2025/11/20 | 0 | 994
الإنسان بين الضمير والضمور ( قراءة في قصيدة - للحرب موسمها المماطل - للشاعر جاسم الصحيح )
تعد هذه القصيدة نموذجاً مكثّفاً لثنائية الضمير/الضمور في شعر جاسم الصحيح؛ فهي تكشف عن محاكمة أخلاقية للإنسان والعالم عبر استدعاء يقظة مواربة .
ويظهر الضمير الإنساني فيها في ثلاث حالات:
- ضمير يُمحى تحت ضغط الحرب.
- ضمير يتعب لكنه لا يموت.
- ضمير يقاوم عبر الشعر فهو آخرُ خيطٍ من إنسانيةٍ تحاول ألّا تسقط من يد العالم.
تسعى هذه الدراسة إلى أن تصوّر الضمير في النص كشعلة متقدة في القلب، تتأرجح بين الخمود واليقظة، بين صمت الألم وصوت الإشراق، بحيث يصبح الشعر وسيلة للرجوع إلى الفطنة الروحية .
أولاً: ضُمور الضمير في مشهد الحرب/
* انطفاء الضمير :
يقول الشاعر:
( الحربُ حين تجيءُ
تمحو الفرقَ ما بين السنابلِ والقنابلْ )
هنا يعبّر الصحيح عن أخطر مراحل ضُمور الضمير:
حين تتساوى السنابل (رمز الحياة) بـ القنابل (رمز الموت).
هذا محوٌ جذريّ للتمييز الأخلاقي، وصورة واضحة لفقدان البوصلة الإنسانية.
كما يقول:
(تختطفُ البنفسجَ من حقول الورد
تختطفُ الوضوءَ من الجداولْ)
الصورتان تكشفان ضمور الروح .
الحرب حينما تهبُّ لا تقتل الأجساد فحسب، وإنما تنتزع الجمال (البنفسج) والطهارة (الوضوء) من قلب العالم،
وكلاهما من صميم وظائف الضمير الذي يحتاج إلى نورٍ ليعود إلى إشراقه.
* انكسار القيم الجماعية :
في مقاطعَ متعددة، يرصد الشاعر عالمًا فقد إنسانيته، حيث يصبح الفرح عبئًا على الأرض والسماء:
( عُذرًا لأعراسِ الحياةِ
فما سوى البارودِ يرقصُ
والصليلُ يدقُّ أوتارَ المقاصلْ )
فالاحتفال بالحياة يتحوّل إلى رقصٍ للبارود، والصليل ، صوت السيوف ، يضرب أوتار الفرح كما لو كانت أوتار الكون نفسها تتألم.
هذه الصورة تكشف عن ضمور الضمير الاجتماعي في مواجهة الخراب.
ويستكمل الشاعر رسم هذا الانكسار الأخلاقي في مشهد آخر:
( عُذرًا لأقدامِ النساءِ
فحيثُ يزدادُ الرصاصُ
تقلُّ أعدادُ الخلاخلْ )
فالخلاخل، رمز زينة المرأة وفرحها، تتلاشى حيث يزداد صوت الرصاص، في مشهد يوحي بمحو الأمن والطمأنينة، وهما ثمرة الضمير التي تتآكل في عالم الحرب.
* فقد المعنى :
يقول:
( وقتٌ بلا وقتٍ يمرُّ
فليسَ في الأيامِ طائلْ )
معنى الزمن ينعدم.
غياب الغاية مؤشرٌ على ضُمور الضمير الداخلي للإنسان .
حين ينهار الإحساس بقيمة الوقت، تتداعى قيمة الإنسان ذاته .
❁ ❁ ❁
ثانياً: يقظة الضمير في قلب الحرب
رغم سواد المشهد، تنبض القصيدة ببقايا ضمير يقاوم الانطفاء.
* ضمير الرحمة :
يقول الصحيح:
( للدمعِ يمتصُّ الفجيعةَ
من شرايينِ الأراملْ
للآهِ مُتَّكَأً تنامُ عليهِ أنَّاتُ الثواكلْ )
هنا يقترح الشاعر ضميراً جديداً: ضمير يُواسي ويوثّق الألم، ويقف مع الضعفاء، ويعيد ترميم ما بقي من إنسانية العالم.
* ضمير العمل الصامت:
أبرز صورة للضمير اليقظ قوله:
«وتَحِيَّةً للعاملِينَ بلا مُقابِلْ
…
لضمادةِ الجرحى
تُطَبِّبُهُمْ وتذهبُ للمزابلْ»
إنها ذروة الضمير الفاعل: عملٌ أخلاقيّ مجاني، بلا مقابل، ضمير يقاوم شهوة الأضواء ، ضمير ينهض رغم الفوضى .
وكأنه يتناص مع الملكوت ( إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا)
❁ ❁ ❁
ثالثاً: الشعر / آخر شكل للضمير الإنساني :
ينتقل النص من نقد الحرب إلى تأسيس رؤية: الشعر نفسه يصبح ضميراً.
