2026/10/02 | 0 | 105
*هل الطبيعة كتاب؟* *المقالة الرابعة: السماء... حين يتسع الكتاب*
*المقالة الرابعة: السماء... حين يتسع الكتاب*
*مقدمة:*
في نهاية المقالة السابقة، وقفنا أمام الجبل؛ ذلك الشيء الهائل الذي يبدو للعين ساكنًا وثابتًا، ثم اكتشفنا أن سكونه يخفي حركة، وأن صورته التي نراها اليوم ليست إلا فصلًا صغيرًا من تاريخ طويل كتبته الأرض عبر أزمنة لا يستطيع الإنسان أن يعيشها كلها.
لكن الجبل، مهما بدا لنا عظيمًا، يبقى جزءًا من الأرض.
فماذا يحدث حين نرفع أعيننا عنه؟
ماذا يحدث حين نترك الصخور والوديان والسهول، وننظر إلى الأعلى، حيث لا نرى حدودًا واضحة، وحيث تتحول الأشياء التي اعتدنا أن نراها كبيرة إلى نقاط صغيرة معلقة في فضاء واسع؟
السماء.
منذ أن رفع الإنسان عينيه إليها، وهي تستوقفه. رأى الشمس والقمر والنجوم، ورأى تعاقب الليل والنهار، وربما لم يكن يعرف شيئًا عن المسافات الهائلة التي تفصل بين الأجرام، ولا عن طبيعتها، ولا عن تاريخها، لكنه كان يدرك بالفطرة أن هذا المشهد أكبر من أن يكون مجرد أضواء متناثرة فوق رأسه.
ثم جاء العلم، ولم تصغر السماء كما قد نتوقع.
بل كبرت.
كلما ازدادت قدرتنا على النظر، اكتشفنا أشياء أبعد. وكلما عرفنا أكثر عن النجوم والمجرات، أدركنا أن ما تراه العين ليس إلا جزءًا صغيرًا جدًا من المشهد.
وهنا يتغير السؤال.
لم نعد نسأل فقط: ماذا يوجد في السماء؟
بل نسأل: ماذا يعني أن يكون هذا كله موجودًا؟ وكيف يمكن لعالم بهذه السعة أن يجري وفق نظام يمكن للعقل أن يكتشف شيئًا منه؟ وماذا يحدث للإنسان حين يكتشف أن العالم الذي ظنه واسعًا ليس إلا جزءًا من اتساع أكبر بكثير؟
ربما هنا تبدأ السماء في قراءة الإنسان، بعد أن كان الإنسان يحاول أن يقرأها.
وإذا كانت الطبيعة كتابًا، فإننا في هذه الصفحة لا نقف أمام سطر صغير أو مشهد محدود.
نحن نقف أمام صفحة تكاد لا نرى أطرافها.
*حين لم تعد السماء فوقنا فقط*
كان الإنسان القديم يرى السماء فوقه.
أما الإنسان الذي تعلّم شيئًا من علم الفلك، فقد بدأ يفهم أن كلمة "فوق" نفسها لا تصف الحقيقة كاملة.
الأرض ليست مركزًا تحيط به السماء كما قد يوحي لنا النظر الأول، وإنما هي جزء من نظام شمسي، والنظام الشمسي نفسه جزء من مجرة، ومجرتنا واحدة من عدد هائل من المجرات التي نعرفها اليوم. وما نراه بالعين المجردة من نجوم ليس إلا جزءًا ضئيلًا من عالم أوسع بكثير.
وهذا الاكتشاف لم يجعل السماء أقل جمالًا، بل جعلها أكثر إثارة للسؤال.
فالنجم الذي نراه نقطة مضيئة في الليل ليس بالضرورة قريبًا كما توحي الصورة. قد يكون بعيدًا مسافات هائلة، والضوء الذي يصل إلى أعيننا قد بدأ رحلته قبل زمن طويل من وصوله إلينا.
وهنا يكتشف الإنسان شيئًا عجيبًا عن النظر نفسه.
نحن لا نرى السماء كما هي في لحظتها الحاضرة كلها، وإنما نستقبل ضوءًا قطع مسافات شاسعة حتى وصل إلينا. ولذلك فإن النظر إلى السماء هو، بطريقة ما، نظر إلى الماضي.
