2026/10/02 | 0 | 76
ما الذي تصنعه الشطآن للأنثى؟ (قراءة في شعرية حوراء الهميلي وتشكّل الذات)
تحتاج بعض التجارب الشعرية إلى وقت كي تكشف عن طريقتها في النظر. وحين نقرأ حوراء الهميلي في ديوانها «وصحوت.. للأحلام رائحة»، يبدو أن القصيدة عندها تبدأ من شيء قريب جدًا: امرأة، شاطئ، قلب، طفل نائم، قبلة، ذكرى… ثم لا تلبث هذه الأشياء الصغيرة أن تجرّ وراءها أسئلتها الكبيرة.
لهذا يصعب وضع شعر الهميلي في خانة واحدة. فهي تكتب الأنوثة، لكنها تكتب معها الذاكرة واللغة والرغبة والطفولة والمقدس. والجسد حاضر في هذه التجربة، غير أن حضوره يأتي من خلال ما يثيره من أسئلة، وما يتركه من أثر في اللغة.
ربما لهذا جاء عنوان الديوان نفسه مشبعًا بهذه المفارقة: «وصحوت.. للأحلام رائحة». فالصحو هنا لا يقطع صلة الشاعرة بالحلم؛ يبقى للحلم أثر يمكن شمّه. كأن ما يحدث في النوم يعبر معه إلى اليقظة، ويترك على الأشياء رائحة خفية.
شطآن الأنثى
في قصيدة العنوان، تقول الشاعرة:
وأدارت رأسَها نحوي:
انظري ما تصنعُ الشطآنُ للأنثى!
-وهل أسطيعُ صبرا؟!
قلت في سرِّي
ولكنْ لم تجبني!
ما الذي تصنعه الشطآن للأنثى؟
السؤال الذي تضعه الشاعرة في فم الشخصية يبدو بسيطًا، لكنه يفتح مساحة واسعة للتأويل. فالشاطئ عندها لا يبقى مكانًا محايدًا. البحر يغيّر هيئة النظر، وربما يغيّر إحساس المرأة بذاتها. أمام هذا الاتساع يصبح الجسد أكثر وضوحًا، والأنوثة أكثر اتصالًا بالمكان.
لكن الشاعرة لا تمنحنا جوابًا. «لم تجبني!».
وهذه الجملة الصغيرة مهمة في بناء النص؛ لأنها تترك المعنى معلّقًا. السؤال يظل حيًا، ولا يتحول الشعر إلى إجابة جاهزة عن الأنوثة.
ثم تدخل الذاكرة الشعرية إلى المشهد:
غمستْ ساقيْنِ مِن مرمرَ
يا نازكُ تصطادين في الأنهارِ
موجًا فالتًا مِن قبضةِ التيارِ؟
أم أغنيةً مِن أعينِ السيَّابِ أزجتْ مطرا؟!
ربما حنَّت له بنتُ الشناشيلِ وأدنتْ خدَّها
المنتظَرا
لم تجبني!
هنا تصبح القصيدة القديمة جزءًا من المشهد الجديد. نازك والسياب وبنت الشناشيل يدخلون إلى النص من باب الذاكرة، فتبدو الشاعرة وهي تمشي في ماء الشعر العربي الحديث، تبحث عن صورتها بين صور النساء اللواتي سبقنها إلى القصيدة.
واللافت أن هذا التناص يأتي في صيغة سؤال أيضًا. الشاعرة لا تستدعي السياب ونازك لتغلق المعنى، وإنما لتزيده اتساعًا. كل اسم يفتح نافذة، وكل نافذة تقود إلى سؤال آخر.
كأنها تقول: كيف يمكن للمرأة أن تدخل القصيدة بعد كل هذا الإرث الشعري الذي تكلم عنها، ورسم صورتها، ومنحها أسماءه واستعاراته؟
من هنا يصبح «ما الذي تصنعه الشطآن للأنثى؟» سؤالًا صالحًا لقراءة التجربة كلها؛ فالشاطئ حدّ بين اليابسة والماء، كما أن القصيدة عند الهميلي تقف كثيرًا عند الحدود: بين المرأة وصورتها، بين الجسد واللغة، بين الرغبة والخوف، بين الحلم واليقظة.
حين يصير القلب مادة للكتابة
في قصيدة «جمرة مستلقية تحت ضلوعي»، تتغير زاوية النظر. الشاعرة تترك الشاطئ وتتجه إلى الداخل:
أرهفُ من خيطِ الإبرةِ هذا القلبُ
أحدُّ من الشفرةِ في كفِّ الحلاقِ بصالونِ الحيِّ
أرقُّ من المنديلِ المهجورِ على طاولةِ المطعمِ
ثلاث صور تكفي كي نعرف أن القلب عند الهميلي لا يعيش في حالة واحدة. إنه رقيق، وحاد، ومهمل في الوقت نفسه. وهذه المفارقة أجمل من أي تعريف مباشر؛ لأنها تجعل القلب كائنًا يتبدل بحسب ما يمر به.
