2025/06/01 | 0 | 1096
( أغنيةٌ و مأتم : تشكلات المفارقة في شعر جاسم عساكر )
المفارقة لجوء جمالي يُقال فيه الشيء على نحو يوقظ مستويات متعدّدة من التأويل، ويفتح المعنى على احتمالات لا تنتهي.
إنها لا تستقرّ إلا في النصّ المفتوح، ذلك الذي تتكاثر دلالاته، وتتفلّت نواتجه من قبضة اليقين.
في تجربة الشاعر جاسم عساكر تنبع المفارقة من عمق روحيّ مشبّع بالتأمل، ومن عقلٍ مشغولٍ بأسئلة الوجود وتناقضاته الحادّة.
فهو شاعر يُرمّم بالحنان شروخ القسوة، ويلوح بالحنين في محطات الوداع ،ويسعى دائماً لأن يفتح الآفاق على الحب ويمارس الكتابة كفعل مقاومة للمسلّمات، وكشفٍ للوجوه الأخرى في كلّ شيء.
جاسم عساكر لا يعادي الألم، بل يُصادقه ليَفهمه ثم يواجه العالم بقصيدةٍ تمدّ لنا يدًا من ضوء في العتمات .
هكذا يتشكّل عالمه الشعري بين نغمتين متقابلتين:
أغنيةٌ ومأتم،ليقول إن الحياة - حين تُرى بصدق - لا تكون إلّا مزيجًا معقّدًا من النقيضين.
ومن هنا تتكشف مرايا المعنى في كتابته عبر مقاماتٍ تتداخل فيما بينها كأقمارٍ تدور في فلك التأويل .
١- المقام المعرفي :
( المفارقة ضدّ البديهة )
في هذا المقام المفارقة أداة لهدم المسلمات وبناء وعيٍ جديد حيث لا يلتقط المعنى إلا ببصيرة تمشي على جمر التجربة .
فالمعرفة هنا إعادة تعريف للأشياء البديهية عندما تُقطف من شجرة الحدس ولا تخضع لقوانين المنطق الظاهري التي تُصاغ في مختبر الحواس .
تخبّىءُ السمّ في جلدي، عقاربُهُ
لكنّها لصميمِ العزمِ، لم تَصِلِ
في هذا البيت يكشف الشاعر عن قدرة على التمييز بين ما يهدد الجسد و ما يعجز عن اختراق الروح ، فالسم المميت قريب لكن العزم الحي أقرب ، وإذا كان الخطر ماثلاً للعيان فالنجاة وردة تتفتح من الداخل .
٢- المقام العرفاني :
( المفارقة ككشف وجودي )
في هذا المقام تتحول المفارقة إلى اختبار داخلي لحضور الأشياء حتى يصبح التناقض طريقاً للتجلّي .
يخاطب جاسم عساكر الشعر فيقول له :
تشدُّ المصلي نحو آفاق حانة
وتضفي على السكيرِ أجواء مسجدِ
المفارقة هنا التباس عرفاني يعيد التفكير في جدلية الطهر والسكر من ناحية شعرية بحتة لا تميل إلى الحالة الوعظية .
فالقصيدة - عند جاسم عساكر - عليها أن تزعزع سلطة الخطاب الثنائي ( المقدس/ المدنّس) لتفتح المجال للذات كي تعيشَ لحظة انكشاف وانخطاف هي جوهر الشعر ولب التجربة الشعرية .
تقول الحكمة العطائية ( رُبَّ معصية أورثتْ ذلاً وافتقارا ، خيرٌ من طاعة أورثت عزاً واستكبارا ) ، فالشعر كما يقدمه هذا البيت العساكري قوة تحوّل روحي تُظهر أن في المصلي توقاً داخلياً لنشوة العروج بخمرة العشق الإلهي ( عدم استقرار ) ، وأن في السكّير حالة من اليقظة تتجسد على شكل نور لم ينطفئ ( ثبات ) .
٣- المقام الجمالي :
( المفارقة كتوتر يصنع الإشراق )
هذا المقام يتعامل مع المفارقة كحركة فنية حين يشير إلى أن الجمال لا يكمن في الاتساق بل في انعكاسات التوتر الخلاق .
