2026/10/25 | 0 | 63
من هالمرض ياحيدر ما شوف سلامة
حكايات تبدأ فصولها الأخيرة في صمت غريب كأن القدر يخشى أن يكشف للقلوب ما لا تقوى على احتماله وفي بعض البيوت لا يحتاج الحزن إلى أن يرفع صوته كي يعلن حضوره يكفي أن يخفت الضوء قليلا وأن تتباطأ الخطوات وأن يصبح الصمت أثقل من الكلام ليدرك من يعرفون أسرار المكان أن شيئا ما لم يعد كما كان . هكذا تبدأ الحكايات الموجعة لا بصرخة إنما بسكون يسبق العاصفة ولا بوداع واضح إنما بشعور غامض يخبرك أن شيئا عزيزا يبتعد وأن يدا كانت تمنح الحياة دفئها توشك أن تفلت من بين أصابع الأيام .
إنه بيت عرف النور وألف الوجوه واحتفظت جدرانه بأسرار لا يعلمها إلا الله ثم جاءت الأيام بما لم تكن القلوب مستعدة له فغاب وجه كان حضوره أمانا وانكسر في المكان شيء لم تستطع السنوات أن تعيده إلى ما كان عليه ولم يتغير الباب ولم تتبدل النوافذ ولم تسقط الجدران لكن الذين عرفوا ذلك البيت أدركوا أن البيوت لا تقاس بما يبقى فيها إنما بمن يسكنون أرواحها . فما أقسى أن يبقى المكان شاهدا على حياة لن تعود وأن تظل الأشياء في مواضعها بينما يغيب عنها معناها !
هناك حزن لا يروى كاملا لأن بعض تفاصيله أكبر من الكلمات وبعض أسئلته أخطر من أن تجد إجابة وكلما حاولت الذاكرة أن تقترب من المشهد تراجعت أمام ستار من الدموع كأن في الحكاية سرا لا يريد الزمن أن يكشفه أو وجعا لا تستطيع الأرواح أن تنظر إليه طويلا وفي زاوية بعيدة من ذلك المشهد يقف رجل أثقلته الأيام يتأمل ما تبقى من عمر تشارك فيه مع قلب كان يعرفه أكثر مما يعرف نفسه فماذا يقول الإنسان حين يعجز الكلام عن مواساة نفسه وكيف يشرح قلب لقلب آخر أن الخوف قد بلغ منتهاه وأن الدعاء مهما ارتفع لا يمنحنا دائما القدرة على تغيير ما كتب ؟
ربما مد يده وربما أطال النظر وربما أخفى خلف صمته حكاية لم يسمعها أحد فليس كل من بدا صلبا كان خاليا من الانكسار وليس كل من سكت كان راضيا بما يحدث فأحيانا يكون الصمت آخر ما يملكه المحب حين يستنفد الرجاء كلماته ويقف عاجزا أمام وجع لا يستطيع أن يحمله عن صاحبه ثم تأتي تلك العبارة بسيطة في حروفها عميقة في وجعها كأنها خرجت من قلب لم يعد يعرف كيف يطلب من الحياة أكثر من لحظة سلام (من هالمرض يا حيدر ما شوف ... سلامة ) فما الذي تختبئ خلفه هذه العبارة - أهي دعوة بالسلامة أم خوف من المجهول أم رجاء أخير يخرج من صدر ضاق بما يرى؟
كم تبدو هذه العبارة عادية حين تقال في يوم عابر وكم تصبح موجعة حين تقال أمام سرير المرض حين يتمنى الإنسان لو استطاع أن يقتسم الألم مع من يحب أو أن ينتزع من جسده لحظة واحدة من الراحة أو أن يعيد إلى عينيه ذلك البريق الذي ألفه فيهما وكأن العبارة لا تخاطب رجلا بعينه بل تخاطب كل قلب وقف يوما أمام من يحب ولم يجد ما يقدمه سوى الدعاء وكأنها تحمل في طياتها خوفا أكبر من المرض نفسه خوفا من تلك اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن الحب على عظمته لا يمنحه دائمًا القدرة على إنقاذ من يحب .
اللحظات لا تحتاج إلى شهود كي تبقى وإن بعض الحكايات يكفي أن تمر في القلوب حتى تصبح أثقل من التاريخ نفسه لكن ماذا حدث خلف ذلك الباب ومن الذي أخفى الدمعة كي لا يراها الآخرون ومن الذي كان يعرف أن الأيام المقبلة لن تشبه ما مضى؟ أسئلة تمر في الخاطر كأنها ظلال عابرة ثم تعود لتستقر في مكان عميق من الروح فلا أحد يستطيع أن يعيد عقارب الزمن إلى الوراء ولا أحد يستطيع أن يمنح الراحلين فرصةً أخرى ليقولوا ما لم يقولوه لتبقى بعض التفاصيل معلقة بين ما ترويه الذاكرة .
