2026/10/24 | 0 | 50
هل الإنسان كسول بطبيعته أم يتجنب الجهد غير المجدي نفعّا؟
بقلم ناتالي أندريه، أستاذ مشارك في علوم الرياضة، جامعة بواتييه في فرنسا

على مدى عقود، أشارت أبحاث في علم النفس وعلم الأعصاب إلى أن الاستعداد الفطري لدى البشر والحيوانات إلى بذل أقل جهد ممكن يعود إلى أن الجهد في حد ذاته تجربة غير ممتعة.
لكن ثمة تفسيرًا آخر محتملًا، مفاده أن الناس لا يتجنبون الجهد لذاته، بل يتجنبون الجهد الذي لا يفضي إلى نتيجة يُرجى منها نفع (بعبارة أخرى، الجهد المهدور)، أو الذي لا تتناسب مكاسبه مع المشقة المبذولة لتحقيقه. وهذا هو المنظور الذي تناولناه في ورقة جديدة (1) شاركتُ في اعدادها مع روي باومايستر (Roy Baumeister) من جامعة هارفارد، وغيدو جيندولا (Michel Audiffren) من جامعة جنيف، وميشيل أوديفرين ( Michel Audiffren) من جامعة بواتييه، ونُشر عام 2026 في مجلة Neuroscience & Biobehavioral Review).
دعوني أوضح ذلك: كيف استنتجنا تحديدًا أن ما نتجنبه هو الجهد المهدور، لا بذل الجهد في حد ذاته؟
تعريف تكلفة الجهد والنفور من الجهد
تستند النماذج العلمية لاتخاذ القرار القائم على الموازنة بين التكلفة والمصلحة إلى أن مقدار الجهد الذي يختار الفرد بذله يتحدد وفقًا للموازنة بين الموارد اللازمة لتحقيق الهدف، مثل الوقت والطاقة (المتمثلة بالتكلفة الأيضية) والمال والجهد الذهني، وما قد يترتب على بذلها من تبعات سلبية، مثل التعب والألم. تشير دراسات علم الأعصاب إلى أن مناطق دماغية، منها القشرة الحزامية الأمامية الظهرية والنواة المتكئة، تسهم في تقييم هذه التكلفة والمنفعة وتحديد مقدار الجهد المناسب للمهمة. غير أن هذه النتائج لا تثبت بصورة قاطعة آليات اتخاذ القرار، كما أن تجنب الجهد لا يعني بالضرورة النفور منه في حد ذاته؛ فقد يعكس تعارضًا بين الرغبة في الحفاظ على الموارد والسعي إلى تحقيق أهداف ذات قيمة ومعنى. وبناءً على ذلك، يمكن النظر إلى الجهد بوصفه استثمارًا ضروريًا ومبررًا لتحقيق غاية مهمة، لا مجرد عبء غير ممتع ينبغي تجنبه أو الحد منه دائمًا. وتتباين تكلفة الجهد تبعًا للظروف، مثل ضيق الوقت وصعوبة المهمة، والسمات الشخصية للفرد، مثل دافعيته للإنجاز واهتمامه بالتفكير؛ لذلك لا تُعدّ هذه التكلفة ثابتة، بل تختلف باختلاف متطلبات المهمة وتقدير الفرد لها (1).
لدعم فرضيتنا، أجرينا مراجعة نقدية للأدبيات العلمية تناولت محورين، ركز أولهما على مراحل النمو لدى الأطفال. وانطلقنا من افتراض مفاده أنه لو كان بذل الجهد غير ممتع بطبيعته، لوجب أن نلاحظ نفورًا منه في مراحل مبكرة جدًا من النمو النفسي والسلوكي.
غير أن الرضع والأطفال الصغار لم يُبدوا نفورًا تلقائيًا من بذل الجهد؛ بل انخرطوا فيه طواعية، ووجدوا متعةّ في تحقيق الأهداف والشعور بالإنجاز. لكن لم يتعلموا ترشيد جهودهم إلا تدريجيًا.
ومن الأمثلة اللافتة على ذلك تجربة أُجريت على أطفال في سن عشرة أشهر؛ إذ أثبتت أن الأطفال الذين شاهدوا شخصًا راشدّا (أحد الأبوين أو شخص أخر، مثلّا) يواصل المحاولة رغم صعوبة المهمة، بذلوا هم أيضًا جهدًا أكثر لحل المشكلة أو انجاز المهمة.
