2026/03/27 | 0 | 62
ومضات رائية (13)
تصدير: هي سلسلة من ومضات لا تتقيد بتجنيس الومضة ومحدداتها المتداولة في التنظير النقدي، بل تنطلق من إمكاناتها اللغوية، لتشمل محمولات الحرف في تنوعاتها المختلفة.
قال لِمَ قلتَ لا تقلْ غموضاً وقلْ عمقاً.؟
قلتُ إنَّ الغموضَ يكدحُ كدحاً لغرضِ سترِ دلالةِ النص
دلالةِ النصِّ الساذجة وسترِ قيمته الضعيفة فنيّاً،
لكنَّ النصَّ العميقَ لا ستارَ يظهرُ بينَهُ وبينَ مُتلقِّيه
إلا الظهورَ الذي يستميلُ القلوبَ كُلَّ القلوب
يُطربُ الأسماعَ، يُنعشُ العقول
فالظهورُ هو ستارُ النصِّ العميق
يجعلُ المتلقي مستمتعاً بعذوبتِه
تُدهشُهُ العذوبةُ حتى إنَّه لا يظنُّ أنَّ شيئاً وراء الظهور
ثُمَّ يهدأُ فيعيدُ قراءةَ النصِّ ولا يُعيد.
قال كيف يُعيدُ ولا يُعيد.؟!
قلتُ يُعيدُ تَلفُّظَ الكلماتِ ولا يُعيدُ تأمُّلَ ظهورِ دلالتِهِ وحدَها.
قال وضِّحْ أكثر.
قلتُ أليس في الماء لذَّةٌ عامَّةٌ للشاربين؟
قال بلى.
قلتُ الظهورُ المحسوسُ هو اللذةُ الأولى لشربِ الماءِ وهي عامَّةٌ غيرُ خاصَّة
وقلتُ ما بعد اللذةِ يبدأُ التأمُّلُ، يبدأُ التفكُّر
يبدأُ التفكُّرُ في حقيقةِ الماءِ، في تكوينِهِ، في لونهِ الشَّفافِ أو في لا لونه
فالماءُ يُطفئُ لهيبَ العطشِ لدى الجميع
والماءُ يُشعلُ لهيبَ المعرفةِ في بصيرةِ مَنْ يبحثُ عن كينونةِ الأشياء.
قلتُ ...، فقال هكذا هو العمقُ، هكذا هو النصُّ العميق
قال وأمَّا الغموضُ فهو مجرَّدُ ستارٍ شكلي لا وظيفةَ له في النص
لا شيءَ في النصِّ من حيث القيمة يسترُه ولا شيءَ فيه يُظهرُه
فقد يكون النصُّ ضحلاً والغموضُ يسترُ ضحالتَه.
قلتُ أفهمتَ لِمَ قلتُ لا تقلْ غموضاً وقل عمقاً.؟
قال فهمتُ كُلَّ الفهمِ، لكن هناك مَنْ يُطلقُ كلمة الغموضِ ويريدُ بها العمق.
قلتُ أليست الساحةُ الأدبيةُ مشبعةً بنصوصٍ غموضُها قشريٌّ لا عمقَ فيه.؟
قال هناك غموض منتج وغموض قشري عقيم غير منتج
وقال بالوصف يكون الفرز ويكون التمييز.
قلتُ إنَّ كلمة العمق وحدَها تؤدي الغرض بلا وصف، بلا قيدٍ احترازيٍّ، بلا دفْعِ دخْل.
قال فعلاً صدقتَ فنحن غير مضطرين إلى وصف العمق بالمنتج؛ فالعمق منتج دائماً بخلاف الغموض.
قلتُ حتى ورود كلمة الغموض في التراث النقدي ما كان يُراد بها إلا العمق لدى دعاة الغموض ومريديه، حتى إن الشراح والمعلقين كانوا يوضحون المقصود منه بالوصف، فتارة يصفونه بالغموض الإبداعي وتارة يصفونه بالغموض الفني، وكلا التعبيرين بالصفة والموصوف يضارعان كلمة العمق في مؤداهما، لكن كلمة الغموض صارت ملتبسة الدلالة بعد وضعها في سياق التداول النقدي المعاصر، ولذلك علينا أن نحرر مفهوم الكلمة من التباس طارئ بحسب الاستعمال،
وعلينا أن نستبدل الكلمة بلفظ يؤدي المفهوم المراد في تراثنا النقدي.
