2026/07/04 | 0 | 143
العمل التطوعي من الرفاهية إلى الجدّية
يظل العمل التطوعي واحدا من أجمل ما يثبت أن الخير لم يغادر الإنسان بعد. التطوع يعيد تشكيل الانسان من الداخل. يعلّمه التواضع، ويكسبه حسّ المسؤولية، ويتسع وعيه ليرى الحياة خارج دائرته الضيقة. فالإنسان الذي يمد يده للناس، يكتشف غالبا أن العطاء لا ينقصه، انما يزيده نضجا وعمقا ورضا.
العمل التطوعي يصنع أفرادا أكثر إنسانية، وأكثر وعيا بقيمة التضامن والتكافل. إذ أنه يحرّر الإنسان من الأنانية، ويعيد إليه فطرته الأولى، فطرة الرحمة، والإحساس، والمشاركة. قال تعالى: "فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ" (سورة البقرة - آية 184)، وأشار القرآن الكريم كذلك إلى مجموعة من مصاديق عمل التطوع كالحث على إعطاء الصدقة، أو الأمر بالمعروف، أو الإصلاح بين الناس كما في قوله تعالى: "لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ" (سورة النساء - آية 114).
وعلى مستوى المجتمع، فالعمل التطوعي ليس رفاهية اجتماعية، بل ضرورة حضارية.. المدارس، المستشفيات، المبادرات الشبابية، حملات الإغاثة، برامج التعليم، رعاية الضعفاء… كلها مساحات يثبت فيها التطوع أنه شريك أساسي في بناء المجتمعات. أما كيف نحوّل التطوع من الرفاهية إلى الجدّية، فنحتاج إلى أمرين: بناء نظام، وربط التطوع بنتائج قابلة للقياس. ويتم ذلك من خلال خطوات بأن نجعل التطوع "مهمّة" لا "مزاج" - وضع هدفاً قابلاً للقياس - تحديد الأدوار والمسؤوليات - تأهيل الكوادر عبر التدريب - الالتزام بالوقت وتحديد أوقات الدوام - المتابعة وتقييم النشاط - ربط التطوع بمهارات - موارد واضحة من ميزانيات - دعم ثقافة التطوع عند الأفراد. الكثير من التطوع يتحول لرفاهية بسبب كثرة الصور والاحتفال وقلة العمل الحقيقي. فكل نشاط له "نتيجة" ملموسة قبل أي اهتمام بالشكليات.
فحين يلتقي الغني بالفقير في مساحة إنسانية، وحين يقترب الميسور من معاناة المحتاج، وحين يرى صاحب الامتياز الواقع الذي يعيشه المهمشون، تتغير أشياء كثيرة. تسقط الحواجز النفسية. تضعف الصور النمطية. ويحل الفهم محل الأحكام المسبقة.
إنه يذكّر الجميع بأن المجتمع ليس طبقات متباعدة تعيش في جزر معزولة، بل كيان واحد، إذا تألم جزء منه، تضرر الكل. قال رسول الله ﷺ" مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
في بعض الأحيان يصبح التطوع مرتبطا بالمظاهر، أو بتحسين الصورة العامة، أو ببناء حضور اجتماعي وإعلامي. بعض الناس صاروا يتعاملون معه كوسيلة للظهور، لا كقيمة للعطاء. وهنا يكمن الخطر. فالعمل التطوعي الحقيقي انما يُقاس بقيمة الأثر الذي بقي. وبما خفف من ألم. وبما أحدثه من فرق حقيقي.
إن المجتمعات التي لا تعلي من قيمة التطوع، مجتمعات مهددة بالجفاف الأخلاقي، مهما امتلكت من المال أو الموارد. لأن العمل التطوعي ليس عملا إضافيا يقوم به بعض الطيبين دون غيرهم، إنه معيار حضاري. ومقياس أخلاقي. وشاهد حي على مقدار الإنسانية التي لا تزال تسكننا.
علينا أن نسأل أنفسنا، كم مرة كنا جزءا من حل في حياة الآخرين؟ وكم مرة مررنا بألم الناس وكأنه لا يعنينا؟ ولكي نكون جزءًا حقيقيًا في حل مشكلات الناس فالفكرة ليست "تقديم مساعدة عامة"، بل بفهم المشكلة - واختيار الوقت المناسب للمساهمة في الحل - والتنفيذ بجودة – والتعاون - والمتابعة.
بين هذين السؤالين…يتحدد شكل الإنسان الذي بنيناه. ويتحدد شكل المجتمع الذي نعيش فيه.
جديد الموقع
- 2026-07-04 اقتصاد الانتباه في زمن الرؤية
- 2026-07-04 كآس العالم: لماذا وبماذا يتميز اللاعب أعسر القدم في كرة القدم؟
- 2026-07-03 سمو محافظ الأحساء يستقبل وكيل "البلديات والإسكان" ويطّلع على مستجدات المشاريع السكنية والتطوير العقاري
- 2026-07-03 الدكتور حجي إبراهيم الزويد: لا علاقة بين التطعيمات والتوحد.. والعلم حسم الجدل منذ سنوات
- 2026-07-03 *الأستاذ محمد الحسين يشكر القيادة الرشيدة بمناسبة ترقيته للمرتبة الخامسة عشرة*
- 2026-07-03 سمو أمير المنطقة الشرقية يطّلع على منجزات جمعية العناية بالقرآن الكريم بالمنطقة الشرقية
- 2026-07-03 سمو أمير المنطقة الشرقية يقدّم العزاء لعدد من أسر شهداء حادث سقوط المروحية
- 2026-07-03 عاشوراء وما بعدها
- 2026-07-03 (لِيس مِنْ ديدنِ الشعراءِ الشامخين)
- 2026-07-01 هل غسل الأرز قبل طبخه ضروري بالفعل؟”