لاحقًا، بعد أن بلغ الأطفال نحو سن السنة السادسة، أظهروا ابتسامات أكثر بعد أن نجحوا في إنجاز مهمة صعبة مقارنةً بنجاحهم في انجاز مهمة سهلة، وكأن الجهد الذي بذلوه رغم صعوبة المهمة أضفى على نجاحهم قيمة إضافية. ولو كان بذل الجهد منفرًا بطبيعته، لما أمكن تفسير هذه النتيجة.
ثانيًا، ركّزنا على الدراسات التي تناولت "مبدأ أقل جهدّا" لدى الحيوانات والبشر الراشدين. الأقل جهدّا تعني ميل الإنسان أو الحيوان إلى اختيار الخيار الذي يتطلب جهدًا أقل عندما تكون المكاسب المتوقعة من الخيارات المتاحة متساوية. غير أن هذا التفضيل لا يعني بالضرورة النفور من الجهد في حد ذاته؛ إذ قد يقبل الفرد بذل جهد أكثر عندما تكون الفوائد المتوقعة منه كافية لتبرير تكلفته. وبناءً على ذلك، فإن تفضيل الخيار الأقل جهدًا قد يعكس موازنة بين مقدار الجهد المطلوب والعائد المتوقع منه، بل لا يدل بالضرورة على ميل فطري إلى النفور من بذل الجهد في حد ذاته
وبينت هذه الدراسات أن تفضيل الخيار الأقل كلفةً من حيث الجهد لا يظهر إلا عندما تكون المكافآت متساوية بين الخيارات، بينما يتراجع هذا التفضيل عندما تكون المكاسب المتوقعة كافية لتبرير الجهد المبذول.
علاوةً على ذلك، بينت عدة دراسات أن الراشدين يفضّلون الانخراط في الأنشطة على البقاء في حالة سكون، وأن المنخرطين في أنشطة هم أكثر سعادة من الخاملين (غير النشطين) (2)، حتى لو أُجبروا على ممارسة تلك الأنشطة.
وتكمن أهمية هذا التحول في المنظور في أنه غيّر فهمنا لخاصية الدافعية لدى البشر، ويساعدنا على تفسير ما يُعرف بـ "مفارقة المجهود": فإذا كان الإنسان محكومًا بيولوجيًا بمبدأ السعي إلى بذل أقل جهد ممكن، فكيف نفسّر إقبال ملايين الناس طواعيةً على أنشطة شاقة، مثل ممارسة الرياضات القاسية، وتعلّم العزف على الآلات الموسيقية، والدراسة لساعات طويلة، بل وشعورهم بالمتعة أثناء ممارستها؟
لو نظرنا إلى المجهود بوصفه تكلفة محايدة، لا تحمل قيمة إيجابية أو سلبية في حد ذاتها، شأنه شأن الإنفاق المالي، فمن المنطقي أن يقبل الناس بذله عندما تكون الفوائد المتوقعة منه كافية لتبرير التكلفة.
ويعيد هذا المنظور الاعتبار إلى الإنسان بوصفه فاعلًا قادرًا على تقييم الخيارات واتخاذ القرارات، وليس النظر إليه باعتباره كائنًا تحكمه نزعة بيولوجية تدفعه إلى تجنب بذل الجهد باستمرار. كما يساعد على التمييز بين العزوف الطبيعي عن الأنشطة التي لا تستحق ما تتطلبه من جهد، وبين الحالات المرضية، مثل الاكتئاب ومرض باركنسون والتهاب الدماغ والنخاع المؤلم للعضل/متلازمة التعب المزمن (3)، التي قد ينشأ منها نفور عام فعلي لدى الناس من بذل الجهد، يتسم بانخفاض الدافعية واضطراب وظائف نظام الدوبامين في الدماغ.
ففي الحالة الثانية، يستند النفور من المجهود إلى آليات عصبية بيولوجية محددة، من أبرزها انخفاض نشاط النظام الدوباميني (4). ويؤدي الدوبامين، من هذا المنظور، دورًا محوريًا في تنظيم الدافعية؛ إذ يسهم في تعزيز الشعور بالمكافأة والتحفيز على السعي إلى تحقيق الأهداف. وعندما ينخفض نشاط هذا النظام، قد يصبح بذل المجهود منفّرًا بالفعل، وتتراجع الرغبة في الانخراط في الأنشطة التي تتطلبه.
