2025/06/09 | 0 | 7901
(حداء يُربك الريح: القصيدة بوصفها استجابة لا إجابة في تجربة حوراء الهميلي)
عن امرأةٍ من نجدَ شدّت عصابةً
ومن رأسِها المكشوفِ بانَ ضمادُها
هل القصيدة محاولة لتفسير الأسرار وفك إشارات هذا الكون؟
أم أنها دهشةٌ تُصغي لصداها، ثم تهمس على عتبات الغيب؟
هل تُكتب القصيدة لتُجيب؟ أم لتُبقي السؤال حيًّا، متوهّجًا، لا يُروّض؟
في بحر الأجوبة المتلاطم تتحسس حوراء الهميلي ارتجاف اللحظة بمجسات القصيدة، وتذهب معها إلى أقصى أثرٍ للمعنى، فتكتب من النقطة التي يتلامس فيها الداخل بالخارج، حيث المثير قد يكون ظلًا عابرًا، أو صمتًا يتكلم، أو سؤالًا لم يُنطق بعد…
يقول جاسم الصحيح :
الشعر طفل الروح وابن سؤالها
ما زال سرا في البعيد مؤجلا
الشعر لغز الله حيث جوابه
لا أن يجاب و إنما أن يسألا
في هذا الأفق، يُعدّ عنوان الديوان الأخير لحوراء (تحدو.. فتُربك ريح نجد) عتبةً تأويلية ذات دلالة عميقة، لا يحمل وعدًا بإجابات جاهزة، بقدر ما يكشف عن فعلٍ وجودي مؤثّر يشعل في السكون ارتدادًا وحركة.
فالـ(حداء) هنا ليس فعلًا صوتيًا فحسب، بل اهتزاز داخليّ يُربك الاستقرار، ويكسر انتظام الريح.
وأما (نجد) فليست مجرّد إشارة جغرافية على خارطة الرمل، بل اسمٌ مستعار لليقين، لوضوحٍ يلوّح في الأفق ولا يُطال؛ إنها المعادل الموضوعي للثبات حين تشتدّ الأسئلة، والركن الهادئ الذي يرتبك حين يحدوه نداءٌ من الداخل.
بهذا التكوين، يتبدّى الحداء كـ( مؤثر ) داخليّ ينطلق من الذات الشاعرة بكل وعيها واتجاهها، على شكل موجات تُحدث ارتباكًا في ثبات (ريح نجد) التي تمثل ( الاستجابة) الحاضرة بملء حمولاتها المكانية والوجدانية.
كأن الريح هنا مجذوبة لا سالكة، مأخوذةٌ بما لم تعهده، تُسحب من يقينها لتقف على حافة الذهول.
في هذه الورقة نقرأ تجربة حوراء كإبحار في نهر اللغة، ليتحقق اللقاء بين الجسد والروح، وبين الفناء والخلود، وبين الصمت والبوح، وبين الحداء… وارتباك الريح .
- القصيدة كاستجابة – تصنيف المثيرات
في قلب تجربة حوراء الهميلي، تقف القصيدة بوصفها استجابةً لمثيرٍ ما،
لكنها لا تستجيب بنَبرةِ الوضوح، بل بهمسةِ الأثر.
هكذا تُبنى القصيدة لا باعتبارها جوابًا، بل ردّ فعلٍ شعري يتهجّى المعنى لا ليثبّته، وإنما ليُربكه.
ويمكن تصنيف هذه المثيرات في أربعة أنماط رئيسة :
(١) المثير الخارجي / نداء الواقع
إن قالتِ الصحراء: لا ماءٌ
سيحلبُ من ضروع الأمنيات سرابه
المثير : الصحراء كرمزٍ خارجي للفقد والقحط واليأس ، فهي حين تصرخ ( لا ) تعبر عن طبيعة قاسية وخرساء ، تقطع الرجاء.
الاستجابة : تستجيب الأرض بخيال خلاق يحمل رؤية متحفزة فيحاول حلب السراب من ضروع الأمنيات حتى يتحول النفي الصحرائي الجازم إلى أمل يتشكل من العدم ويتحول القفر العقيم إلى رحم خصب للأمنيات .