ما يعجز اللسان عن البوح به ويبقى في بعض الحكايات فراغ لا يملؤه التفسير ولعل أكثر ما يوجع الإنسان ليس ما يعرفه إنما ما يشعر أنه فقده دون أن يستطيع الإمساك بآخر خيطٍ منه فثمة وداع لا نعرف متى بدأ ولحظة لا ندرك أنها الأخيرة إلا بعد فوات الأوان وكلمة عادية تمر على مسامعنا ثم تعود بعد سنوات لتشق القلب كأننا نسمعها للمرة الأولى وهكذا تتحول التفاصيل الصغيرة إلى شهود على الغياب؛ مكان خال وذكرى عابرة ونداء قديم وعبارة لم نكن نعرف أنها ستبقى في الذاكرة أطول من أصحابها.
حين يستعيد المرء سيرة العظماء الذين تركوا أثرا في وجدان الأمة فإنه لا يستحضر أسماءهم وحدها إنما يستحضر ما ارتبط بهم من قيم ومواقف وما حملته حكاياتهم من معاني الصبر والوفاء والكرامة غير أن وراء كل سيرة عظيمة جانب إنساني لا تستطيع الكتب أن تمنحه حقه كاملا جانب من الدموع التي لم يرها أحدزوالقلوب التي واجهت الفقد بعيدا عن أعين الناس واللحظات التي لا تسجلها التواريخ لكنها تبقى حية في ضمير الزمن .
لذلك ليست كل الحكايات بحاجة إلى كشف أسرارها فبعضها يكفي أن نقترب منه بحذر وأن نترك للوجدان أن يقرأ ما بين السطور أما البيت فيظل واقف تفتح أبوابه وتدخل إليه الشمس وتمتد الظلال على جدرانه كما كانت وقد يظن العابرون أن الحياة عادت إلى طبيعتها وأن ما حدث أصبح جزءا من الماضي لكنهم لا يعرفون أن في بعض الزوايا حكايات لا تزال تنتظر وأن الصمت قد يكون أبلغ من ألف رواية وأن الجدران التي لا تتكلم ربما تحفظ من الأسرار ما تعجز عنه الذاكرة.
وفي نهاية المطاف لا يبقى للإنسان سوى أثره وما تركه في قلوب الآخرين وما حملته سيرته من معان تتجاوز حدود الزمن أما الحزن فيبقى له شأن آخر فهو لا يستأذن حين يعود ولا يطرق الباب قبل دخوله إنما يأتي أحيانا مع نسمة عابرة أو كلمة سمعناها ذات يوم أو ذكرى ظننا أننا تجاوزناها وحين يعود يعيد إلينا كل شيء دفعة واحدة - سلامٌ على كل قلب أحب بصدق وتألم بصمت وانتظر طويلا وسلام على كل روح غابت لكنها تركت وراءها أثرا لا يمحوه الزمن وسلام على تلك الدار التي لم تسقط جدرانها ولم ينطفئ مصباحها .
جديد الموقع
- 2026-10-25 كيف توفر الحماية لطفلك ضد هذا الفيروس الخطير ؟
- 2026-10-25 " حين يصبح الأثر حياة سيرة الشيخ محمد البقشي "
- 2026-10-24 إنجاز علمي سعودي يعزز حضور الصيدلة الوطنية عالميًا للعام الثالث على التوالي
- 2026-10-24 «جمعية بديع» توسّع آفاق عملها البيئي نحو إحياء المزارع المهملة بالأحساء
- 2026-10-24 *جمعية تعزيز الصحة تستقبل 100 طلب للاستفادة من مشروع إزالة المياه البيضاء مجانًا*
- 2026-10-24 برعاية وزير التعليم انطلاق النسخة الثالثة من ملتقى القطاع غير الربحي في التعليم والتدريب 2026
- 2026-10-24 *«حركية» تنفق أكثر من 5.5 مليون ريال لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة خلال الربع الثالث من 2026*
- 2026-10-24 المنافذ الجمركية" تسجل 996 حالة ضبط خلال أسبوع
- 2026-10-24 هل الإنسان كسول بطبيعته أم يتجنب الجهد غير المجدي نفعّا؟
- 2026-10-24 لماذا ننتظر المشكلة الأسرية حتى تكبر؟ نحو سياسة أسرية تستشرف التحولات وتبني القدرة على التكيف