قال أحسنت ففي أمثالنا التراثية نقول" خير الكلام ما قل ودل"
وقد أعيد تدوير المثل المذكور في أدبيات النقد الحديث،
فصار يُنظَّر إلى مسألة التكثيف وإلى اقتصاد اللغة،
وعليه يمكن إلحاق النص المفتوح على القراءات بدائرة العمق،
ونلحق النص الذي يغطي ضحالته بطرق ملتوية بدائرة الغموض.
قلتُ هذا هو عين الصواب؛ فالمصطلح في العلوم كلها ما هو إلا ابن الوضع وابن الاستعمال،
وقد يتغير ويتبدل من حيث اللفظ والدلالة
ومن أراد معرفة حاق المسألة فما عليه إلا النظر في تواريخ العلوم.
قال ما أجمل المحاورات في القضايا العلمية والأدبية... فالآن الآن فهمتُ فهماً راسخاً فحوى قولك " لا تقل غموضاً وقل عمقاً".
قلت وما أجملَ نفسيتَكَ المنفتحةَ في المحاورة؛ فعمدة المحاورات العلمية والأدبية والنقدية والثقافية أن يتحلى المتحاوران بالأريحية وأن يتخلصا من عقدة النزعة الاتباعية نزعة تبني الأقوال بلا وعي، ونزعة التشبث بآراء لا تنتمي إلى البديهيات التي لا يختلف عليها اثنان.
وقلتُ إنَّ الجانب الصحي في العلم والأدب وعموم المعارف ينطلق من لُجج (قال وقلتُ وتقول وأقول)،
ينطلق من تموجاتهما التلاقحية التي لا تقف إزاء تدفقها أسماء توصف بالكبيرة، فلا كبير إلا القول في حجته وفي نفعه للناس وفي مكوثه في الأرض.
قال أحسنتَ ولا فُضَّ فوك ..!،
وقال يمكننا – في مسك الختام- أن نوجز حديثنا لإضاءة مفهوم الغموض بالمعنى المراد منه في التراث النقدي الذي يطابق مفهوم العمق من خلال الاستشهاد بقول العباس بن الأحنف:
"يَزيدُكَ وَجهُها حُسنا ... إِذا ما زِدتَهُ نَظَرا "
بمعنى أن الحُسن هو المعنى الأولي الظاهر الذي يلمحه الناظرون كلهم على اختلاف مستوياتهم الذوقية والثقافية، وهذا الظهور الناشئ من النظرة الأولى العامة يشكل عنصر جذب ومتعة للجميع، لكن هذا الحُسن يخفي حُسناً آخرَ وآخر يكتشفه مَنْ له مقدرة في إعادة النظر والكشف عن المستويات الجمالية التي تكمن في أعماق الحُسن الظاهر والمكشوف للجميع.
قلتُ أحسنتَ ولا فُضَّ فوك .!
وقلتُ هذا هو الغموض المطابق للعمق بالمعنى التراثي الوارد في النقد القديم والذي يبرز في قوله " إِذا ما زِدتَهُ نَظَرا"؛ ولهذا وذاك كان النص الشعري المطبِّق تقنية الغموض التراثي (العمق) نصاً حياً نابضاً بالحياة، نصاً كثير التداول، نصاً واسع الانتشار؛ لأنه يمتع المتلقين كلهم بلا استثناء.
قال لكنَّ مَنْ لا موهبة لهم ومَنْ يئست نصوصهم مِنْ ملامسةِ الإبداع قد عمدوا إلى إحداث انحراف دلالي لمفهوم (الغموض/العمق) الوارد في التراث فجعلوه يساوي التعمية المطبقة- وإن فرقوا بينها وبين الغموض جدلاً ومناورةً وإبعاداً لصورة الوهن والضعف من حيث التنظير عن ساحتهم، مع التلبس العملي بذلك - وصارت أَمارة تحقق الشِّعْرية عندهم أن يشكو الإنسان العادي من عدم فهم نص شعري يتبع طريقتهم في تفعيل الغموض بعد تغيير دلالته المنحرفة عن معنى العمق.