ما الخطوات التالية لهذه الأبحاث؟
ما تزال هناك أسئلة عدة بلا إجابات واضحة؛ إذ لم تتحدد بعد الظروف التي قد ينشأ فيها لدى بعض النس نفور حقيقي من بذل الجهد، ولا الآليات العصبية البيولوجية التي تقف وراءه. وغالبًا ما يُستشهد بدور الدوبامين في هذا السياق، لكن الأبحاث ركزت أساسًا على الحالات التي ترتبط فيها الدافعية بمكافآت خارجية. أما الدوافع الذاتية التي تجعل الإنسان يسعى إلى بذل المجهود لذاته، فما تزال موضع دراسة محدودة.
وثمة سؤال عملي مهم أيضًا: ماذا لو حاولنا، بدلًا من الاكتفاء بتخفيف مشقة أوصعوبة المهام في المدارس (5) وبيئات العمل وقطاعات الرعاية، أن نجعلها أكثر جدوى ومعنى في نظر من يُطلب منهم أداؤها؟ فقد يُحدث هذا التحول فارقًا جوهريّا. فالطالب، مثلًا، قد يكون أكثر استعدادًا لحل التمارين الصعبة إذا أدرك فائدتها التعليمية، والموظف قد يتقبل عبء العمل بصورة أفضل لو فهم مدى أثره وأهميته. وتنسجم هذه الفكرة مع الفرضية القائلة إن الناس قد لا تنفر من المجهود في حد ذاته، بل من المجهود بفائدة لا تستحق العناء.
النمو النفسي والسلوكي
يجدر الذكر أن النمو النفسي (6) والسلوكي (7) يشير، بشكل عام، إلى التغيرات التي تطرأ على مشاعر الطفل ودوافعه وطريقة تفكيره واستجاباته للحالات مع تقدمه في السن. والنمو النفسي يختص بتطور المشاعر والدوافع والقدرة على تنظيم الانفعالات، بينما يختص النمو السلوكي بتطور التركيز والانتباه والمثابرة السلوكية، مثل المثابرة عند مواجهة الصعوبات أو الاستمرار في المحاولة لتحقيق هدف ما. وأما ما يتعلق بموضوع قيد البحث فإن النمو النفسي والسلوكي يشمل تطور استجابة الطفل لبذل الجهد، وما إذا كان ينفر منه تلقائيًا أم يكتسبه تدريجيًا متى يبذله وكيف يوجّهه.
الهوامش
1- https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0149763426000424
2- https://theconversation.com/we-are-programmed-to-be-lazy-128893
4- https://ar.wikipedia.org/wiki/مسارات_دوبامينية
5- https://theconversation.com/exams-how-to-use-exercise-to-boost-your-revision-279283
6- https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/34053680/
7- https://psycnet.apa.org/record/2007-02739-008
المصدر الرئيس
https://theconversation.com/are-we-really-programmed-to-be-lazy-279776
جديد الموقع
- 2026-10-24 إنجاز علمي سعودي يعزز حضور الصيدلة الوطنية عالميًا للعام الثالث على التوالي
- 2026-10-24 «جمعية بديع» توسّع آفاق عملها البيئي نحو إحياء المزارع المهملة بالأحساء
- 2026-10-24 *جمعية تعزيز الصحة تستقبل 100 طلب للاستفادة من مشروع إزالة المياه البيضاء مجانًا*
- 2026-10-24 برعاية وزير التعليم انطلاق النسخة الثالثة من ملتقى القطاع غير الربحي في التعليم والتدريب 2026
- 2026-10-24 *«حركية» تنفق أكثر من 5.5 مليون ريال لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة خلال الربع الثالث من 2026*
- 2026-10-24 المنافذ الجمركية" تسجل 996 حالة ضبط خلال أسبوع
- 2026-10-24 لماذا ننتظر المشكلة الأسرية حتى تكبر؟ نحو سياسة أسرية تستشرف التحولات وتبني القدرة على التكيف
- 2026-10-24 *هل الطلبيعة كتاب؟* *المقالة السابعة: الإنسان... من يقرأ الكتاب؟*
- 2026-10-24 السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام).. حين تكون الزوجة سكينةً للقلب وراحةً للروح
- 2026-10-24 قرارك في التقاعد قرارَ ترتيبٍ لا قرار قطيعة