2025/05/24 | 0 | 1143
الموت اكتمال نصاب الحضور ( تأملات في رثاء جابر الجميعة لابنه هشام )
لحظة العبور بين الغياب والحضور:
منذ اللحظة الأولى للفقد تتجلى (الغرفة الباردة) كمرآةٍ لحضور روحي لا يزال معلقاً ، كأن (هشام) ذلك الملاك الوضيء لم يغادر المكان تماماً بل خلّف أثراً للعبور ، والأثر علامة حضور :
(غرفةٌ باردة) والأثاثُ على حالهِ
مُنذ أن غادرتها الملائك يحملن روحي معك
الى أين يأخذنك الآنَ ؟
قُل لي لماذا تركت فؤادي وحيداً يُقاسي
وليسَ معي غيرَ هذا السُهادِ
وبعض الدموع فكيف لدمعٍ جرى يُرجعك؟
فالغرفة بوابة عبور ..
الأب في ضفة
والابن في ضفة
والدمع هو الماء الفاصل بين الضفتين .
وفي بيتٍ آخر يؤكّد جابر الجميعة هذه الرؤية :
الراحلون إذا مرّوا بخاطرنا
توهّجوا وكأن الموت ما كانا
فالخاطر الذي كان يفترض أن يكون مسرحًا للندبة، أصبح محرابًا للتجلّي.
وهكذا، يثبّت جابر الجميعة في هذا البيت فكرته الشعرية المحورية: أن الرحيل لا يلغي الأثر، بل يؤبّده.
من الأرض إلى الفيض :
الموت في يقين جابر الجميعة هو تجرد كامل وانتقال من عالم الأرض الدنيوي إلى عالم الفيض السماوي حيث تتلاشى حدود الوجع واللهفة ..
تتجسد رحمة الله سبحانه في شكل فيضٍ مستمر حتى تتحول المجالس إلى رحابٍ روحية :
وفي فراديسهِ أضحت مجالسهم
فيضاً من اللطفِ روحَاً ثُم ريحانا
ويوازن بين ( الانشغال الفيضي ) و
و( الذكرى الأرضية ) في جذبة صوفية تقول :
هم برحمته العظمى قد انشغلوا
ونحن في ذكرهم نزداد أحزانا
في هذا البيت، يقيم جابر توازناً تأملياً بين عالمين متوازيين: العالم الأرضي الذي يرزح تحت وطأة الحزن والفقد، والعالم الآخر حيث تستغرق الأرواح الراحلة في رحمةٍ عظمى، وفي فيض من الطمأنينة الربانية ...
هكذا يلمع الحزن كجسرٍ بين عالمين، لا كهاوية بينهما.
الموت مرافقة لا مفارقة :
في عينهِ اليمنى حكاية لهفتي
في عينهِ الأخرى حنين خطاهُ
العيون التي أغمضها الموت لا تزال مفتوحة في قلب الأب، شاهدة، محمّلة بالشوق والرحيل، بل محمّلة بالشاعر نفسه.
ويقول:
لا شيء يوسعني خوفًا وأوسعهُ
غيري، وإن كان مثلي يحملُ الخطرا
وكأن الحاضر يسكن الغائب، يتداخلان ، فلا يعرف الشاعر أين يبدأ هو وأين ينتهي الابن. هذا التماهي هو ذروة المرافقة.
يبلغ هذا التماهي ذروته في قوله:
شيّعتهُ وتركتُ روحي عندهُ
من ذا يُشيّعُ في الطريقِ أباهُ؟
الحيّ هو المحمول على نعش الأسى، والميت هو الذي احتوى روح الآخر.
بهذا المعنى، يُنكر البيت القطيعة المطلقة مع الراحل، ويؤكّد أن الفقد لم يُنهِ العلاقة، بل أطلقها في شكل جديد، أكثر وجعًا، وأكثر التصاقًا .
فالحبيب لا يمضي دون أن يأخذ شيئًا منا، وقد يأخذنا كلنا، ولا يعود بنا، بل يتركنا على تخوم العبور، لا موتى ولا أحياء .
الغياب ارتقاء وليس اختفاء :
قبلتهُ بجبينهِ وبخدهِ
اللهُ، يا وردَ الندى، اللهُ
هذه القبلة طبعها الأب على جسد بدأ يتحرر من الكثافة البشرية إلى اللطافة الإلهية ، فكان “ورد الندى” وهي صورة للروح وقد تخففت من الطين الذي أثقلها .
ثمّ يبلغ العروج قمّته في مشهد الوصل الأبدي:
أبتاهُ قال: وفي يديهِ قلائدٌ
ما أجملَ الجنّاتِ يا أبتاهُ
هذه الجملة كشفٌ عن عروج هشام إلى الفردوس، وعن رؤيته لما لا يُرى. يقولها جابر كما يقولها العارف لحظة الوجدان، ويؤمن بها كما يؤمن سالكٌ رأى بنور البصيرة .
إذن رثاء جابر لابنه هنا لا يوثّق الغياب، بل يُكمّل نصاب الحضور ...
بعدَ الذي ذابَ في عينيهِ واتحدا
طالَ البُكاء ولم يُخبر بهِ أحدا
وكانَ يرتقب الظلماء في عجلٍ
لعلها تطفئ الدمع الذي اتقدا
حرارة الفَقدِ من يدري حرارتها
إلا الذي فاقدٌ من ضلعهِ ولدا .
جديد الموقع
- 2026-10-02 *صاحبة الابتسامة رواية جديدة في المشهد الأحسائي*
- 2026-10-02 قراءة في كتاب الكفاءات الأكاديمية بالمطيرفي
- 2026-10-02 ما الذي تصنعه الشطآن للأنثى؟ (قراءة في شعرية حوراء الهميلي وتشكّل الذات)
- 2026-10-02 افراح الناصر والمحمد سالم بالهفوف
- 2026-10-02 هل الفواكه تفيد مرضى "حمض اليوريك"؟ الإجابة يبلورها الطبيب ضياء حسين
- 2026-10-02 350 متطوعًا.. طاقات وطنية تسند «خليجي 27»
- 2026-10-02 *معرض الصقور والصيد يشهد إقبالًا كثيفًا في يومه الأول.. والزوار يشيدون بتطور الخدمات وتنوع التجارب*
- 2026-10-02 الحربي يعتمد تشكيل ثماني لجان بالاتحاد السعودي للتايكوندو
- 2026-10-02 تحت رعاية سمو أمير المنطقة الشرقية وكيل إمارة المنطقة الشرقية يدشّن فعاليات الملتقى العلمي العالمي الثالث لعلاج الإدمان
- 2026-10-02 *تكليف الأميرة نجود بنت هذلول مشرفاً عاماً على إدارة الباعة الجائلين بوزارة البلديات والإسكان*