2026/10/02 | 0 | 131
قراءة في كتاب الكفاءات الأكاديمية بالمطيرفي
مع كتاب الشيخ الكفاءات الأكاديمية بالمطرفي- الجزء الأول-، للمؤلف: عبد الله عبد المحسن الجاسم، الطبعة الأولى :1448هــ/2026 م.

إنَّ القرى لا تقاس بمساحاتها، بل بمدى اتساع عقول أبنائها.
وفي المطيرفي ....
تعانقت أصالة التاريخ بضياء المعرفة، فكان هذا الكتاب؛ شاهدًا على جيل طوع المستحيل، ليبقى إرثهم فينا.. حيا لا يغيب. (أبو محسن).
في بلدة المطيرفي، للهدوء لغةٌ خاصة، وسكون مهيب لا يقطعه إلا هدير القطار العابر، ليذكرنا بوصلها مع العالم القريب والبعيد. هي البلدة التي انفجرت من تحت أقدامها عيون الماء، فكانت إحدى وعشرون عينا تتدفق لتجري أنهارًا من الصفاء بين جنبات البيوت، مروية الإنسان والنخل، وخالقة تفاصيل اجتماعية فريدة، حيث عُرف أهلها بقلوبهم المفعمة بحب العلم ونفوسهم المتيمة بتقدير العلماء.
هي المطير في.. بلدة الجمال التي لم تسلبها الحداثة وقار الماضي، بل جعلت من حاضرها شاهدًا حيًا على أن الأصالة هي المعين الذي لا ينضب للرقي والارتقاء.
1- الأستاذ الحاج إبراهيم طاهر مبارك البخيتان (أبو جميل):
تعليق:
-عندما تتصفح الكتاب، وتجد معلّمًا يرتبط بك بإحدى مراحل الدراسة، بدأتَ معه ذكريات جميلة، تتذكر الأستاذ أبا جميل، رحمه الله، الذي درّسنا في المرحلة المتوسطة في مدرسة خالد بن الوليد، بمدينة المبرز، في حي المسعودي-.
-كان رحمه الله يقدّم لنا اللغة الإنجليزية ويشرحها بأسلوب أكثر إشراقًا، فيعلّمنا الكتابة والقراءة ونطق الحروف والكلمات والجمل، ويدرّبنا على قراءة القطع، كما كان يشرح القواعد بطريقة الرسم البياني؛ لتسهيل حفظها وتيسير تذكّرها-.
في جنبات بلدة المطيرفي العريقة، حيث تضرب الجذور في أعماق الأصالة ويصافح الشموخ هامات النخيل، ينبثق اسم الأستاذ إبراهيم طاهر مبارك البخيتان (أبو جميل) كعلامة فارقة في سجلات المجد المحلي.
لم تكن شخصيته مجرد عابر في تاريخ القرية، بل كان قامة سامقة ومنارة علمية استمدت وقودها وضياءها من عراقة المنبت ورفعة النسب الأكاديمي والاجتماعي.
لم يكتف الفقيد بما حققه من نجاحات محلية، بل ظل هاجس التطوير يدفعه نحو الأعالي؛ فالتحق ببرنامج تأهيل معلمي اللغة الإنجليزية بالرياض عام 1395 هـ، وهو البرنامج الذي كان بوابة الرحلة كونية نحو أعرق الصروح العلمية في المملكة المتحدة في جامعة «إدنبرة» العريقة، وبين ضباب اسكتلندا وتاريخها العلمي، أمضى أبو جميل سنوات مغتربا في طلب العلم، مصارعا الصعاب، ومنافسًا أولي العزم، حتى عاد إلى أرض الوطن متوجا بالمركز الأول مع مرتبة الشرف الأولى. لم تكن تلك الشهادة مجرد ورقة أكاديمية، بل كانت عودة الفارس حاملا أدوات المعرفة الحديثة، ليغرسها في تربة وطنه، ويسقيها بفيض إخلاصه لخدمة أبناء بلده.
على مدار تسعة وعشرين عاما، تحولت مدرسة خالد بن الوليد إلى محراب علمي مقدس سكن فيه «أبو جميل»، مستمرا في عطائه حتى عام تقاعده في 1423هـ. لم يكن دوره يقتصر على شرح القواعد وتلقين المفردات، بل كان مهندسا للنفوس يبني العقول ويصيغ الوجدان قبل أن يفتح الكتاب.
