2026/04/22 | 0 | 56
قراءة في ديوان "رشفة من آثارهم" للشاعر ناصر الوسمي
كما عوَّدَنا ملتقى شعراءِ الأحساء، وبضيافةٍ كريمة من اللجنةِ الثقافيةِ بالجرن، وحفاوةٍ من الحسينيّةِ المحمديّة، وفي نفسِ الزمانِ والمكان؛ تلتقي الكلمةُ بالشِّعر، ويلتقي الشِّعرُ بكم، ليكتملَ عقدُ الجمالِ في أمسيةِ الموعود بنسختها (٦).
ولا يزال الرهان على الأحساء بأنها أكبر واحة للنخيل في العالم وأكبر منجم للشعراء في الوطن مكتنزةً بجواهر الأدب وبذهب المجاز الخالص
وقبل ذلك كله روح الإنسان الأحسائي
ذلك الأنموذج الذي لن يتكرر ولايمكن أن يتجاوزه أحد في الإبداع ناهيك عن جذوره الممتدة في عمق الأرض والتاريخ والحضارة
ولا يفوتُني في هذا المقام أن أتقدَّمَ بآياتِ التهاني والتبريكات لأخي العزيز الشاعر ناصر الوسمي على إصدارهِ الشعريِّ الولائيِّ الأوّلِ والثاني في سلسلةِ إصداراته، والذي اختار أن يُعنونهُ بـ (رشفةٌ من آثارهم)، وهو ديوانُ شعرٍ ولائيٌّ جمعَ فيهِ جلَّ قصائدهِ في أهلِ البيتِ عليهم السلام. ولمعرفتي بغزارة إنتاجه فاعتقد بأن هذا الديوان ما هو إلا جزءٌ يسير من شعره الفصيح أما الجناح الثاني من شعر العامي فهو كثيرٌ أيضاً وبانتظار أن يجمعه في ديوان مستقل مستقبلاً
وقد تجلت موهبة الاستاذ ناصر الشعرية في كتابة الأوبريت الشعري والأناشيد الولائية والاجتماعية بصفة خاصة
وإذ أقفُ أمامكم هذه الوقفة، وما هي إلّا قراءةٌ عابرة، لا تتجاوزُ كونَها إضاءةً على الديوانِ وما يكتنزُه من جمالٍ عاطفيٍّ، ومحبةٍ صادقة، ومنهاجٍ يخطُّهُ اليراعُ، ويسكبُهُ الولاءُ في فوانيسِ الإبداع، واحتفاءً بأبي حيدر على هذا الإنجازِ الرائع.
نبذةٌ مختصرةٌ عن الديوان:
العنوان: (رشفةٌ من آثارهم).
لقد كان أمام الأستاذ ناصر عدّةُ عناوينَ، تنمُّ عن فطرتهِ التي تربّى عليها منذُ المهدِ في حبِّ محمدٍ وآلِ محمد، وقد وُفِّقَ كثيرًا في هذا الاختيار.
فالرشفُ لغةً: هو البقيّةُ اليسيرةُ من السائل، وتُرتشفُ بالشفاه، ويُقال: رشفَتِ البئرُ، أي أوشكَ ماؤُها على النفاد.
وقد أرادَ الشاعرُ هنا باختيارهِ دلالةً وكنايةً، بأنَّه مهما كتبَ وأبدعَ وتألقَ في هذا الديوان، فما هي إلّا رشفةٌ واحدة، كرشفةِ ماءٍ باردة، في ذكرِ فضائلِ ومدحِ ورثاءِ أهلِ بيتِ النبوّةِ عليهم السلام.
أمّا الآثارُ فهي ما وصلَنا تواترًا من حياتِهم ومآثرِهم التي لا تُعدُّ ولا تُحصى، فجاءَ العنوانُ منسجمًا مع المحتوى.
يحتوي الديوانُ على ما يقاربُ ستٍّ وستّين (٦٦) قصيدة، في حدودِ مئتين وخمسٍ وعشرين (٢٢٥) صفحة، توزّعت بين رشفاتٍ ثلاث:
• الرشفةُ الأولى: المعصومون الأربعةُ عشر (ع).
• الرشفةُ الثانية: في عمومِ أهلِ البيت (ع).
