2026/06/13 | 0 | 35
الطموح السعودي : حين لم يعد النجاح كافياً
شهدت السعودية خلال السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في الفرص التعليمية والمهنية والاستثمارية، بالتوازي مع تحولات اقتصادية واجتماعية رفعت سقف الطموحات الفردية إلى مستويات غير مسبوقة. وأصبح الشباب أكثر انفتاحاً على نماذج النجاح العالمية، وأكثر قدرة على الوصول إلى المعرفة والتجارب المهنية المختلفة، وأكثر وعياً بالإمكانات المتاحة لهم مقارنة بالأجيال السابقة.
لكن هذه التحولات صاحبتها ظاهرة تستحق التأمل. فبينما اتسعت الفرص، ارتفعت أيضاً التوقعات المرتبطة بها. ولم يعد النجاح يُقاس بالمعايير التقليدية المرتبطة بالاستقرار المهني أو الاجتماعي فحسب، بل أصبح كثير من الشباب يقارنون أنفسهم بنماذج استثنائية للنجاح يرونها يومياً عبر المنصات الرقمية ووسائل الإعلام.
ومن هنا تظهر فجوة آخذة في الاتساع بين ما يتوقعه الأفراد من حياتهم المهنية والشخصية، وبين ما تسمح به الظروف الواقعية حتى في أفضل الحالات. فليس من السهل أن تتحول الغالبية إلى رواد أعمال ناجحين، أو مستثمرين بارزين، أو شخصيات مؤثرة، أو أصحاب إنجازات استثنائية. ومع ذلك، أصبحت هذه النماذج حاضرة في الوعي العام أكثر من أي وقت مضى.
لا تكمن المشكلة في الطموح نفسه، فالمجتمعات لا تتقدم دون طموح، وإنما في تضخم التوقعات إلى درجة تجعل الإنجازات الطبيعية تبدو أقل قيمة مما هي عليه فعلاً. وعندما يحدث ذلك، يصبح الشعور بعدم الرضا أو التأخر عن الآخرين نتيجة متوقعة حتى لدى أشخاص يحققون نجاحات حقيقية وفق المعايير الموضوعية.
هذه الظاهرة لا تعني أن المجتمع يمر بأزمة، ولا تعني أن الطموحات الجديدة غير واقعية بالضرورة، لكنها تطرح سؤالاً مهماً: ماذا يحدث عندما يرتفع سقف التوقعات بوتيرة أسرع من قدرة الواقع على تلبيتها؟
عصر التوقعات المرتفعة
على مدى عقود طويلة، ارتبط النجاح في الوعي الاجتماعي بتحقيق مجموعة من الأهداف الواضحة: الحصول على تعليم جيد، والالتحاق بوظيفة مستقرة، وتكوين أسرة، وتحقيق مستوى معقول من الاستقرار المادي والاجتماعي.
أما اليوم، فقد أصبحت صورة النجاح أكثر تعقيداً. فالشاب لا يرى أمامه نموذجاً واحداً أو نموذجين، بل عشرات النماذج المختلفة. يرى مؤسس شركة ناشئة، ومستثمراً شاباً، وصانع محتوى يملك ملايين المتابعين، ومديراً تنفيذياً يقود شركة عالمية، وأشخاصاً يحققون نجاحات لافتة في أعمار مبكرة.
لا يمثل هذا التنوع مشكلة في حد ذاته. بل يمكن اعتباره مؤشراً على حيوية المجتمع واتساع الفرص المتاحة فيه. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه النماذج الاستثنائية إلى معيار ضمني يقيس الناس أنفسهم على أساسه. فكلما ارتفع سقف التوقعات، أصبح من السهل أن يبدو النجاح العادي وكأنه غير كافٍ.
المقارنة في العصر الرقمي
كان الإنسان في الماضي يقارن نفسه بدائرة محدودة من الناس. أما اليوم، فقد أصبحت المقارنة مفتوحة على العالم بأسره. فخلال دقائق قليلة يمكن لأي شخص أن يشاهد قصص نجاح من مختلف أنحاء العالم، وأن يتابع أشخاصاً حققوا إنجازات كبيرة في مجالات متنوعة. لكن ما يصل إلى الجمهور غالباً هو النتائج النهائية، لا السنوات الطويلة من الفشل أو التعثر أو الظروف الاستثنائية التي صاحبت هذه النجاحات. وهكذا تتشكل صورة ذهنية غير متوازنة عن الواقع.
فالإنسان لا يقارن حياته الكاملة بحياة الآخرين الكاملة، بل يقارن تفاصيل يومه العادي بأبرز لحظات النجاح في حياة الآخرين. ومع الوقت، تتحول المقارنة من وسيلة للإلهام إلى مصدر مستمر للضغط النفسي.