تخرجت على يديه أسراب من المبدعين؛ فمنهم الطبيب الذي يداوي والمهندس الذي يشيد، والمعلم الذي يقتفي أثره، تاركا في كل واحد منهم بصمة وراثية من الصدق والنزاهة، وصورة لا تُمحى للمعلم الذي يحمل هم الرسالة قبل هم الوظيفة.
2- حمدان مؤيد علي البخيتان:
تعليق:
-ابن الصديق والأخ مؤيد، وجده العم علي أبو عبد الرحيم رحمه الله، وقد بدأت علاقتنا به في مسجد الشرقي، وما يُسمّى حاليًا مسجد الزهراء (ع)، ثم تطورت العلاقات مع العائلة كاملة، على مستوى النساء والرجال. والآن نرى الفارس والبطل في تخصص الصيدلة، الذي يجمعنا معه حب العلم والرغبة فيه، والاهتمام بمجال الدواء وما يُنشر حول التطورات العلمية فيه. كما تربطنا به علاقة في مدينة المبرز، وحي الشعبة، إلى جانب علاقة عائلته ببلدة المطيرفي-.
في ميادين البحث العلمي المتقدم، حيث تُرسم ملامح المستقبل الطبي للبشرية، يبزغ نجم الباحث حمدان بن مؤيد البخيتان كواحد من الكفاءات الوطنية الشابة التي تحمل طموح الوطن بين جوانحها. نشأ حمدان في بلدة «المطير في العريقة، متشرّبا قيم عائلة البخيتان التي توارثت النزاهة والمسؤولية الجماعية كمنهج حياة؛ فكانت تلك الجذور الراسخة هي الوقود الذي دفع به نحو التميز الأكاديمي، محولا ثقافة مجتمعه التي تقدر العلم إلى مسيرة بحثية عالمية تهدف إلى إحداث تأثير دائم وملموس في حياة المرضى.
لم تكن مسيرة حمدان العلمية خالية من التحديات، بل كانت «الغربة» والتنافسية العالمية صقلا لشخصيته المرنة والصابرة؛ فقد استطاع التوفيق بين مسؤولياته الأسرية ومتطلبات البحث الشاقة، محققا إنجازات نوعية جعلته محط أنظار المجتمع العلمي.
ومن أبرز تلك الإنجازات حصوله على جائزة (H. Thomas Karnes) للبحث الصيدلاني، ونشره لأبحاث محكمة حول انتقال الدواء عند المرضعات، وتأثير العلاجات الطبيعية على الضغط النفسي، فضلا عن تصدره للمسابقات السريرية على مستوى جامعات المملكة، وحصاده للمركز الأول في مسابقة خمس دقائق ملهمة، مما يعكس قدرته الفائقة على دمج العلم بالبيان والتأثير.
4- سعيد يوسف البخيتان:
في رصانة الفكر وعمق المعرفة، يتربع الدكتور سعيد بن يوسف البخيتان كواحد من أعمدة النهضة التقنية والاجتماعية في المنطقة، مبرهنا على أن العلم حين يمتزج بالأخلاق يصنع قائدًا فذا يترك أثرًا لا يمحى.
ولد «أبو سلمان» في الأحساء عام 1393هـ، ليشق طريقه نحو صروح العلم في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران، حيث بدأت رحلته مع علوم الحاسب الآلي بنيله درجة البكالوريوس عام 1996م، وكان مشروع تخرجه عن «التعرف على الكتابة العربية بالذكاء الاصطناعي» إرهاصا مبكرا لشغف علمي سيغير الكثير في مسيرته ومحيطه.
ثم توج هذه المسيرة بحصوله على درجة الدكتوراه عام 2014م في علوم وهندسة الحاسب، حيث تخصصت أطروحته في تقنيات إنترنت المستقبل والويب الدلالي وتطبيقاتها الحيوية في مجالي الغذاء والصحة، ليصبح بذلك مرجعا علميا يجمع بين أصالة البحث وحداثة التطبيق.
أما في الميدان المهني، فقد سطر الدكتور سعيد مسيرة حافلة في شركة حديد»، حيث تدرج من كبير لمهندسي التحكم الآلي إلى مدير للقسم، مقدمًا خبرات تراكمية منذ عام 1417هـ جعلته عنصرا فاعلا في فريق «سابك» للتحول الرقمي. وبصفته قائدًا للجنة التحكم الآلي والتحول الرقمي، استطاع نقل مفاهيم الثورة الصناعية الرابعة إلى أرض الواقع العملي، ولم يبخل بنشر هذا العلم كأستاذ غير متفرغ في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، ليغرس بذور المعرفة في نفوس الأجيال القادمة من المهندسين والتقنيين.