وقد يبدو هذا مجرد تفصيل علمي، لكنه يغيّر علاقتنا بالمشهد.
فالسماء التي تبدو ساكنة فوقنا ليست ساكنة، وما نراه ليس صورة بسيطة للحظة واحدة. هناك أجرام تتحرك، ونجوم تمر بمراحل مختلفة من حياتها، ومجرات تتغير، وضوء يسافر عبر مسافات هائلة حتى يصل إلينا.
مرة أخرى، تعلمنا الطبيعة أن العين ترى شيئًا، لكن الحقيقة أوسع من الصورة التي تصل إليها العين مباشرة.
وهذا هو الدرس الذي بدأ معنا منذ قطرة الماء، ثم ظهر أمام الجبل.
كلما ظننا أننا رأينا الشيء، اكتشفنا أن وراء ما رأيناه عالمًا آخر.
*السماء التي لا تسكت*
قد تبدو السماء في ليلة صافية كأنها لوحة ثابتة، لكن العلم يخبرنا أن هذا السكون الظاهري يخفي حركة هائلة.
الأرض تدور، والقمر يدور حول الأرض، والأرض تدور حول الشمس، والشمس نفسها تتحرك داخل مجرتها، والمجرات ليست أجسامًا معلقة في مكان ثابت لا يتغير.
ن الصورة التي تمنحها لنا العين صورة ساكنة، بينما الكون الذي تصفه الفيزياء عالم من الحركة.
وهنا يصبح الجبل والسماء وجهين لفكرة واحدة.
في الجبل، كان السكون يخفي حركة بطيئة جدًا بالنسبة إلى عمر الإنسان. وفي السماء، يخفي السكون الظاهري حركة على مقاييس هائلة، بحيث يبدو لنا المشهد ثابتًا لأن أعمارنا قصيرة، ولأن حواسنا محدودة.
ولعل هذا أحد أجمل الدروس التي يمكن أن نتعلمها من الطبيعة: أن الإنسان ليس مقياسًا لكل شيء.
نحن نميل إلى أن نجعل الزمن الذي نعيشه معيارًا، والمسافة التي نستطيع قطعها معيارًا، وما تستطيع أعيننا رؤيته معيارًا لما هو موجود. لكن الكون لا يتوقف عند حدود حواسنا.
العلم يعلّمنا أن هناك أشياء لا نراها مباشرة، لكننا نستطيع أن نعرفها من آثارها. قد لا نرى الجرم البعيد إلا من خلال ضوئه، ولا نستطيع أن نراقب حركة كونية تمتد عبر أزمنة هائلة، لكننا نستطيع أن نستدل عليها من آثارها، وأن نبني نماذج تفسرها، وأن نختبر هذه النماذج بما يتوافر لنا من أدلة.
وهكذا تصبح السماء مدرسة للعقل.
إنها تعلمنا أن المعرفة لا تعني أن نمتلك الشيء، بل أن نفهم منه ما تسمح لنا به الأدلة.
وتعلمنا كذلك أن محدودية إدراكنا لا تعني محدودية العالم.
فالإنسان لا يرى كل شيء، لكنه يستطيع أن يتجاوز حدود المشاهدة المباشرة بالعقل والأداة والبرهان.
وهنا تبدأ المعرفة في تغيير صاحبها.
*حين يصبح الاتساع سؤالًا*
لكن العلم، كلما اتسع، لا يتركنا عند حدود الأرقام.
قد يخبرنا عن المسافات، وعن النجوم، وعن المجرات، وعن الضوء، وعن حركة الأجرام، لكنه لا يمنع العقل من أن يطرح سؤالًا آخر.
لماذا يوجد هذا العالم أصلًا؟
كيف يمكن لعالم واسع إلى هذا الحد أن يكون قابلًا للفهم؟ ولماذا يستطيع الإنسان، وهو كائن محدود يعيش عمرًا قصيرًا على كوكب صغير، أن يكتشف شيئًا من قوانين عالم يفوقه في الحجم والزمن؟
هنا ننتقل مرة أخرى من سؤال "كيف؟" إلى أسئلة أوسع تتعلق بالوجود والنظام والسبب.