عندما يصبح المستقبل مشروعاً دائماً
إلى جانب المقارنة، هناك عامل آخر يساهم في رفع سقف التوقعات، وهو الحضور الدائم للمستقبل في الحياة اليومية. فالطالب يفكر منذ سنوات الدراسة في الوظائف التي سيحتاجها سوق العمل مستقبلاً. والموظف يفكر في المهارات التي يجب أن يكتسبها حتى لا يتخلف عن التغيرات القادمة. والجميع تقريباً يتابع النقاشات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والتحولات الاقتصادية والتقنية.
هذا الوعي بالمستقبل يمنح الأفراد قدرة أكبر على التخطيط، لكنه يجعلهم أيضاً أكثر حساسية تجاه ما لم يحققوه بعد. وبدلاً من قياس النجاح بما تحقق فعلاً، يصبح القياس أحياناً بما كان يمكن تحقيقه.
الفجوة بين الممكن والمتوقع
من الطبيعي أن تتوسع التوقعات عندما تتوسع الإمكانات. لكن المشكلة تظهر عندما تنمو التوقعات بوتيرة أسرع من الواقع نفسه. فحتى في أكثر المجتمعات تقدماً، لا يمكن أن يعيش الجميع حياة استثنائية. ولا يمكن أن يتحول النجاح المتميز إلى تجربة عامة. فالمجتمعات بطبيعتها تضم مستويات مختلفة من الإنجاز والقدرات والاهتمامات والظروف. لكن عندما يصبح الاستثنائي هو الصورة الأكثر حضوراً، يتراجع تقدير الإنجازات الطبيعية. وتصبح الوظيفة الجيدة أمراً عادياً، والدخل الجيد غير كافٍ، والنجاح المهني مجرد محطة مؤقتة في سباق لا ينتهي. وهنا لا تكمن المشكلة في نقص الإنجاز، بل في تضخم المعيار الذي نقيس الإنجاز عليه.
استعادة التوازن
لا يحتاج المجتمع إلى خفض سقف الطموح، ولا إلى التشكيك في أهمية النجاح والإنجاز. فهذه قيم أساسية لأي مشروع تنموي. لكن ما يحتاجه هو قدر أكبر من التوازن بين الطموح والرضا، وبين السعي إلى الأفضل والقدرة على تقدير ما تحقق بالفعل. فالمجتمعات لا تبنى فقط على قصص النجاح الاستثنائية، بل على ملايين الأشخاص الذين يؤدون أعمالهم بكفاءة، ويبنون أسرهم، ويسهمون في الاقتصاد والمجتمع بطرق لا تتصدر العناوين. والنجاح لا يفقد قيمته لأنه ليس استثنائياً. كما أن الحياة المستقرة والمنتجة ليست شكلاً أدنى من أشكال الإنجاز.
خاتمة
ربما لا تكمن القضية في أن الشباب اليوم يواجهون فرصاً أقل أو أكثر من الأجيال السابقة، فمثل هذه المقارنات ستظل محل جدل.
لكن ما يبدو أكثر وضوحاً هو أن المجتمع يعيش مرحلة ارتفعت فيها التوقعات بوتيرة غير مسبوقة، مدفوعة باتساع الإمكانات، وتعدد نماذج النجاح، والحضور المستمر للمقارنة في الحياة اليومية. وفي مثل هذه البيئة، قد لا يكون التحدي الأكبر هو تحقيق النجاح نفسه، بل الحفاظ على القدرة على تقدير النجاح عندما يتحقق. فحين يرتفع سقف التوقعات إلى حد بعيد، قد يجد الإنسان نفسه يحقق ما كان يعد نجاحاً كبيراً قبل سنوات، ومع ذلك يشعر أنه لم يصل بعد.
جديد الموقع
- 2026-06-13 افراح الناصر والنفيلي بالهفوف
- 2026-06-13 السعودية تستعرض تمورها في كأس العالم ضمن مشاركتها كضيف شرف في "معرض فانسي فود" بنيويورك
- 2026-06-13 ابن الاحساء الدكتور منصور الجبران يكرم الفائز بالسيارة من مراكز التمكين الشامل لخدمات ذوي الإعاقة بالقنفذة
- 2026-06-13 جمعية متلازمة داون بالاحساء تكرم أحد بطالها من خريجي الثانوية العامة
- 2026-06-13 التفاهة من النظام إلى الثقافة
- 2026-06-13 مفهوم القراءة المهنية (قارئ المخطوطات)
- 2026-06-13 *أفراح الرقه و البلادي بالاحساء*
- 2026-06-12 *جمعية الرميلة الخيرية بالأحساء تحتفي بالداعمين وشركاء النجاح *
- 2026-06-12 *خيمة المتنبِّي تدشِّن ديوانَي الحجاب والنجيدي بالأحساء*
- 2026-06-12 رسائل لم ترسل