• الرشفةُ الثالثة: في العلماءِ والمشايخِ والموالينَ من المؤمنين، وبعضِ المناسباتِ الشريفة.
وبدءًا من الإهداءِ الذي قدَّمهُ تحيّةً وتحفةً لابنِ أخيهِ المرحومِ الشابِّ محمد جاسم، ولوالديه الكريمين،وهذا من مصاديق الوفاء ، وليس انتهاءً بالقصائدِ الباذخةِ في حبِّ محمدٍ وآلهِ الطاهرين.
واسمحوا لي أن أقتنصَ من الديوانِ بعضَ الوقفاتِ واللقطاتِ الرائعة.
الملامحُ المجازيةُ والتراكيبُ اللغويةُ سهلةٌ ورقيقة، واللغةُ عصريّةٌ وقريبةٌ من المتلقّي، فلا يكادُ يشعرُ القارئُ بثقلِ الألفاظِ أو التكلّفِ في التعبير، وهو ما عوّدَنا عليه الشاعرُ في قصائدهِ المنبرية، سواءً تلك التي يُلقيها بنفسه، أو يُنشدُها المنشدون.
كما نلحظُ في قصائده (شِعريّةَ الصوتِ العالي)، متجاوزًا بها رتابةَ النظم، وهذا نجدهُ في أغلبِ أشعاره، لا سيّما النصوصَ الرثائية؛ حيثُ يتفاعلُ بصدقٍ وعفوية مع كلِّ من يكتبُ فيهم، فلا يكادُ أن يتلقّى خبرًا في الفرحِ أو في الحزن، إلّا ويكونَ أوّلَ المتفاعلين معه شعرًا، وهذا قلّما نجدهُ في شعرائنا الأفاضل، ودعنا نُسمّيهِ (شِعرَ اللحظةِ الحيّة).
وقد انعكسَ هذا التفاعلُ بوضوحٍ على تجربتهِ الشعريةِ الولائية؛ وهو شاعرٌ مواظبٌ على الكتابةِ بشكلٍ سنويٍّ في مناسباتِ أهلِ البيتِ عليهم السلام، وهذا ملمحٌ مهمٌّ لنعرفَ أنّه غزيرُ الإنتاجِ في الشعرِ الولائي.
الأستاذُ ناصرُ الوسمي شاعرٌ متجدّد؛ قد تتكرّرُ روحُهُ في نصوصه، لكنّه يقفزُ في كلِّ مرّةٍ من سماءٍ إلى سماء ، وهذه ـ على ما يبدو ـ حالةٌ تتلبّسهُ لاشعوريًّا، وندركُها نحنُ، كمتلقّين وشعراء، بوضوح.
نماذج شعرية من الديوان:
استهلَّ الشاعرُ ديوانهُ بقصائدَ في مدحِ النبيِّ الأكرم محمد ﷺ، ففي قصيدة (ميلادي، رشفةٌ من بهائك الأقدس) يقول:
في يومِ ذِكراكَ العظيمِ ولادتي
وأنا لقُربكَ مُغرمٌ توّاقُ
أنا رشفةٌ من بحرِ جودكَ والندى
يحلو لروحي، سيّدي، الإغراقُ
وفي هذين البيتين يُخبرُنا الشاعرُ بأنّ ولادتَهُ وافقتْ ولادةَ النبيِّ ﷺ، إن لم يكنْ باليومِ فبالشهر، وينسبُ الفضلَ ـ بعدَ الله ـ للنبيِّ عليه السلام على هذا الإلهامِ الشعري.
ومن قصيدةٍ لهُ في مديحِ الإمامِ عليٍّ (ع) يقول:
(أحساءُ) من حيدرٍ تحكي الهوى تمرًا
والعشقُ يحلو بها، لا يعرفُ المُرّا
إلى أن يقول:
لنا انتماءٌ تجلّى اليومَ محتِدُهُ
هُويّةُ النخلِ تبقى شُعلةً بكرى
كما انتمينا افتخارًا للوصيِّ غدًا
لنا انتماءٌ يُضاهي الكونَ والدهرا
ولم ينسَ الشاعرُ موطنَهُ ومسقطَ رأسِه (الأحساء، أو هَجَر قديمًا)، فقد أوفى لها الكيل، وربطها بشعرهِ الولائي، لما تتمتّعُ به الأحساءُ من انتماء، وبما تحملهُ من ولاءٍ راسخٍ لأهلِ البيتِ عليهم السلام، فحضرتِ الأحساءُ شامخةً بقاماتِ نخيلها وينابيعها العذبة في الكثيرِ من مقطوعاتهِ الولائية.