العلم يستطيع أن يصف لنا شيئًا من كيفية نشوء النجوم وتطورها، وأن يدرس حركة الأجرام وتاريخ الكون المرصود، لكن وصف العمليات لا يعني أن السؤال الفلسفي قد انتهى.
فمعرفة القوانين لا تجعلها قائمة بنفسها، ومعرفة تاريخ شيء لا تعني أن السؤال عن أصل وجوده قد انتهى.
وهنا ينبغي أن ننتبه إلى أمر مهم.
ليس المطلوب أن نقول: "لا نعرف، إذن الله".
فالله سبحانه وتعالى ليس جوابًا مؤقتًا عن منطقة لم يصل إليها العلم بعد.
لو كان الأمر كذلك، لأصبح الإيمان متراجعًا كلما تقدم العلم.
لكن التصور التوحيدي أعمق من ذلك بكثير.
حين نعرف قانونًا طبيعيًا، فإننا لا نكتشف شيئًا ينافس الله، بل نكتشف شيئًا من السنن التي أقام الله بها عالمه. وحين نفهم حركة جرم سماوي، فإننا لا نكتشف استقلال الجرم عن خالقه، وإنما نكتشف جانبًا من النظام الذي يجري فيه هذا المخلوق.
العلم يشرح لنا كيف تعمل الأشياء.
أما التوحيد فيعيد الأشياء كلها إلى حقيقتها: أنها مخلوقة، مفتقرة، وليست مستقلة في وجودها.
وهذا هو الفارق بين أن نقرأ الكتاب، وبين أن نتوهم أن الكتاب قد كتب نفسه.
*السماء تدعو إلى النظر*
ليس غريبًا إذن أن يحضر النظر في السماء بهذا الوضوح في القرآن.
يقول الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾.
الآية لا تطلب من الإنسان مجرد النظر مرة واحدة، بل تدعوه إلى أن يعيد النظر.
انظر، ثم أعد النظر.
وكأن القرآن يريد أن يربي في الإنسان نوعًا من النظر لا يكتفي بالانطباع الأول.
وهذا قريب جدًا من الفكرة التي تقوم عليها هذه السلسلة.
نحن لا نريد أن نمر أمام الطبيعة مرورًا سريعًا. نريد أن ننظر مرة أخرى.
أن نعيد النظر في الماء، ثم الجبل، ثم السماء.
أن ننتقل من المشاهدة إلى السؤال، ومن السؤال إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الاعتبار.
واللافت أن الخطاب القرآني لا يترك النظر معلقًا في السماء، وإنما يعيد الإنسان إلى فعل النظر نفسه: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾.
كأن السماء لا تطلب منا أن نحدق فيها فقط، بل أن نكتشف شيئًا عن طريقة نظرنا.
قد تكون السماء أمام أعيننا، لكن السؤال الحقيقي هو: هل نراها فعلًا؟
*كلما اتسع العالم اتسع الإنسان*
وهنا نصل إلى سؤال مختلف.
ماذا يحدث للإنسان نفسه حين يعرف شيئًا من هذا الاتساع؟
قد يظن الإنسان في البداية أن العلم يجعله أكبر؛ لأنه يكتشف أشياء بعيدة، ويقيس ما كان مجهولًا، ويفهم قوانين لم يكن يعرفها.
لكن المعرفة الصادقة تفعل شيئًا آخر أيضًا.
إنها تجعل الإنسان أكثر تواضعًا.
كلما اتسع العالم في عينيه، أدرك أن ما يعرفه ليس إلا جزءًا مما يمكن أن يُعرف. وكلما ازدادت قدرته على النظر، اكتشف حدود نظره. وكلما استطاع أن يفسر ظاهرة، وجد وراءها أسئلة جديدة.
وهنا تصبح المعرفة حركة في الإنسان نفسه.
فالإنسان ليس كائنًا يقف عند مرتبة واحدة من الإدراك، ثم تنتهي رحلته. إنه يستطيع أن ينتقل من الحس إلى العقل، ومن المعلومة إلى الفهم، ومن الفهم إلى السؤال، ومن السؤال إلى المعرفة، ثم إلى الاعتبار.