وقال إنهم قضوا على المتعة الفورية الظاهرية واللذة التي يحصل عليها المتلقون كلهم من خلال استماعهم المباشر أو قراءتهم الأولى للنص.
وقال إني لأعجب من هكذا عقول ..!
؛ فأي شاعر عاقل يرضى أن يكون نصه غامضاً لا يجد الإنسان العادي في تلقيه شيئاً يمتعه ويجذبه إليه فيؤدي ذلك إلى فشله وضمور تداوله؟!
وقال وأي شاعر عاقل يستنكف أن يكون نصه جذاباً يستمتع به الناس العاديون والمختصون من الأدباء والنقاد على حد سواء، ليكون تأثيره قوياً وتداوله واسعاً وخلوده حتمياً.؟!
قلت لا أحد من الشعراء يكره أن يكون نصه مؤثراً واسع الانتشار والتداول بين العامة والخاصة، فالمشكلة ليست في الشعراء الموهوبين، وإنما هي في الذين فصَّلوا مفهوم الغموض على مقاسات قدراتهم الكتابية ليغطوا على ضعف مواهبهم وليتهموا أي نص شعري لشاعر موهوب بالخطابية والتقريرية لمجرد كونه حقق انتشاراً واسعاً بين العامة والخاصة على حد سواء، وما خبر ثلب نص السياب والتقليل من عمق موهبته عنا ببعيد.
قال هههه ، صدقاً شر البلية ما يضحك ..!
وقال لو وضعنا كل نتاج مَنْ قلل مِنْ عمق موهبة السياب في كفة ووضعنا في الكفة الأخرى قصيدة (أنشودة المطر)، لرجحت كفة قصيدة السياب.
قلتُ أحسنت وأجدتَ كثيراً فـ (أشودة المطر) من خير الشواهد المعاصرة الحية على النص الجامع المحقق معنى (العمق) لا معنى (الغموض المنحرف دلالياً)؛ فأي إنسان عادي لم يتفاعل مع هذه القصيدة ..؟ ولا أدل على ذلك التفاعل من وصولها إلى حنجرة المغني.
وقلتُ أي قصيدة تنولت بالدراسة والتحليل بقدر ما تنولت (أنشودة المطر) على مستوى الدراسات النقدية التطبيقية عربياً وعلى مستويات كثرة تناولها أكاديمياً في حقل الأدب المقارن في كثير من الجامعات والمعاهد العالمية على اختلاف تنوعها وتنوع لغاتها.؟
وقلت هكذا كانت قصيدة (أنشودة المطر) وستبقى كما كانت أنشودة َالعوام، وتبقى محلَّ نظرِ الخواص محلَّ قراءاتِهم، ومحلَّ تحليلاتِهم.
قال صدقتَ، فشتان بين غموض مَنْ لا موهبة لهم وبين العمق في نصوص الشعراء الموهوبين ...
وقال صدقتَ في قولك لا تقل غموضاً وقل عمقاً.
جديد الموقع
- 2026-03-27 القراءة في كتاب كيف تكسب الأصدقاء
- 2026-03-27 ( ( مجالسنا قولٌ وفعل) )
- 2026-03-27 متعة ألا تقرأ
- 2026-03-26 هل تعدد مباني ثبوت الشهر أمر طبيعي؟.. وما هو السبب؟
- 2026-03-26 افراح الموسوي والغزال بالأحساء
- 2026-03-26 العيد في المطيرفي فرحة وبهجة وسرور
- 2026-03-26 ورقة بحثية محمد عبدالمحسن محمد الخويتم بعنوان "تصنيف مواقع الجامعات الإلكترونية بناءً على معايير سهولة الاستخدام: رؤى من تحليل القياسات الحيوية للويب"،
- 2026-03-26 افراح العمران و سادة الغافلي بالهفوف
- 2026-03-25 دائرة المواريث تحتفل بعيد الفطر
- 2026-03-25 حفل معايدة سادة المسلم وتكريم المتفوقين 1447/10/4