2025/05/22 | 0 | 1241
الهجرة من مكة المناسبات إلى مدينة المجاز ( قراءة في تحولات الخطاب الشعري عند ناصر الوسمي )
هل تَكتب القصيدة الحدث… أم تُصبح الحدث نفسه؟
هل الشاعر يُعلّق على الحياة، أم يُعيد خلقها بالكلمة؟أحيانًا، لا نحتاج أن نُمسك القصيدة بيد النقد، بل نكفي أن نضعها على نبض القلب…
وهكذا وجدتُ شعر ناصر الوسمي، خصوصًا في مناسباته؛ لا يُلقي القصيدة من علٍ، بل يكتبها كما تُكتب الرسائل العاطفية في لحظات الصفاء… بلغةٍ عالية، وإحساسٍ قريب.
هو من أولئك الذين لا يتكلفون الحضور، لأنهم حاضرون بطبعهم…
ومن أولئك الذين لا يتعالون على الناس، فيعلو بهم الشعرُ ويزهو على أيديهم .
ناصر الوسمي… من الناس، وإلى الناس، ولذلك يشبهه شعره:
صادقٌ دون صخب، رقيقٌ دون ترهّل، عميقٌ دون تصنّع.
ويُقال كثيرًا إن “شعر المناسبة” مؤقت…
لكن ما يكتبه ناصر يثبت أن شعر المناسبة يمكن أن يكون شاهدًا على اللحظة، وذاكرةً ناطقة باسم الناس، في أفراحهم وأتراحهم، في مواقفهم ومفارقهم، يعزف في الاحتفاء ، وينزف في الرثاء .
الشعر لا ينفصل عن حياة الناس، وإذا ابتعد عنها فقدَ جزءًا من رسالته… وهذذا ما يؤمن به ناصر الوسمي تماماً .
وشعر المناسبة ـ حين يُكتب بهذا الصدق وهذا الفنّ ـ لا يكون تعليقًا على الحدث، بل يكون الحدث نفسه ممتدًا في القصيدة.
وهنا تتجلّى مسؤولية الشاعر:
أن يُشارك مجتمعه في مناسباته، لا كمُجامِل، بل كصوتٍ يُكمل الصورة، ويمنح الكلمة نبضها، ويجعل من القصيدة جسرًا بين الوجدان الجمعي والوعي الثقافي.
فكل التحية لناصر الوسمي…
على شعره، وعلى صدقه، وعلى دوره الذي يتجاوز البيت المقفّى… إلى البيت المفتوح على قلوب الناس.
ناصر الوسمي، الشاعر الذي عرفته المنابر والمنصات في كل الميادين ، اختار أن يُهاجر في ديوانه البكر ( على عتبات الضوء )
ليست هجرةً من بلد إلى بلد، بل من منفى التوقيت إلى فسحة اللغة ورحابة الكلمات ، من وظيفة الشاعر إلى قلق الشاعر ، من “القصيدة المطلوبة” إلى “القصيدة التي تُطلب” ومن التعبير إلى التفسير ومن الوصف إلى الكشف .
لقد غادر ناصر الوسمي “مكة المناسبات”، حيث القصيدة تقف على أقدام غيرها، إلى “مدينة المجاز”، حيث اللغة تمشي على قدميها، وتخترع الطريق.
- المفترق الأول: من الصوت إلى الصدى/
في قصائده الأولى، بدا ناصر الوسمي شاعرًا بارعًا في اقتناص اللحظة. اللغة حاضرة، الإيقاع ناعم، والنَفَس ممتد. لكنه كان، ككثير من مجايليه، ينتمي إلى بيئة شعرية تؤمن بأن الشاعر مرآة الجماعة، وأن وظيفته التعبير عن الفرَح العام، والموقف العام، والرثاء العام.
غير أن ما استجدّ لاحقًا هو أن المرآة صارت ترى نفسها.
ففرح التاس من حوله هو فرحه ، ورثاء الآخرين في البيئة المحيطة به هو حزنه ،
فبدلاً من الاستجابة للحدث، بدأ الوسمي يستجيب لما “لا يُقال” في الحدث و بدلاً من وصف الظاهر، بدأ في الغوص إلى الخفي، واستبدال الحدث بالصورة، والتقريري بالمجازي.
صارت القصيدة عنده صدىً للغائب، لا مجرد صوت للحاضر.
ويكفي أن نقرأ قصيدته الأخيرة “ثُمالة الكأس”، حيث تتحوّل لحظة اللقاء العاطفي إلى أسطورة ميتافيزيقية:
“الكأسُ منها للِّقا أُسطورةٌ / قد رتّلتْ في داخلي عنقاءَها”
الصورة هنا لا تصف ما تراه العين، بل تُعيد خلق المعنى من خلال المجاز الأسطوري والروحاني. وهذا المجاز ليس تجميلًا بل كشفاً .
- المفترق الثاني: من المباشر إلى العميق:
النقلة النوعية في تجربة الوسمي لا تتعلق فقط بالموضوع، بل باللغة ذاتها.
إنه لم يبدّل الثوب فقط، بل مزّق القالب.
في “ثمالة الكأس” مثلًا، لا نجد حبًا بسيطًا أو قبلةً عابرة، بل طقسًا أسطوريًا يُحيل إلى الخلق الأول:
“تستلُّ بالأشواقِ آدمَ لذّتي / والقلبُ عرّشَ للهوى حوّاءَها”
المجاز هنا لا يعبّر عن علاقة جسدية، بل يستدعي المعنى البدئي للحب كقوة وجودية تعيد تشكيل القلب والتاريخ.