وقد تكون هذه إحدى أجمل الخصائص التي وهبها الله للإنسان: أنه يستطيع أن يرتقي بمعرفته.
الطفل يرى السماء.
والعالم يقرأ فيها قوانين وحركات ومسافات.
والمتأمل يرى في كل ذلك سؤالًا عن الوجود.
والمؤمن، حين يجمع بين العلم والتفكر، لا يتوقف عند المخلوق، بل يرى فيه دلالة على خالقه.
المشهد واحد.
لكن القارئ يتغير.
وهنا تظهر قيمة المعرفة الحقيقية: ليست أن تضيف معلومات إلى ذهن الإنسان فقط، بل أن تغير مرتبته في النظر.
كلما عرف أكثر، لم يكن المطلوب أن يتضخم في نفسه، بل أن يزداد وعيًا بموقعه من هذا العالم، وبافتقاره إلى الله.
*عظمة السماء وعظمة الخالق*
حين نقول إن السماء عظيمة، فنحن نصف المخلوق.
لكن الإيمان لا يتوقف عند المخلوق.
فكلما اتسعت الصورة أمام الإنسان، ينبغي أن يتسع معها إدراكه لافتقاره إلى الله.
السماء ليست مستقلة.
والنجوم ليست مستقلة.
والقوانين التي تنتظم بها حركة الأجرام ليست مستقلة.
والزمان والمكان والمادة التي ندرسها ليست آلهة، ولا تقوم بنفسها.
كلها داخلة في عالم الخلق.
ولهذا فإن عظمة السماء لا تنافس عظمة الله، بل تجعل الإنسان أكثر وعيًا بالفارق بين الخالق والمخلوق.
المخلوق مهما اتسع فهو محدود، ومهما بلغ من العظمة فهو مفتقر.
أما الله سبحانه وتعالى، فلا تحيط به حدود المخلوقات.
وقد كان الإمام علي عليه السلام يلفت النظر إلى صنعة الخلق وإحكامه في مواضع كثيرة من نهج البلاغة، لا ليجعل الإنسان يتوقف عند الأشياء، وإنما ليقوده منها إلى معرفة صانعها.
وهذه هي النقطة التي نريد ألا نفقدها ونحن نتحدث عن العلم.
يمكن للإنسان أن يعرف المسافة إلى نجم، وأن يحسب حركة كوكب، وأن يكتشف مجرة بعيدة، وأن يبني تلسكوبًا يرى ما لم تكن العين تراه.
لكن مهما اتسعت معرفته، يبقى هو نفسه مخلوقًا داخل هذا العالم.
يعرف، لكنه لا يحيط.
يكتشف، لكنه لم يصنع ما اكتشفه.
يقرأ القوانين، لكنه لم يكتبها.
وهنا يظهر معنى عميق للعبودية.
ليست العبودية أن نتوقف عن السؤال، وإنما أن نعرف أين ينتهي علمنا، وأن ندرك في الوقت نفسه أن ما نعرفه وما لا نعرفه قائم تحت سلطان الله سبحانه وتعالى.
ما بين النجم والإنسان*
ربما يكون أعجب ما في السماء ليس النجوم وحدها، وإنما الإنسان الذي ينظر إليها.
هذا الكائن الصغير الذي يقف على الأرض، ثم يرفع رأسه، فيستطيع بعقله أن يسأل عن أشياء تفوق حجمه بمليارات المرات.
إنه لا يملك أن يحمل نجمًا، لكنه يستطيع أن يدرس ضوءه.
ولا يستطيع أن يسافر إلى معظم الأجرام التي يعرفها، لكنه يستطيع أن يستدل عليها من آثارها.
لا يستطيع أن يعيش عمر الكون، لكنه يستطيع أن يبني نماذج عن تاريخه.
وهنا نعود إلى الإنسان، لكننا لم نصل إليه بعد بوصفه موضوعًا مستقلًا.
لقد رأيناه أولًا قارئًا لقطرة الماء، ثم قارئًا لطبقات الجبل، وها هو الآن يقف أمام السماء ويكتشف أن العقل الذي يحمل هذا السؤال جزء من هذا العالم نفسه.
وهذا يفتح أمامنا معنى أعمق.
