2026/05/29 | 0 | 49
ومضات رائية ( 14 )
تصدير: هي سلسلة من ومضات لا تتقيد بتجنيس الومضة ومحدداتها المتداولة في التنظير النقدي، بل تنطلق من إمكاناتها اللغوية، لتشمل محمولات الحرف في تنوعاتها المختلفة.
- دائماً أراك تتعرض بالسلب لـ (برومثيوس وسيزيف وإيكاريوس )و أمثالها من الأساطير الإغريقية والأساطير الأخرى التي لا تنتمي إلى محيطنا الإنساني الحي، فلمَ هذا التشنج إزاء جانب من الموروث الإنساني؟
- المسألة ليست تشنجاً ولا موقفاً سلبياً ضد قراءة أي موروث إنساني، فالقراءة لا مانع منها، وإنما المانع من خصوص تناولها من قِبَل طبقة من الشعراء والأدباء المحدثين.
- وما الشكلة في التناول، وما وجه اعتراضك عليه؟
- المشكلة في الوعي القاصر لدى بعض الشعراء آنذاك، فهم لم يفرقوا بين تقنية التوظيف وبين الشخصيات الموظفة، وكانوا متعطشين إلى أن يكون منتجهم الشعري متماهياً مع نبض الشعر العالمي الذي شاع فيه توظيف الأساطير المذكورة، وكان حلم العالمية يراود هؤلاء الشعراء المتطلعين إليها، وفاتهم أن النص يكتسب قوته ووهجه في لغته ومعانيه وأدواته، ومنها إتقان تقنية التوظيف نفسها، لا في اجترار الشخصيات الأسطورية الموظفة في النصوص الناجحة التي شقت طريقها إلى العالمية.
- وما النتيجة التي حصل عليها هؤلاء الشعراء المقلدون كما ترى؟
- النتيجة أن منتجهم الشعري لم يفشل في شق طريقه إلى العالمية فحسب، بل فشل محليّاً أيضاً.
- كيف؟
- أما من جهة فشله في بلوغ العالمية فواضح بشهادة التاريخ الأدبي للمرحلة تلك ، وسببه يعود إلى أن القارئ في الغرب حين يقرأ نصاً شعرياً أو ديواناً كاملاً غصت نصوصه بالشخصيات الأسطورية التي اعتاد على الاطلاع عليها من خلال نصوص شعراء بلده الذين أشبعوها توظيفاً ؛ لأنهم كانوا واقعين تحت تأثير مقولة مفادها أن الإنسان مات عندهم وأصبح بلا وهج واللجوء إلى الأساطير هو من باب التعويض ومن باب العودة إلى السذاجة والبراءة الناصعة التي فقدوها في إنسانهم كما يتصورون- فإنه – والحال هذه – سيرى أن الديوان العربي الذي أعاد توظيف شخصيات أسطورية كان قد أُشبع توظيفُها في منتج شعراء بلده ، سيراه كأنه يقول له ( هذه بضاعتكم ردت إليكم) ولا يرى في نصوص الديوان جديداً يشده ويضيف ثقافة إلى ثقافته فيعزف عنه وإن ترجم وطبع طبعة أنيقة ووزع على بني جلدته بالمجان ..
- كأنك تلمح إلى أن شعراءنا المقلدين في توظيف الشخصيات الأسطورية بعينها لم يستفيدوا من المقولة التي تقول (إن المحلية هي بوابة الدخول إلى العالمية).
- بكل تأكيد، فالآخر يريد أن يرى شيئاً مختلفاً على صعيد لعبة التوظيف وعلى صعيد الشخصيات الموظفة.
- لكننا نرى الكثير من هذه الأساطير في المجموعة الشعرية الكاملة للسياب، وهو من وصل إلى العالمية بجدارة وبعصامية قل نظيرها..!
- مما لا شك أن الشخصية الشعرية الحديثة الأولى التي تفرض وجودها في الدرس الجامعي عالمياً ضمن حلقات الأدب المقارن هي شخصية السياب، وهذا يعود إلى ذكائه في اقتناص لحظة التحول وإلى عدم خجله من التخلص مما ركس فيه.