هكذا، لم تعد المفردات القديمة، المأنوسة، حاضرة في قاموس الوسمي الجديد، بل صارت لغته منحوتة من المجاز والانزياح.
- المفترق الثالث: من اللحظة إلى الهاجس:
الهجرة إلى “مدينة المجاز” عند الوسمي لم تكن خروجًا من الشكل فقط، بل من الزمن.
فالقصيدة لم تعد تجيب على أسئلة اللحظة، بل تطرح سؤال الوجود.
ولم تعد تصف مشهدًا، بل تعيش هواجس المعنى.
“ثُمالة الكأس” ليست مجرد قصيدة عشق، بل تأمل في الحب بوصفه تجربة فائقة، تتماس مع الإلهي والروحي:
“بالحبّ تلتحم الشفاهُ، وإذْ بها / تُحيي طقوسَ اللثمِ.. ربُّك شاءَها”
بهذا التمازج بين الحب والدين، بين الطقس والقدر، ينجح الوسمي في أن يُوقظ لغة جديدة، مشحونة بالمعنى ومتجاوزة للمناسباتية.
- المفترق الرابع :من الغرض إلى الرؤيا:
في قصيدة “حكاية الشعر الطويل”، يتّضح أن التحوّل في الكتابة لم يكن في الشكل فقط، بل في الفلسفة الشعرية نفسها. القصيدة لم تعد وصفًا أو تقليدًا، بل رؤيا شخصية:
“هو الشعرُ الغويّ بحسنِ أنثى
إليها الشوقُ يكتبني اعترافا”
ناصر هنا لم يعُد يكتب حبًا، بل يُكتَب به. صارت اللغة هي التي تمارس عليه سلطتها، وصار هو مجرّد ترجمان للحنين:
““هيّا نغيبُ عن الأنظارِ عاشقتي
ونهجرُ النّاسَ والأحقادَ والمِللا”
هنا يكشف الشاعر عن نزعة عُلوية في الهروب من الواقع إلى عالم الحبّ الطاهر الخالص، حيث لا أحقاد ولا مذاهب ولا قيود. هذه دعوة إلى فردوسٍ داخلي، رؤيا لعالمٍ مثالي خارج الزمان والمكان، لا يحكمه سوى الحب
فالغياب انعتاق وحالة من حالات الخلوة العرفانية حينها فقط يرتفع بالغزل إلى رؤية وجدانية عميقة .
- المفترق الخامس : من طاقة الوضع إلى طاقة الحركة
الشاعر في قصيدته “غرقُ الجراح” يعبّر عن هذا النوع من التحول، ولكن بصيغة وجدانية:
“قد شَقَّ ثوبَ الحرفِ شِعريَ حسرةً
نحرُ القَـوافي فِي عَـزاكَ قـطـيـعُ”
هنا نلمس تحوّلًا داخليًّا مشابهًا، فـ”طاقة الوضع” الكامنة في الحزن المكبوت تحوّلت إلى “طاقة حركة” شعريّة؛ انفجار وجداني جعل الحرف يئن والقصيدة تنزف، وهذا يُشبه انتقال الطاقة من السكون إلى الفعل، من الكُمون إلى التدفّق
وهكذا، فإن شعر ناصر الوسمي، في هجرته من المعرفة إلى العرفان لا يعيد فقط تعريف شعر المناسبة، بل يعيد تعريف الشاعر نفسه: بوصفه كائنًا مشتبكًا مع الزمان والمجاز، ومع الإنسان واللغة.
ومن خلال هذا الاستقراء نكتشف أن الهجرة التي قام بها الوسمي لم تكن مجرد تحول أسلوبي بل كانت رحلة في عمق الشعر ذاته وعبرَ سعيٍ حثيث انطلق بالأغراض الشعرية المختلفة من قاع الرؤية الحسية إلى قمة الرؤيا الكشفية .
في عالمٍ يُغري بالسطح ويكافئ التكرار علينا أن نغوص ، ونمضي بعيداً ونمنح فرصة للتأويل أن يصل إلى أقصى مدى كما فعل ناصر الوسمي حين شقّ طريقاً بالتلميح لا بالتصريح ، وحمّلَ اللغة أوزاراً وجدانية تنوء بها جبال المباشرة التي تراكمت عبر المراحل .
القصيدة الجديدة لا تُقرأ كأثر بل كأفق ، ولعلّ هذه الهجرة الوسمية هي دعوة لأن تكون القصيدة إقامةً في اللغة لا عبوراً منها .
جديد الموقع
- 2026-10-03 صنعة التوثيق التاريخي عند الشيخ موسى الهادي بوخمسين([1])
- 2026-10-03 د. " عواجي " يدشن "عيادة عين لطب العيون المتنقلة" بدعم من أوقاف نورة الملاحي (تنفذها جمعية عين لطب العيون )
- 2026-10-03 المملكة الأولى عالميًا في قيمة صادرات التمور بنحو ملياري ريال للعام الرابع على التوالي
- 2026-10-03 *أسبوع الفضاء العالمي 2026: ثورة الصواريخ*
- 2026-10-02 *صاحبة الابتسامة رواية جديدة في المشهد الأحسائي*
- 2026-10-02 قراءة في كتاب الكفاءات الأكاديمية بالمطيرفي
- 2026-10-02 ما الذي تصنعه الشطآن للأنثى؟ (قراءة في شعرية حوراء الهميلي وتشكّل الذات)
- 2026-10-02 افراح الناصر والمحمد سالم بالهفوف
- 2026-10-02 هل الفواكه تفيد مرضى "حمض اليوريك"؟ الإجابة يبلورها الطبيب ضياء حسين
- 2026-10-02 350 متطوعًا.. طاقات وطنية تسند «خليجي 27»