فالإنسان لا يرتقي فقط لأنه عرف أشياء أكثر، وإنما لأنه يستطيع أن ينتقل في طريقة نظره.
قد يبدأ بالنظر إلى النجم بوصفه ضوءًا جميلًا، ثم يعرف أنه جرم بعيد، ثم يفهم شيئًا من قوانينه وحركته، ثم يسأل عن النظام الذي ينتظم فيه، ثم يسأل عن معنى وجوده هو داخل هذا العالم.
كل إجابة لا تنهي الرحلة، بل قد تنقل الإنسان إلى مرتبة جديدة من السؤال.
وهكذا يصبح العلم طريقًا إلى التواضع، والتفكر طريقًا إلى الاعتبار، والاعتبار بابًا إلى الإيمان.
ليس لأن العلم يثبت كل شيء وحده، وإنما لأن الإنسان حين يعرف حدود نفسه وحقيقة العالم من حوله يصبح أكثر استعدادًا لأن يرى المخلوق بوصفه مخلوقًا، لا بوصفه شيئًا قائمًا بنفسه.
*إذا اتسعت السماء، ماذا عن الإنسان؟*
في البداية، كانت السماء بالنسبة إلينا سقفًا.
ثم أصبحت، بعد العلم، فضاءً واسعًا من الأجرام والحركة والضوء والمسافات.
لكنها بعد التأمل تصبح أكثر من ذلك.
تصبح مرآة يرى الإنسان فيها حجمه الحقيقي.
ليس بمعنى أن الإنسان بلا قيمة، بل بالعكس.
فمعرفة صغر حجمه المادي لا تعني صغر منزلته من حيث العقل والتكليف والمسؤولية.
الإنسان صغير أمام اتساع الكون، لكنه يحمل عقلًا يستطيع أن يسأل عن هذا الكون، ويحمل إرادة يستطيع بها أن يختار كيف يعيش داخله.
وهنا تلتقي السماء بالإنسان من جديد.
لقد بدأنا بالنظر إلى الخارج، وانتهينا بالسؤال عن الداخل.
بدأنا بالنجوم، وانتهينا بالقارئ الذي ينظر إليها.
وهذا هو ما يجعل الطبيعة كتابًا مختلفًا عن أي كتاب آخر.
فكلما قرأنا صفحة منه، أعادتنا بطريقة ما إلى أنفسنا.
الماء علّمنا أن الأشياء الصغيرة قد تخفي عالمًا واسعًا.
والجبل علّمنا أن السكون قد يخفي حركة.
والسماء تعلّمنا أن الاتساع الذي نراه ليس نهاية الاتساع، وأن الإنسان مهما اتسعت معرفته يبقى قادرًا على الترقي، لكنه يبقى في الوقت نفسه مخلوقًا محتاجًا إلى خالقه.
ولعل هذا هو معنى جميل يمكن أن نحمله معنا من هذه الرحلة: كلما اتسع العالم في عيني الإنسان، ينبغي أن يتسع هو في داخله.
ليس المطلوب أن ينتهي الإنسان من المعرفة، بل أن يصبح بالمعرفة إنسانًا آخر.
أن ينتقل من النظر إلى التفكر، ومن التفكر إلى الفهم، ومن الفهم إلى الاعتبار، ومن الاعتبار إلى معرفة الله.
وهنا لا تعود السماء مجرد مساحة فوقنا.
تصبح طريقًا.
*صفحة تُغلق... والإنسان يقترب*
حين رفعنا أعيننا من الجبل إلى السماء، ظننا أننا ابتعدنا عن الإنسان.
لكننا اكتشفنا العكس.
فالسماء أعادتنا إليه.
ذلك الإنسان الذي لا يملك إلا عمرًا محدودًا، يقف أمام كون واسع، ثم يحاول أن يفهمه بعقله. وكلما عرف شيئًا منه، لم يجد نفسه سيدًا عليه، وإنما وجد نفسه قارئًا فيه.
وربما كان هذا هو المعنى الذي يجب أن يبقى معنا ونحن نطوي هذه الصفحة.
لا ينبغي أن تجعلنا معرفة اتساع الكون ننسى الله، كما لا ينبغي أن تجعلنا معرفة قوانينه نظن أن القوانين قد استغنت عن خالقها.
