ذاٌت تكتب، وال آخــــٌر ُيكتــب لــه، بل ) هو( وحده الناطق في الذوات جميًعا ... والمسافر في
الذوات جميعًا ..
إن االنصهار هنا وجودي .
وقلُبَك ثلٌج، فأّنى لك اآلَن أْن َت صَهَر األحرفا؟
ا بل اشتعااًل.
والمجاز لم يعد تزييًن
نشأ، بل تنبعث من الفناء :
والكلمات لم تُعد ُت
سأفنى
فكم ذا أزيُد احتراًقا
ونبعي نفاُد
في هذه المنزلة ، ال يسّطر الشاعر، بل يشتعل.وتصبح أمنيته القصوى:
فمناَي
أْن أهَب الحياَة شميعًة
لا تنطفئْ
إنه الذوبان الكامل و(القبول)بكل الوجود … الذي يُؤهّله للدخول.
*( الصلاة : منزلة من أذن له في الدخول )
***
سَمعْتُ بِأَنَّ جَمَالَكَ سِرُّ الهَلاكْ
َأإِلهِيْ تَجَلَّ ولَوْ مَرَّةً
أَشْتَهِيْ أَنْ أَرَاكْ
ها نحن نبلغ الغاية: الصلاة
سندخل مع ناجي لإلقامة الدائمة في الحضرة.
الصلاة هنا هي مقام الَوصل، مقام من رأى فأنشد، ومن أنشد فسجد.
وحدي ُأصّلي للجماِل
وكان لي التسبيُح سامْر
الشعر إًذا تحَّول إلى تسبيح، والكلمة إلى بخور، والقصيدة إلى محراب.
لم تُعد األوتار ُتغّني، بل تذوب:
ال ينثني عن ذكرها قيثاري
حتى تذوَب بلحِنها أوتاري
فيعود لليل من جديد في دورة عرفانية متجددة - مثل دورة الماء في الطبيعة - ليقول له :
أطفئ ُوجوَمك واْمَنِح األفَق السالَم
* تجربة ناجي حرابة: تجربة تحّول.
من الظاهر إلى الجوهر،
من الستر إلى النور،
من الحرف إلى النبع،
من (أنا) إلى (هو)
ثم الدخول في الصلاة ...
فهو سالكٌ يُطهّر لغته قبل أن يُقدّمها قربانًا.
يكتب كما يُصلي، ويهمس كما يُذوّب، ويرتّل كما يسكن ... فهـو ( الناجي) بالنجوى حتى غدا شاعراً :
ولتسألوا عني ملاكَ
الشعرِعلامَ السّرائر
فلقد خُلقتُ على يديْه
وصرتُ من نجواهُ شاعر
وبعد كل هذا ..
ما الذي تعلّمناه من هذه الرحلة مع الشاعر؟
وما الذي تركه لنا على سجادة التأمل؟
جديد الموقع
- 2026-10-02 *صاحبة الابتسامة رواية جديدة في المشهد الأحسائي*
- 2026-10-02 قراءة في كتاب الكفاءات الأكاديمية بالمطيرفي
- 2026-10-02 ما الذي تصنعه الشطآن للأنثى؟ (قراءة في شعرية حوراء الهميلي وتشكّل الذات)
- 2026-10-02 افراح الناصر والمحمد سالم بالهفوف
- 2026-10-02 هل الفواكه تفيد مرضى "حمض اليوريك"؟ الإجابة يبلورها الطبيب ضياء حسين
- 2026-10-02 350 متطوعًا.. طاقات وطنية تسند «خليجي 27»
- 2026-10-02 *معرض الصقور والصيد يشهد إقبالًا كثيفًا في يومه الأول.. والزوار يشيدون بتطور الخدمات وتنوع التجارب*
- 2026-10-02 الحربي يعتمد تشكيل ثماني لجان بالاتحاد السعودي للتايكوندو
- 2026-10-02 تحت رعاية سمو أمير المنطقة الشرقية وكيل إمارة المنطقة الشرقية يدشّن فعاليات الملتقى العلمي العالمي الثالث لعلاج الإدمان
- 2026-10-02 *تكليف الأميرة نجود بنت هذلول مشرفاً عاماً على إدارة الباعة الجائلين بوزارة البلديات والإسكان*