وهذه الاستجابة تُعيد تشكيل المفهوم المعروف للصحراء في النسق الثقافي العربي التقليدي إلى فضاء قابل لأن يهبَ العدم وجوداً فتصبح ( الأرض اليباب )
أرضاً للأمنيات وجنةً موعودة .
▪الربط بعتبة الديوان :
الحداء: نداء الأرض المحملة بالرؤية الخلاقة التي تستفز المستحيل
الريح : الرمال المستقرة بالجفاف والتي جاء النداء اليوسفي ليربك استقرارها ويبدل محولها إلى خصب
---
(٢) المثير الداخلي / نداء الحنين
أنتِ نُسخةُ كلِّ أنثى لم تَجئ للآنَ
لا ذنبٌ نُدينُ بهِ الهوى كي يُغتفر
المثير: الحنين الداخلي لأنثى مؤجلة لم تأتِ بعد ، والأنثى هنا صورة مثالية تستطيع أن تهبَ الحب ككمال تضيفه في رصيد هذا الوجود الناقص ومن دونها سيبقى في فراغ عاطفي منذور للوحشة.
الاستجابة: تبرئة الهوى من الذنب ، والتعامل مع الحب كقيمة جوهرية كبرى لا كخطيئة فترفعه إلى مرتبة النقاء بحيث يكون جزءاً من مشروع الذات لاكتمالها الإنساني .
وبهذه الاستجابة الحورائية تنتقل الأنثى من كائن ناقص ، تابع ، مدان ، محكوم بالتقاليد في النسق الاجتماعي الموروث إلى كائن إنساني حر يستطيع أن يهب الكمال للوجود .
▪الربط بعتبة الديوان :
الحداء : التوق العاطفي النابع من الأعماق
الريح : واقع يكبل الأنثى بقيود اجتماعية متعددة فيأتي الحنين الداخلي ليربك هذا الواقع بنسخة مؤجلة لأنثى متحفزة
---
(٣) المثير الكوني / نداء الكائن الكوني
ما الوقت؟ من نحن؟ هل نحن احتمالُ رؤى
كونيّةٍ نُظمتْ في خيطِ مسبحتِه؟
المثير : أسئلة كونية متراكبة تنبع من ذات قلقة تحاول أن تفكك يقينياتها المتوارثة حول الزمان والكينونة ، وتطرح تساؤلاتها المشروعة عن أصلها ومكانها في دائرة الكون المتسعة .
الاستجابة : تأمل يسعى لإرجاع الإنسان إلى موقعه الحقيقي ، فكأنه كائن متحوّل ضمن منظومة أشمل تُعيد تعريفه لا بوعيه الذاتي فحسب ، بل بانخراطه الجمالي والروحي في نسيج هذا الكون المسبِّح بحمد الله - سبحانه - ( وَإِن مِّن شَىْء إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) .
وبهذه الاستجابة تُعيد حوراء صياغة النسق المعرفي الكلاسيكي الذي نصب الإنسان مركزًا للكون، وتقدم رؤية مختلفة ترى فيه خَرزةً في مسبحة كونية لا تُحصى، تنساب في خيط لا يُملك، بل يُصغى إليه. وهكذا، تنزل الذات من مقام السيادة إلى مقام التسبيح، حيث السكينة هي شكل آخر من الإدراك .
▪الربط بعتبة الديوان :
الحداء: تساؤلات كونية ممتدة تحفر في اليقين
الريح: هيمنة الفكرة المتوارثة عن مركزية الإنسان في هذا الكون فتأتي التساؤلات لتربك هذه الفكرة بفكرة مضادة مفادها أن الإنسان جزء متناغم في حركة التسبيح الكونية
---
(٣) المثير الوجودي/ نداء الموت
به موتي، وفي موتي حياةٌ
وفي قبري يطيبُ الاعتزالُ
المثير: القلق العميق المتصل بالحياة والموت والمعنى لكنه هنا لا يُطرَح كهاوية بل كأفق جديد تُحدّق فيه الذات.
الاستجابة: تصالح مع الموت بسكينة تبدد الرهبة وتستقبل الموت بصفته عبورًا من الضجيج إلى الصفاء.
في هذا البيت، تُنزع عن الموت صفة الفقد، ويُلبس ثوب الكشف .