بل يمكن أن يحدث العكس تمامًا.
كلما اتسع الكتاب أمامنا، اتسعت مسؤولية القراءة.
وكلما عرفنا شيئًا من إحكام الخلق، ازددنا وعيًا بأننا أمام عالم لم نصنعه.
وكلما اتسعت قدرتنا على النظر، اكتشفنا أن قدرتنا نفسها محدودة.
وفي هذا التواضع شيء من العبادة.
لقد بدأنا هذه السلسلة بسؤال: هل الطبيعة كتاب؟
ومع كل صفحة، بدأنا نكتشف أن السؤال ليس عن الطبيعة وحدها.
إنه عن القارئ أيضًا.
من هو الإنسان الذي يقرأ؟
وماذا يفعل بالمعرفة التي يصل إليها؟
وإلى أي مرتبة يمكن أن تقوده هذه المعرفة؟
لقد بدأت الرحلة بالماء، ثم مرت بالجبل، ثم اتسعت حتى بلغت السماء.
وفي كل مرة كنا نظن أننا نقرأ شيئًا خارجنا، فإذا بالطبيعة تعيدنا إلى أنفسنا، ثم ترفعنا من أنفسنا إلى السؤال عن الله.
والآن، بعد أن رفعنا أعيننا إلى أبعد ما تستطيع أن تصل إليه، ربما آن لنا أن نعيد النظر إلى ما هو أقرب.
فليس كل ما يكشف عظمة الخلق بعيدًا في السماء.
هناك مخلوقات تعيش معنا على الأرض، نراها كل يوم، وننتفع بها في طعامنا ولباسنا وركوبنا، وربما مررنا بجوارها مرات لا تحصى دون أن نسأل: كيف اجتمع في هذا المخلوق كل هذا النفع، وكل هذه الخصائص، وكل هذه العلاقة بالإنسان؟
سننظر إلى الأنعام والطيور، إلى الصوف والوبر والريش، إلى الطعام واللباس والركوب، وإلى الإنسان الذي يعيش بين هذه المخلوقات وينتفع بها.
وهناك ربما سنكتشف شيئًا آخر من كتاب الطبيعة:
أن عظمة الخلق ليست دائمًا في الشيء الأبعد الذي نعجز عن بلوغه، بل قد تكون في المخلوق الذي يسير إلى جوارنا، ويطعمنا، ويكسونا، ويحملنا، ثم يدعونا إلى أن نتأمل الحكمة التي جعلت بينه وبين الإنسان هذه الصلة.
فبعد أن قرأنا السماء، لن يكون علينا أن نرفع أعيننا هذه المرة.
يكفي أن ننظر حولنا.
فقد تكون الصفحة التالية من الكتاب أقرب إلينا مما نظن.
جديد الموقع
- 2026-10-02 *صاحبة الابتسامة رواية جديدة في المشهد الأحسائي*
- 2026-10-02 قراءة في كتاب الكفاءات الأكاديمية بالمطيرفي
- 2026-10-02 ما الذي تصنعه الشطآن للأنثى؟ (قراءة في شعرية حوراء الهميلي وتشكّل الذات)
- 2026-10-02 افراح الناصر والمحمد سالم بالهفوف
- 2026-10-02 هل الفواكه تفيد مرضى "حمض اليوريك"؟ الإجابة يبلورها الطبيب ضياء حسين
- 2026-10-02 350 متطوعًا.. طاقات وطنية تسند «خليجي 27»
- 2026-10-02 *معرض الصقور والصيد يشهد إقبالًا كثيفًا في يومه الأول.. والزوار يشيدون بتطور الخدمات وتنوع التجارب*
- 2026-10-02 الحربي يعتمد تشكيل ثماني لجان بالاتحاد السعودي للتايكوندو
- 2026-10-02 تحت رعاية سمو أمير المنطقة الشرقية وكيل إمارة المنطقة الشرقية يدشّن فعاليات الملتقى العلمي العالمي الثالث لعلاج الإدمان
- 2026-10-02 *تكليف الأميرة نجود بنت هذلول مشرفاً عاماً على إدارة الباعة الجائلين بوزارة البلديات والإسكان*