2016/04/09 | 0 | 1733
صورة الذات وتمثل الآخر في قصص أمينة الحسن
إذن، كيف حضر هذا "الآخر" في مجموعة القاصة أمينة، وهل تناولته بمفهوم النسوية أو ما بعدها؟ ذلك ما نحاول العمل على كشفه في هذه القراءة السريعة، وسنتخذ من الخطاب السردي في قصص المجموعة موضوعنا للمقاربة بناء على المفهوم الحديث للسرد وهو (نقل الحادثة من صورتها الواقعية إلى صورتها اللغوية).
فهذه الصور اللغوية بمجازها وترميزاتها البسيطة في التعبير والعميقة في المعنى عند الحديث عن الذات "الأنثى"، تفسح المجال للقارئ، لأن يرى ذاتاً أصيلة وطبيعية، ففي قصة "زيتُهُ يُضِيء" تستفيض بالحديث عن مشاعر إنسانية عامة تتشارك فيها مع الذكر في الحديث عن الجسد: (في جسدي تغيرت المسارات، ولم يعد كل شيء يجري لمستقره! أشياء انسلت منه، وأشياء ما زالت تحاول أن تتعلق به، أشعر أن الدم جمد في أوردتي! .. مستسلمة تماماً كمن يجلس في وضع اليوغا تاركاً كل ما حوله يسير دون أن ينفعل أو يتفاعل سوى مع ذاته!). لكن عندما تتحدث عن ذاتها لتتميز بها كأنثى لا يسيئها أن تجري خلف الأطفال لتلتقط لعبهم المرمية على الأرض أو تجمع الملابس لتضعهم في الغسالة، ففي خضم كل ذلك: (أفكر اليوم أن أقف وأفتح النافذة وأنظر إلى السماء، تذكرت فجأة أنني لم أرفع رأسي منذ مدة، اعتاد رأسي أن يتطلع ناحية الأسفل؛ فتارة أطل على قدر الطبخ، هل نضج الطعام هل أضفت الملح؟). وبعد حوارية موجزة بين بطلة القصة وزوجها، تكشف القاصة عن تعدد زاوية النظر للأمور واختلاف الأولويات بين الزوجين في تمييز واضح بين ما يريده وما تسعى إلى الاهتمام به، ولا تصدر حكم قيمي على الموقف وتدعه للقارئ والذي أراهن شخصياً على أن الحكم عليه سيتفاوت إذا كان القارئ ذكراً أو أنثى.. لذلك تجعل نهاية القصة مفتوحة بذكاء وحذق: (يبدو أنه كان ينتظر جواباً، لم أقل شيئاً أنهيت مهمتي، وألبسته جواربه، ومضيت هاربة مني، أو منه.. لا أعلم).
"كود بلو.. كود بلو" هو نداء يستخدمه الطاقم الطبي في حالات الإنعاش القلبي الرئوي وترجمته للعربية يعني (الرمز الأزرق)، فهذا الرمز توظفه أمينة الحسن في قصتها "مصافحةٌ أَخيرة"، وتشير به من بعيد إلى اختلاف منظور التعامل مع قضايا "قيمية" تختلف فيها الأنثى مع الذكر في طريقة التعاطي. بطلة القصة ممرضة، وتؤدي عملها الروتيني اليومي بالمرور على المرضى وتفقد أوضاعهم مع تأدية الفروض الطبية كما يمليها الأطباء. يقطع ذلك الروتين نداء طوارىء لحالة مرضية تستلزم توجه المختصين بأسرع ما يمكن للتدخل العاجل من أجل إنقاذ حياة مريض، وتتناوب البطلة مع دكتور القلب على تمسيد قلب المريض بالضغط عليه بجهد محدد وعدد متعارف عليه من الضغطات، وهي من تجعل الدم يتدفق مجددا إلى جسد المريض بعد إنعاش القلب، لكنها تلحظ في المريض المسن أنه يحتاج إلى إنعاش من لون آخر.. عاطفة الرحمة والمواساة والتشجيع على تجاوز الأزمة المرضية، وهذا ما تحاول البطلة القيام به بالضغط على كف المريض برفق وبعاطفة انسانية مجردة، لكن رئيسها "الرجل" يراه تجاوزا لحدود الوظيفة لأنها "أنثى" في مقابل المريض العجوز "الذكر" : (أحسست بأنني أصافح الموت، وهو حتماً أحس أنه يصافح الحياة.. وربما أراد أن يشكرني.. كان يضغط على يدي بشدة، فهل يرجوني ألا أترك يده؟ تمنيت أن أحقق له ما يريد، ولكن نظرة رئيسي.. جعلت يدي تفلت من يده، تركته وحيداً يصارع الموت مرة تلو مرة)، فهل أرادت القاصة تمرير كود بلو اجتماعي؟.