ويغدو القبرُ غاراً لعزلة عرفانية ممتدة حيث تعتزل الذات ضجيج العالم كي تصغي للصمت، وتمارس حياةً أخرى تبدأ من الداخل.
وفي هذه الاستجابة، تحاول حوراء أن تنسجم مع النسق الديني في خطاباته التي تعتبر الموت انتقالًا من نشأة إلى أخرى، غير أنها لا تكتفي بهذا النسق كما هو، بل تُفعّلُه ضمن أفقٍ وجوديّ أرحب، حيث يصبح الموت لحظة عبور من ضجيج الخارج إلى صفاء الداخل، من الزائل إلى الباقي، من الكثرة إلى الوحدة
قال علي عليه السلام : « أيّها الناس إنّا وإيّاكم خلقنا للبقاء لا للفناء ، لكنّكم من دار إلى دار تنقلون ».
▪الربط بعتبة الديوان :
الحداء: تأمل الذات الشاعرة في حقيقة الموت وإفراز التساؤلات الداخلية حولها
الريح : الاطمئنان إلى فكرة أن الموت نهاية ليأتي سؤال الموت المتكرر فيربك هذا الاطمئنان بفكرة مغايرة وهي أن الموت حياة أخرى .
-----
- هكذا تصغي حوراء إلى الأسئلة من حولها وبدل أن تُقدّم إجابات، تُبقي الأسئلة حيّة، مشتعلة، وتفتح في القارئ أفقًا لا ليطمئن، بل ليقلق…
فالقصيدة هنا ليست خطابًا استهلاكيًا، بل حداء يُربك ريحًا ظنّتها خريطةُ العادة مستقرة ...
كل قصيدة في هذا الديوان هي حداءٌ ما:
- حداءٌ يوقظ الرمل من يقينه بالجفاف حتى كأنه مصير أبدي ويخرجه من منطقة راحته بالعطش إلى مساحة منذورة للماء .
- حداءٌ يحرّض الأنثى على الخروج من جلد التنميط إلى وعيٍ جديد
- حداءٌ يسائل الكون عن موروثاته ويحاكمها ويبني رؤى متوهجة .
-حداءٌ يُعيد الموت من ضجيج النهاية إلى هدوء الانعتاق.
------
- نهاية الحداء..بداية الارتباك
( تحدو… فتُربك ريح نجد )
هو طقس عبور، من المعهود إلى الممكن، من القيود إلى الرؤية، من اليقين إلى السؤال ، من الاستكانة إلى السكينة ..
إنه استراق السمع للريح وهي ترتبك، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها للمرة الأولى تُسأل عن معنى هبوبها ..
من أربكَ الريحَ؟ والمجهولُ لعبتُها؟
تلفّتٌ.. وانتباهٌ كان يقلقُها…
جديد الموقع
- 2026-10-02 *صاحبة الابتسامة رواية جديدة في المشهد الأحسائي*
- 2026-10-02 قراءة في كتاب الكفاءات الأكاديمية بالمطيرفي
- 2026-10-02 ما الذي تصنعه الشطآن للأنثى؟ (قراءة في شعرية حوراء الهميلي وتشكّل الذات)
- 2026-10-02 افراح الناصر والمحمد سالم بالهفوف
- 2026-10-02 هل الفواكه تفيد مرضى "حمض اليوريك"؟ الإجابة يبلورها الطبيب ضياء حسين
- 2026-10-02 350 متطوعًا.. طاقات وطنية تسند «خليجي 27»
- 2026-10-02 *معرض الصقور والصيد يشهد إقبالًا كثيفًا في يومه الأول.. والزوار يشيدون بتطور الخدمات وتنوع التجارب*
- 2026-10-02 الحربي يعتمد تشكيل ثماني لجان بالاتحاد السعودي للتايكوندو
- 2026-10-02 تحت رعاية سمو أمير المنطقة الشرقية وكيل إمارة المنطقة الشرقية يدشّن فعاليات الملتقى العلمي العالمي الثالث لعلاج الإدمان
- 2026-10-02 *تكليف الأميرة نجود بنت هذلول مشرفاً عاماً على إدارة الباعة الجائلين بوزارة البلديات والإسكان*