خاتمة: المطيرفي.. ضياء لا يغيب وارث يتجدد:
ومع طي الصفحات الأخيرة من هذا السجل المعرفي الحافل، نجد أنفسنا لا أمام مجرد توثيق لأسماء أو رصد لمؤهلات، بل أمام ملحمة إنسانية سطرتها عقول آمنت بأن العلم هو أسمى معارج الرفعة، وأن الوطن لا يبنى إلا بسواعد أبنائه وبناته المتسلحين بالمعرفة.
إن «الكفاءات الأكاديمية في المطيرفي» ليست مجرد قائمة شرف، بل هي نبض قرية عريقة أبت إلا أن تكون منارة للوعي في قلب الأحساء، وجسرا يربط أصالة المنبت بطموح الثريا.
لقد طفنا في أرجاء هذا الكتاب بين رياض اللغة العربية، ومحاريب العلوم الطبيعية، ومنصات التقنية الحديثة، وميادين التربية والإعلام؛ فرأينا كيف تلاحمت «العمامة» مع «القبعة الأكاديمية»، وكيف امتزجت عزيمة الحفار» وسط الأمواج بـرقة المعلم بين تلاميذه. رأينا المرأة في المطيرفي وهي تصوغ بوعيها ملامح المستقبل، والرجل وهو يورث الأجيال قيم الاستقامة والعمل الدؤوب هي لوحة فسيفسائية اكتملت أركانها حين تعانق الموروث الديني مع التخصص العلمي، لينتج عن ذلك تيار حضاري يتدفق عطاء ونورا.
إن هذا الكتاب، إذ يوثق لهذه النخبة، فإنه يضع أمانة ثقيلة في أعناق الأجيال القادمة؛ أمانة تقتضي مواصلة المسير على ذات الدرب، والاستقاء من ذات النبع الذي لم ينضب يوما. فكل سيرة وردت بين دفتي هذا العمل هي دعوة مفتوحة لكل شاب وشابة من أبناء هذه البلدة الطيبة، ليؤمنوا بأن الصعاب تتلاشى أمام الإرادة، وبأن القيود الجسدية أو الظروف المكانية لا يمكن أن تحجب ضياء العقل المتوقد.
ختامًا، تبقى «المطيرفي» برمزيتها التاريخية وبريق كفاءاتها، شاهدة على أن الاستثمار في الإنسان هو أعظم تجارات الأمم وأبقاها أثرًا. رحل غراس وبقي ثمرهم يانعا، واستمر خلف يسير على خطى سلف صالح، ليظل هذا السجل مفتوحا لإنجازات قادمة، وفصول لم تكتب بعد، تضاف إلى سفر المجد الذي لا ينتهي. فسلامٌ على تلك العقول التي أنارت، وعلى تلك الأرواح التي بنت، وعلى تلك الأرض التي ما زالت تجود بكل جميل ومبهر.
جديد الموقع
- 2026-10-02 *صاحبة الابتسامة رواية جديدة في المشهد الأحسائي*
- 2026-10-02 ما الذي تصنعه الشطآن للأنثى؟ (قراءة في شعرية حوراء الهميلي وتشكّل الذات)
- 2026-10-02 افراح الناصر والمحمد سالم بالهفوف
- 2026-10-02 هل الفواكه تفيد مرضى "حمض اليوريك"؟ الإجابة يبلورها الطبيب ضياء حسين
- 2026-10-02 350 متطوعًا.. طاقات وطنية تسند «خليجي 27»
- 2026-10-02 *معرض الصقور والصيد يشهد إقبالًا كثيفًا في يومه الأول.. والزوار يشيدون بتطور الخدمات وتنوع التجارب*
- 2026-10-02 الحربي يعتمد تشكيل ثماني لجان بالاتحاد السعودي للتايكوندو
- 2026-10-02 تحت رعاية سمو أمير المنطقة الشرقية وكيل إمارة المنطقة الشرقية يدشّن فعاليات الملتقى العلمي العالمي الثالث لعلاج الإدمان
- 2026-10-02 *تكليف الأميرة نجود بنت هذلول مشرفاً عاماً على إدارة الباعة الجائلين بوزارة البلديات والإسكان*
- 2026-10-02 *هل الطبيعة كتاب؟* *المقالة الرابعة: السماء... حين يتسع الكتاب*