أمّا قصائدُهُ في مدحِ السيدةِ فاطمةَ الزهراء (ع) فهي كثيرة، واخترتُ هذه الأبياتِ لعذوبتها، من قصيدةٍ طويلة بعنوان (الزهراء… الوجود الأعظم):
لكِ الأشعارُ والأشواقُ سَكرى
وتنسابُ الحروفُ إليكِ حيرى
وأنتِ الوحيُ، مُلهمةُ القوافي
وشوقًا تعزفُ الأكوانُ بشرى
إلى أن يقول:
أُسامرُ في غرامكِ كلَّ نجمٍ
ويلمعُ منكِ في العلياءِ سِحرًا
فقد رفعَ الإلهُ علاكِ عرشًا
كما بالمصطفى المرسولِ أسرى
ولو أردنا الوقوفَ على كلِّ القصائدِ، فسيطولُ المقام، ولما انتهتِ الدهشة. وأكتفي هنا بدعوةٍ كريمةٍ للمتلقّي أن يبحرَ ويسبحَ في أعماقِ الديوان، ويرشفَ من شواطئهِ الصافية.
ونظرًا لضيقِ الوقت، وبما أنّنا في مناسبةٍ عظيمةٍ كذكرى ميلادِ الإمامِ المهديِّ المنتظر (عج)، نختِمُ هذه الجولةَ من الديوانِ بإطلالةٍ في رحابه؛ حيثُ يتسامرُ الشاعرُ مجازًا مع الإمامِ، وهو في غيبته، شارحًا له حالَ الانتظارِ والشوق، كحبيبينِ افترقا دون وداع، ودون وعدٍ للقاءٍ مرتقب.
وهنا يتماهى الشاعرُ ناصرُ الوسمي ببثِّ لواعجهِ وأشواقهِ لسيدِه ومولاه، كبرقيّةٍ يؤمن بأنها ستصلُ إليه، فيقولُ في قصيدته (جراحُ الانتظار):
عشقتُك يا حبيبَ الروحِ دأبًا
فخُذ منّي بما تهواهُ أنتَ
يُباغتني الزمانُ بحملِ جمرٍ
وعِشتُ أسًى، كما بالحُزنِ عِشتا
فيا مهديُّ، كم في القلبِ تحيا
وأنتَ على الأحبّةِ كم حنوتا
فعُد يا ابنَ الهدى، فالهجرُ دامٍ
ومن دارِ النوى هلّا رجعتا
وجاء الباب الأخير أيضاً كرشفةٍ ثالثة لقصائد عدة خصصها لمدح و رثاء المشايخ وعلماء الدين الذين عاصرهم وفي عدد من الشخصيات الاجتماعية ومن المؤمنين الذين تأثر بهم وعايشهم .
انتهى
جابر الجميعة
جديد الموقع
- 2026-04-22 لماذا يحبون الروايات؟
- 2026-04-22 الرواية المفضلة عند بعض الروائيين يوسف أحمد الحسن
- 2026-04-22 غناء الرضا
- 2026-04-22 مدى فعالية علاج التهاب مفصل الركبة بالحقن بحسب مراجعة علمية
- 2026-04-22 صدور موافقة خادم الحرمين الشريفين على إقامة مسابقة القرآن الكريم والسنة النبوية الثانية لدول قارة أفريقيا بجمهورية السنغال
- 2026-04-22 قصائد تنبع من المجتمع وتعالج قضاياه
- 2026-04-22 «كرسي الكتاب العربي» يتطلع للإسهام في بناء حقل معرفي للكتاب العربي وتطوير حقوله المعرفية
- 2026-04-22 سمو أمير المنطقة الشرقية يدشّن المرحلة الثانية من مبادرة صيانة 100 مسجد بمحافظة الخبر
- 2026-04-22 *هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمحافظة الأحساء تنفذ برنامجًا تدريبيًا بالتعاون مع الدفاع المدني*
- 2026-04-22 *تقنية وصحة الأحساء يبحثان تعزيز التعاون والشراكات المجتمعية*