تزهو تعابيرُ وجهي كلّما احتشدتْ
ضدّي، جحافلُ خيباتي بلا كللِ
تُجمّل الخيبة ملامح الشاعر ، كما يجمّل النحيب صوت الناي يقول عريان السيد خلف :
أون من لوعتي
وگالوا يغني
لذلك فإن المفارقة الجمالية في بيت عساكر تتمثل في أن تعابير الوجه ( الخارج ) توحي بالزهو والسرور في ذات الوقت الذي تكون فيه الحقيقة النفسية ( الداخل ) مليئة بالانكسار فكأنه انتصار على الألم بمظهر مخالف .
وهذا تناص مع السيرة الحسينية التي تقول بأنه كلما اشتد عليه البلاء تهلل وجهه وزاد نوره فمصائب كربلاء مرايا لا تحجب ملامحه بل تكشفها .
٤- المقام الجلالي :
( المفارقة كخشوع لهيبة وبهاء المطلق )
في هذا المقام تكون المفارقة انكشاف للرهبة والمهابة في ضوء التجربة الوجودية الكبرى .
( لا تقنطوا ) لم تزل مصباحَ باصرتي
إذا مشيتُ، تُداريني منَ الزللِ
( لا تقنطوا ) هذه الآية تتلى كتعويذة للحماية في مفرق التيه ، فهي نور يحرس الخُطا ويجعلها تسير برجاء الخائفين .
وهنا تتجلى المفارقة الجلالية بين يقين برحمة الله - تعالى - وارتجاف خاشع ينبع من أنفسٍ حفّت بها الهيبة .
وعندما يقول جاسم عساكر :
نناجي الله أحراراً ونأبى
بأن نحيا مناجاةَ العبيدِ
يعلن بأن العبادة هي سدرة منتهى الحرية والحياة هي مناجاة أحرار
يقول الإمام علي ( ع ) :
( إنّ قومًا عبدوا الله رغبةً فتلك عبادة التّجار، وإنّ قومًا عبدوا الله رهبةً فتلك عبادة العبيد، وإنّ قومًا عبدوا الله شكرًا فتلك عبادة الأحرار )
شعر جاسم عساكر إذاً ليس موحدَ الطبقة، بل فسيفساء مقاماتٍ متداخلةٍ، لا تُفكك إلا لتُعاد قراءتها كل مرة بنور مقام جديد
( كلما طهر القلب رق،
فإذا رق راق،
وإذا راق ذاق،
وإذا ذاق فاق .. )
وبعد كل هذا فالمفارقة في تداخل هذه المقامات تكشف عن تعدّد طبقات الحقيقة في الكون ، وقد استجاب الشاعر أمجد المحسن لهذه الرؤية/الرؤيا بقوله :
لا تُلزموني طريقة
لكلِ شيخٍ طريقه
الكونُ يا أهلَ كوني
حقائقٌ لا حقيقة !
جديد الموقع
- 2026-10-03 صنعة التوثيق التاريخي عند الشيخ موسى الهادي بوخمسين([1])
- 2026-10-03 د. " عواجي " يدشن "عيادة عين لطب العيون المتنقلة" بدعم من أوقاف نورة الملاحي (تنفذها جمعية عين لطب العيون )
- 2026-10-03 المملكة الأولى عالميًا في قيمة صادرات التمور بنحو ملياري ريال للعام الرابع على التوالي
- 2026-10-03 *أسبوع الفضاء العالمي 2026: ثورة الصواريخ*
- 2026-10-02 *صاحبة الابتسامة رواية جديدة في المشهد الأحسائي*
- 2026-10-02 قراءة في كتاب الكفاءات الأكاديمية بالمطيرفي
- 2026-10-02 ما الذي تصنعه الشطآن للأنثى؟ (قراءة في شعرية حوراء الهميلي وتشكّل الذات)
- 2026-10-02 افراح الناصر والمحمد سالم بالهفوف
- 2026-10-02 هل الفواكه تفيد مرضى "حمض اليوريك"؟ الإجابة يبلورها الطبيب ضياء حسين
- 2026-10-02 350 متطوعًا.. طاقات وطنية تسند «خليجي 27»