- هل من توضيح؟
- إن السياب مارس توظيف الأساطير تلك في مدة لا بأس بها حتى إنه اضطر إلى استخدام الترخيم في غير موضع النداء في توظيف شخيصة إيكاريوس إذ يقول:
" إيكـــار يمســـح بالشـــمس
ريشـــات النســـر وينطلــق,
إيكــــار تلقفــــه الأفـــق"
وكان بإمكانه استبدال شخصية إيكاريوس بشخصية عباس بن فرناس ليتخلص من الترخيم في غير موضعه فيقول(عباسٌ يمســـح بالشـــمس ) ، ومعنى الإخفاق الذي يريده السياب يُؤدَّى بشخصية عباس بن فرناس مثلما يُؤدَّى بشخصية إيكاريوس، لكن شاعرنا السياب الذي كان واحداً من شعراء المرحلة المتأثرين بالهبات الجديدة عليهم، وكان ممن وقع فيما وقعوا فيه ..إلا أنه سرعان ما انتبه إلى المأزق الفني على صعيد التوظيف وعلى صعيد الشخصيات الموظفة ،وأجاب عن سؤال حول الموضوع نفسه – كما جاء منقولاً في كتاب السياب النثري – وجَّهه إليه زميله الأديب الموسوعي كاظم الخليفة ، وكان جوابه أنه أعرض عن توظيف الأساطير المذكورة في نصوصه الجديدة .. وتلك هي الشجاعة التي يتمتع بها من يريد أن يكون نسيج وحده، وقد كان السياب كذلك في إدراك اللحظة المناسبة للتحول، فصار شعره واسع التداول محلياً وعالمياً.
وأقول إن نص (أنشودة المطر) وحده يكفيك كشاهد في البرهنة على إدراك لحظة التحول واقتناصها، وعلى منسوب الوعي النقدي والنضج الفني الإجرائي الذي وصل إليه السياب، ولو لم يكن للشاعر إلا عمل واحد يبرهن من خلاله على نضجه الفني قبل مغادرته الحياة لكفاه.. ودونك التاريخ الأدبي الذي خلد أسماء شعراء ممن شاعت تسميتهم بشعراء الواحدة.
- وأما من جهة فشل النصوص المقلدة في توظيف الأساطير الموظفة وإخفاقها محلياً فماذا عنها؟
- في إحدى نثرياته يذهب السياب إلى أن إقدامه على توظيف بعض تلك الأساطير يكمن في إرادة التخلص من أذى متنفذي زمانه.. وهذا تبرير منه يكشف عن وقوع النص الشعري في دهليز الغموض الإحالي، وهو غموض لا يكسب النص عمقاً دلالياً يجعله مفتوحاً على القراءات بقدر ما يبني حاجزاً بينه وبين المتلقي العادي، وقد استفاد هو منه في بلوغ السلامة التي يتطلبها وضعه الخاص.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى نستشف أن السياب - لذوقه الشعري العربي ولحسه المرهف - كان يحب أن يحافظ شعره على التداول المحلي ومن هنا استبعد توظيف تلك الأساطير التي تبني -بسبب غموضها الإحالي- حاجزاً بينه وبين جمهوره المحلي والعربي، وإن كان قد استفاد بعض الوقت من دفع أذى متنفذي زمانه.
كما ينبغي أن نلفت إلى أن الإعراض عن توظيف الأساطير القديمة لم يقتصر على الإغريقية وما في سياقها المكاني، بل شمل حتى الأساطير الشرقية ، وحتى البابلية كتموز وعشتار لكونها تفعل الفعل نفسه في خلق حاجز الغموض الإحالي بين نصه الشعري وبين المتلقي ، بالإضافة إلى أن تطور الوعي النقدي لدى السياب ووصوله إلى قناعة تصب في وعي الخصوصية وفي عدم متابعة النقد الغربي أو متابعة تياراته الشعرية في كل شيء ومنها ترديد مقولة( موت الإنسان ) تبريراً للنزول بقوة إلى توظيف الأساطير ، والعزوف عن توظيف الرموز الإنسانية الحية -كما ضربنا مثلاً على ذلك بعباس بن فرناس – بالإضافة إلى تطور تجربته في إنتاج نصوص تجسد المغزى من عملية التوظيف دون إقحام الشخصيات الأسطورية في النص إقحاماً يبدو كنتوء بارز مشوّه ومعرقل لعملية التلقي وعملية إضفاء صفتي الجماهيرية والنخبوية على نصه دون طغيان واحدة منها على حساب الأخرى؛ تماشياً مع الذوق العربي منذ نوم أبي مُحَسَّد عن شوراد قصائده وسهر نقادها ومنذ جعل الدهر منشداً أبياته ، والدهر زمنياً يشمل الجماهير كما يشمل النخب .
- والمحصلة أننا نستشف أن السياب صار يعي مبكراً الفارق الكبير بين التوظيف كتقنية وبين استصحاب توظيف الشخصيات الموظفة، ويعي أن تقليد استحضارها يقضي على شيوع نصه محلياً وعالمياً..