وتواصل الشاعرة بناء صورها:
قلبي أحسبه مثلَ ستارةِ روحيَ
شفافًا في أولِ إغماضةِ ليلةِ قدرٍ
كتَّانًا مصريًّا في تحنيطِ الذكرى المنسيةِ
شالًا كشميريًّا فوقَ ذراعِ الشمسِ
وحين يحبُّ يكون قماشًا مهترئًا
تتوالى المواد: ستارة، كتان، شال، قماش. وكأن الشاعرة تبحث عن ملمس يليق بما يحدث في الداخل. وحين يصل القلب إلى الحب، يصبح «قماشًا مهترئًا». صورة موفقة لأنها لا تجمل الحب؛ تترك له أثر الاستهلاك والتعب.
الأهم أن هذا القلب يتحول بعد ذلك إلى مادة للقصيدة:
كي أعصرَ من قصبِ الأضلاعِ
وأعجنَ قاموسَ الشعراء المُرَ
وأضربَ عرضَ الحائطِ بالمعنى المجترِّ
هنا تقول الشاعرة شيئًا واضحًا عن موقفها من الكتابة. القصيدة تحتاج إلى أن تُنتزع من التجربة، لا أن تُلتقط من القاموس. ولذلك يأتي فعل «أعصر»، ثم «أعجن»، ثم «أضرب». أفعال جسدية خشنة، تناسب رغبتها في كسر اللغة الجاهزة.
وهذه واحدة من النقاط التي تمنح تجربة الهميلي خصوصيتها؛ فهي لا تتعامل مع اللغة باعتبارها زينة تضاف إلى التجربة، وإنما تجعلها جزءًا من الصراع نفسه.
ثم تظهر الفزاعة:
كذا أطردُ عشاقيَ في ثالثِ عقدٍ مِن عمري الفضفاضِ عليَّ
أصادقُ ريحَ صباي
وأرقصُ وحدي كالفزاعةِ
الفزاعة تحرس الحقل، لكنها في الوقت نفسه صورة لجسد معلّق، وحيد، مكشوف للريح. وحين تستعيرها الشاعرة لنفسها، تتحول الحماية إلى شيء يحمل قدرًا من السخرية والألم.
وتصل الصورة إلى سؤال شديد البساطة:
أليس بكافٍ أنْ يُستر هذا القلبُ؟!
القلب يريد أن يستر نفسه، والقصيدة تفعل العكس تمامًا؛ تكشفه.
الحلم بوصفه احتمالًا
يأخذ الحلم في الديوان شكلًا مختلفًا حين تتجه الشاعرة إلى الأطفال:
تتساقط الأحلام من جفنَيهما فوق الوسادة، مثلما اليرقات أجمعها بصندوق زجاجيّ، وأمعن في التّأمّل كيف للحلم التّشكّل؟ وردةً، نهرًا، وضوءًا نافذًا للرّوح من عينَيهما؟
ما يلفت في هذا المقطع أن الشاعرة لا تنظر إلى الطفل النائم باعتباره صورة للبراءة فحسب؛ إنها تتأمل ما يحدث للحلم قبل أن يصير فكرة. الجفن مغلق، لكن الخيال يعمل خلفه. ومن هنا يأتي السؤال:
من علّم الأطفال أنّ جفونهم بوّابة للحلم، معراج القصائد، نفحة الملكوت؟
الجفن يتحول إلى باب، والنوم إلى عبور، والطفولة إلى لحظة لم تتصلب فيها الأشياء بعد.
ثم تقول:
بأنّ الضّوء حلم مرسل من جفن طفل نائم!
هذه من الصور التي تكشف طريقة الهميلي في بناء المعنى: تبدأ من مشهد حسي صغير، ثم تقفز منه إلى معنى أوسع. طفل نائم يصبح مصدرًا للضوء، والحلم يصبح شيئًا يمكن أن يصل إلى الآخرين.
والمقدس هنا يأتي من الدهشة ذاتها. فالقصيدة لا تبدأ من فكرة دينية لتشرحها؛ تبدأ من طفل، ومن جفن، ومن حلم، ثم تصل إلى الملكوت.