وهنا يعيد جاسم الصحيح تعريف الشعر برؤى متجددة ويدعو دائماً للانحياز إلى رؤية خاصة في تناول المفاهيم الحياتية فيقول :
( لا بُدَّ من شِعرٍ إذَنْ
إنَّ القصائدَ في ضمير الكونِ
شريانٌ من البشر المناضلْ )
هنا يتحوّل الشعر إلى وظيفة أخلاقية: إنقاذ العالم من ضُمور ضميره.
وهذه الوظيفة الأخلاقية الخلاقة لجوء جمالي يتيح للكلمات أن تدور في رحى المجاز فلا تجنح للنثرية مثلما تُدبّج الخطب الوعظية في السائد ، لكنها تقول : القصيدة كائن حي يتألم ويسأل ويحتج ويثور ويخفت ويتفاءل تبعاً للراهن .
ويبالغ في تصوير هذا الدور بقوله:
( لا بُدَّ من شِعرٍ
يُهيِّئُ للطيورِ هناكَ
أعشاشًا على شَجَرِ التفاؤلْ)
هذا الضمير الذي ينسلّ من فلسفة خاصة بجاسم ، لا يقف عند حدود التنظير ، إنما هو فعل بناء: الشعر يصنع التفاؤل الواقعي ويعيد إعمار الروح.
ومن أقوى الشواهد الدالة على مواجهة الضمير للحرب قوله:
( وألفُ صيّادٍ يصوِّب باتجاه الحُبِّ
حيث الحُبُّ منقوشٌ على جِلْدِ الأيائلْ )
الصيادون = الحرب
الحب = الضمير
الاستهداف = ضُمور الضمير
الثبات = يقظته
❁ ❁ ❁
رابعاً: ضمير الكون والعودة إلى المعنى
يقدّم الشاعر رؤية شاملة:
( إنَّ القصائدَ في ضمير الكونِ
شريانٌ من البشر المناضل )
الضمير هنا لم يعد فردياً، إنما تجاوز الذات ليكون كونيّاً، و ثبت بالدليل القاطع أن القصيدة - عند الصحيح - تعمل على إعادة تشكيل ضمير العالم.
( والأرضُ في (الطوفانِ)… عاشرةً!! )
هنا يستدعي الطوفان ، رمز تطهير الأرض ، للدلالة على أنّ ضمور الضمير العالمي بلغ حدًّا يحتاج معه الكون إلى ( طوفان أخلاقي ) ... فهل ثمةَ نوح ؟!
أيها العالم :
الشعر مرآةٌ دقيقة لوعي الإنسان.
وحين يكتب الشعراء عن ضمير الإنسان فهم في الحقيقة يكتبون عن مصير الإنسان.
فالضمير إذا ازدهر… ازدهرت معه القصيدة.
وإذا ضمر… ضمرت معه الإنسانية جمعاء.
إنّ السؤال المفتوح على أقصى مدى :
ضمير الإنسان أم ضموره؟
سؤال حضاري و أخلاقي و جودي .
والشعر ، عبر قرونه الطويلة ، ظلّ الأقدر على كشف هذا التحوّل، وعلى دقّ الجرس حين يخفت الصوت الداخلي.
سُئلتُ في أمسية أخيرة :
لماذا يكتب الشاعر ؟!
بكلمة واحدة أقول :الضمير هو القافية الأخيرة التي لا يجب أن تسقط من نصّ الحياة.
جديد الموقع
- 2026-10-02 *صاحبة الابتسامة رواية جديدة في المشهد الأحسائي*
- 2026-10-02 قراءة في كتاب الكفاءات الأكاديمية بالمطيرفي
- 2026-10-02 ما الذي تصنعه الشطآن للأنثى؟ (قراءة في شعرية حوراء الهميلي وتشكّل الذات)
- 2026-10-02 افراح الناصر والمحمد سالم بالهفوف
- 2026-10-02 هل الفواكه تفيد مرضى "حمض اليوريك"؟ الإجابة يبلورها الطبيب ضياء حسين
- 2026-10-02 350 متطوعًا.. طاقات وطنية تسند «خليجي 27»
- 2026-10-02 *معرض الصقور والصيد يشهد إقبالًا كثيفًا في يومه الأول.. والزوار يشيدون بتطور الخدمات وتنوع التجارب*
- 2026-10-02 الحربي يعتمد تشكيل ثماني لجان بالاتحاد السعودي للتايكوندو
- 2026-10-02 تحت رعاية سمو أمير المنطقة الشرقية وكيل إمارة المنطقة الشرقية يدشّن فعاليات الملتقى العلمي العالمي الثالث لعلاج الإدمان
- 2026-10-02 *تكليف الأميرة نجود بنت هذلول مشرفاً عاماً على إدارة الباعة الجائلين بوزارة البلديات والإسكان*