هذا عن تناظر الأنا الأنثوية مع الآخر الذكر، لكن عندما تسترخي الكاتبة وتبتعد عن الانشغال بالثنائيات، فتبرز حينها قيم ما بعد النسوية في بقية أعمالها؛ إنه الوعي بالذات المتفردة عن الرجل وتقديم رؤية إنسانية تميزها كأنثى، كما في قصتها "عَبَثٌ". صالون التجميل حيث تلعب بالقرب منها طفلة: (بقيت أرقب حركاتها ولعبها خلال فترة انتظاري.. فهي تختلق الأفعال والحركات لتملأ فراغا لا تدركه على الأغلب)، فتسقط معنى لعب الطفلة على تجربتها مع الحياة وشعورها، فهي تتعامل معها كطفلة عابثة لا تدرك ما تريد: (أبحث عن أشياء عديدة، وكلما اعتقدت أنني وصلتها، بددها العبث الذي يستوطنني، إنه امتداد الطفولة الذي يلازمني فلا خلاص!). ثم تسهب في الحديث عن مواقفها من الحياة.. إلى أن تستفيق من حوارها الداخلي على نداء أخصائية التجميل لتشعرها أن دورها قد حان: (الصالون يعج بالنساء، وكأنهن يتنافسن في مسابقة ملكات الجمال.. جلست على الكرسي دون أن أحاول الالتفاف.. كنت أفكر أن أغير لون شعري لكنني تراجعت في اللحظة الأخيرة.. تنظيف بشرة فقط). تنظيف البشرة والتدليك الذي أعقبه جعلها تغوص مجددا في ذاتها وتراه فرصة لتنظيف الخارج والغوص في الداخل كما تقول: (أحاول أن أتنفس بعمق وأبحث في الضوضاء عن باب أفتحه، وأبرمجني من جديد كجهاز كمبيوتر استعمرته الفيروسات! أبحث عن السعادة والطمأنينة فيَّ). هنا تبرز مشكلتها الآنية مع من تتبادل معهم المشاعر وعملية قوى الجذب والتنافر كما في قانون نيوتن: (لا أرى تجاوباً مع أفعالي لا أستطيع أن أواصل الفعل مع الأشخاص ذاتهم أدرك مشاعري وأحاسيسي، ولكن كيف أجعلها مدركة لديهم؟). لا يتعمق الصوت السردي في الأسئلة أكثر، ولا البحث عن حلول لا يجدها متاحة له في هذا الوقت، فيأتي المخرج عن طريق الإفاقة بصوت المثير الأول وهو صخب الطفلة: (ميزت صوت الطفلة، وما زالت تعبث هنا وهناك لم تهدأ، ولم أهدأ).
جديد الموقع
- 2026-04-02 متى يكون نوم الزوجين على سريرين منفصلين أفضل؟
- 2026-04-02 ( ( صراع الجهل والعلم) )
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*
- 2026-04-01 برئاسة معالي وزير الشؤون الإسلامية.. المجلس التنفيذي لمؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية بدول العالم الإسلامي ينعقد يوم غد الخميس عبر الاتصال المرئي
- 2026-04-01 إنقاذ مولودة تعاني من استرواح صدري مزدوج عبر فريق النقل الطبي لحديثي الولادة بتبوك
- 2026-04-01 مجلس إدارة جمعية "عطاء" بالدمام يناقش خططه التشغيلية المستقبلية
- 2026-04-01 مفهوم العدو بين ذاكرتين : الخليجية والعربية