الرغبة حين تخرج من الظل
في موضع آخر، تتقدم الرغبة إلى الواجهة:
كيف أُحنّط طعم القبلة وهي تذوب على شفتي؟ بأصابع خجلى ألمسها فتدبّ الرعشة في رئتي؟
ثم تقول:
الرغبة تسعر في جسدي
قِطٌّ أسفل ثوبي
يخمش وجهي
يؤذيني تحت سرير الرغبة
ويقلّبني حتى الفجر
اللغة هنا أكثر خشونة، وأكثر اقترابًا من الجسد. وهذا الاقتراب مهم؛ لأن الشاعرة تمنح الرغبة صوتها الخاص، وتتركها تظهر كقوة حاضرة في التجربة الأنثوية.
لكن النص لا يقف عند هذا الحد. سرعان ما تنتقل الشاعرة إلى الدعاء:
أحلمُ يا رباه بقلبٍ لا يتمددُ حين أحبُّ
ولا يصبحُ كالفزاعةِ حين يخافُ
ولا يصدأُ حين يُبَلُّ بماءِ الذنبِ
ولا ييأسُ مِن شمسِ بهائكَ
هنا يتغير السؤال. بعد أن تحدثت القصيدة عن الرغبة، تسأل عن شكل القلب الذي يستطيع أن يعيشها دون أن يفقد توازنه.
ويأتي المقطع الأجمل حين تربط الشاعرة الشعر بالبحث عن المقدس:
أقصى مطمحِه أن يستنطقَ وحيَكَ في الأشعارِ
بِرِفَّةِ هُدبِ ملاكٍ ينعسُ
بالتقويسةِ في وجهِ صبيٍّ يحلمُ
بالضوءِ السابحِ في ملكوتكَ
الصبي الذي رأيناه قبل قليل يعود هنا، وكذلك الضوء. لكن الصورة هذه المرة أصبحت جزءًا من دعاء. وكأن القصيدة وجدت طريقها من الطفل إلى المقدس من دون أن تفقد دهشتها الأولى.
ثم يأتي سؤال الخلق:
هل أنتَ الصلصالُ المارقُ من أرضِ الجنةِ؟!
كيف وهبتَ الجمرةَ من لونِ الحمرةِ في شدقيكَ
يجيبُ القلبُ: أنا؟!
إنه سؤال عن الإنسان، وعن أصله، وعن تلك الجمرة التي يحملها في جسده. وبين الصلصال والجنة والجمرة تتحرك القصيدة في منطقة تجمع الأرض بالسماء، والحسي بالسؤال.
وحين تقول في النهاية:
تلك ضلوعيَ ما الحيلةُ؟!
لا تبدو الضلوع مجرد جزء من الجسد. إنها حدود الكائن الذي يحاول أن يحمل أكثر مما يتسع له. في داخلها الرغبة والخوف والذاكرة والحلم، وفي خارجها عالم يريد من الإنسان أن يكون أكثر استقرارًا مما هو عليه.
وهنا يمكن فهم عنوان الديوان من زاوية أخرى: الأحلام لها رائحة لأنها تترك أثرها بعد الصحو، والقصيدة تحفظ هذا الأثر، ثم تعيد توزيعه على الأشياء. أما سؤال «ما الذي تصنعه الشطآن للأنثى؟» فيظل مفتوحًا؛ أين تنتهي المرأة التي نراها في القصيدة، وأين تبدأ المرأة التي صنعتها اللغة؟ وكيف يصبح البحر، والذاكرة، والجسد، والحلم، والمقدس شواطئ مختلفة لذات واحدة تبحث عن صورتها؟
جديد الموقع
- 2026-10-02 *صاحبة الابتسامة رواية جديدة في المشهد الأحسائي*
- 2026-10-02 قراءة في كتاب الكفاءات الأكاديمية بالمطيرفي
- 2026-10-02 افراح الناصر والمحمد سالم بالهفوف
- 2026-10-02 هل الفواكه تفيد مرضى "حمض اليوريك"؟ الإجابة يبلورها الطبيب ضياء حسين
- 2026-10-02 350 متطوعًا.. طاقات وطنية تسند «خليجي 27»
- 2026-10-02 *معرض الصقور والصيد يشهد إقبالًا كثيفًا في يومه الأول.. والزوار يشيدون بتطور الخدمات وتنوع التجارب*
- 2026-10-02 الحربي يعتمد تشكيل ثماني لجان بالاتحاد السعودي للتايكوندو
- 2026-10-02 تحت رعاية سمو أمير المنطقة الشرقية وكيل إمارة المنطقة الشرقية يدشّن فعاليات الملتقى العلمي العالمي الثالث لعلاج الإدمان
- 2026-10-02 *تكليف الأميرة نجود بنت هذلول مشرفاً عاماً على إدارة الباعة الجائلين بوزارة البلديات والإسكان*
- 2026-10-02 *هل الطبيعة كتاب؟* *المقالة الرابعة: السماء... حين يتسع الكتاب*