- نعم، ومن هنا تعرف كيف قضى عناد المتشبثين باستمرارية توظيفاتهم الأسطورية على منجزهم الشعري الذي قل تداوله محلياً ولم يتمتع بأهلية بلوغه مبلغ العالمية.
- وإطلالة حديثنا هذه وإبحارها في تاريخ شعرنا المعاصر كيف نستفيد منها الآن؟
- نستفيد منها في ضرورة الالتفات إلى مكنوزات وطننا الشعرية وإلى استثمارها على صعيد التمثُّل الواعي والتناص الانتقائي الذكي بقصدية استجماع خيوطنا الذهبية بغية صنع سجادتنا المدهشة من حيث المرجعية واستيلادها الإبداعي، وعلى صعيد الوعي والبصيرة بكينونة معالم وموجودات أحقاب وطننا الشعرية منذ حقبة معلقاتنا وموجوداتها الطبيعية والقرائية حتى الأحقاب المتتالية المشعة بألقها والمميزة ..وعلى نصوصنا أن تستقوي وتزداد وهجاً بثقلها التوظيفي والاستنطاقي وأن تكون رؤانا النقدية مستمدة ومستنبطة منها ومستظلة بظلالها حتى تكون لنصوصنا الشعرية الجديدة نكهة خاصة بها يكون لجملنا الشعرية محلها الواسع من الإعراب محلياً وعالمياً أيضاً ؛ فالناس أينما كانوا يحبون النكهات الجديدة ويمجون النكهات المعادة والمستهلكة .
- هل تقصد أنه حتى الرؤى النقدية للآخرين الأغيار لا ينبغي تداولها في كتاباتنا بسياق يشي باعتبار كتَّابها رسل جماليات مطلقين ومرجعيات الهندسة الشعرية النهائيين، وعلينا أن نستلهم رؤانا النقدية من مخزوننا لنكون..؟
- هذا هو بالضبط مع ضرورة عدم اعتبار ذلك كنوع من أنواع الانقطاع عن العالم ورفض التثاقف من الأساس، بل إن تفعيل مبدأ التثاقف الذي يعني الأخذ والنهل المتبادل يقتضي عدم إبقاء مكتنزاتنا مدفونة من خلال الإعراض عنها – ونحن أهل بيئة شعرية غنية وخصبة- كما يقتضي قراءتها قراءة واعية واستجلاء خصوصيتها وفرادتها وتقديمها كمنجز ذوقي مختلف يستفيد منه الآخر، وهذا هو لب المثاقفة.. وكذلك يمكننا أن نصنع نقاداً من مكنوز شخصياتنا ممن لم تُظهرهم الساحة الأدبية في أيامهم كنقاد، وممن أظهروا أنفسهم ولم يُلتفت إليهم عن قصد أو عن غير قصد، فعندنا ما هو مدهش لو أظهرناه، وما هو مذهل لو أبدعناه.
- إلى هذه الدرجة أنت متفائل بإمكاناتنا ..!
- التفاؤل بقدر وعي المكنوز وتثمينه، وأنا متفائل بقدر تثمينه وبقدر النتيجة المرتبطة بالسير، النتيجة التي أستشرفها وأراها بوضوح كما أراك أمامي الآن.
جديد الموقع
- 2026-05-29 رعاية المرضى المقعدين في المنازل: بين عِظم الأجر وفن التعامل الإنساني
- 2026-05-29 سيولة الوعي المعاصر: قراءة في ظاهرة «فلسفة المزاج» العربية
- 2026-05-27 مدير عام فرع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بالمنطقة الشرقية أ. محمد بن سعود السماري يرفع التهنئة للقيادة بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك
- 2026-05-27 سمو محافظ الأحساء يستقبل المهنئين بعيد الأضحى المبارك
- 2026-05-27 سمو أمير المنطقة الشرقية وسمو نائبه يستقبلان المهنئين بعيد الأضحى المبارك
- 2026-05-27 سمو أمير المنطقة الشرقية وسمو نائبه يؤديان صلاة عيد الأضحى مع جموع المصلين بالدمام
- 2026-05-27 سمو محافظ الأحساء يؤدي صلاة عيد الأضحى
- 2026-05-27 كلُّنا خُدّامُ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْن
- 2026-05-26 كَرَامَةُ الْإِنْسَانِ لَيْسَتْ لُعْبَةَ أَطْفَالْ
- 2026-05-26 أفراح الناجم والعبدالعزيز تهانينا