2026/08/02 | 0 | 39
( ( شعب الموز ) )
إن الأمم لا تُقاس بأعداد سكانها، ولا بضجيج أصواتها، ولا بما ترفعه من شعارات، وإنما تُقاس بمنظومة قيمها، ورسوخ مبادئها، وقدرتها على صناعة الإنسان قبل العمران، والعقل قبل المظاهر، والضمير قبل المصالح.
ومن هذا المنطلق، فإن مصطلح “شعب الموز” ليس توصيفًا لشعب أو أمة أو وطن، بل هو تعبيرٌ مجازي عن حالةٍ فكرية وسلوكية قد تنشأ في أي مجتمع عندما تتراجع القيم، وتضعف المسؤولية، وتُستبدل الحكمة بردود الأفعال، ويصبح التصفيق أعلى صوتًا من الحقيقة، والمصلحة أسبق من المبدأ.
إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس اختلاف الآراء، بل انحدار معاييرها الأخلاقية، حين يتحول النجاح إلى تهمة، والتميز إلى استفزاز، والإنجاز إلى هدفٍ للحسد والتشكيك، بينما يُرفع شأن الضجيج، ويُحتفى بالمظاهر، ويُهمَّش أصحاب الكفاءة والإخلاص.
إن “شعب الموز” هو كل بيئةٍ تُكافئ التملق أكثر من الصدق، وتمنح الشهرة لمن يُثير الفوضى، بينما تُقصي أصحاب الفكر والرؤية والعمل. وهو كل مجتمعٍ تتبدل فيه المواقف بتبدل المصالح، ويُصبح الرأي سلعة، والوفاء خيارًا مؤقتًا، والثبات على المبادئ عملةً نادرة.
وما أشد خسارة الأمم عندما تُصبح الشائعة أسرع انتشارًا من الحقيقة، والانفعال أقوى من العقل، والتشهير أكثر حضورًا من الحوار، فتذبل روح المبادرة، ويخشى المبدع من الإبداع، ويتردد صاحب الرسالة في حمل رسالته، خوفًا من سهام الجهل وأحكام المتعجلين.
إن الحضارات العظيمة لم تُبنَ على ثقافة السخرية، ولا على صناعة الخصومات، ولا على تصفية الحسابات، وإنما قامت على احترام الإنسان، وتقدير العلم، وصون الكرامة، وتشجيع الكفاءات، وإعلاء قيمة العدالة، وترسيخ ثقافة المسؤولية المشتركة.
فالأمم الراقية لا تبحث عن إسقاط الناجحين، بل تصنع منهم مدارس للأجيال، ولا تُحارب أصحاب المبادرات، بل تمنحهم المساحات ليُثمروا،
لأن النجاح الفردي إذا احتضنته الأوطان تحول إلى نجاحٍ وطني، والإنجاز الوطني إذا استمر أصبح إرثًا إنسانيًا تتوارثه الحضارات.
إن مسؤوليتنا جميعًا أن ننتقل من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة الإنتاج، ومن مراقبة الآخرين إلى مراقبة الذات، ومن تضخيم الأخطاء إلى تعظيم الحلول، ومن تصنيف الناس إلى بناء الإنسان، فالأمم التي تُحسن صناعة الإنسان هي وحدها التي تُحسن صناعة المستقبل.
فلنكن شعوبًا تشبه النخيل في ثباتها، وتشبه الجبال في شموخها، وتشبه الأنهار في عطائها، وتشبه الشمس في إشراقها؛
شعوبًا تؤمن بأن الكرامة تُبنى بالأخلاق، وأن المجد يُصنع بالعلم والعمل، وأن الأوطان لا ترتقي إلا عندما ترتقي النفوس.
ولنجعل معيار التفاضل هو النزاهة، والكفاءة، والرحمة، والإبداع، وخدمة الإنسان،
لا ضجيج المنابر، ولا زيف المظاهر، ولا تقلب المصالح. فبهذه القيم تُولد النهضات، وتُصان الأوطان، وتبقى الحضارات مناراتٍ يهتدي بها العالم.
إذا غابَ ميزانُ القِيَمْ تاهَ الورى
وأصبحَ للأهواءِ في الناسِ مُلتقَى
فلا المجدُ يُهدى للضجيجِ ولا العُلا
ولا تُبنى الأوطانُ إلا بالتُّقى
إذا ارتفعَ الإنسانُ خُلقًا وعِلمَهُ
تهاوتْ جيوشُ الجهلِ وانجابَ العَمَى
فكونوا كنخلِ الأرضِ عِزًّا وثابتًا
يفيضُ عطاءً كلما أجدبَ الثرى
فخيرُ الشعوبِ القدوة شعب الحرمين الشريفين وقيادته
الرشيدة من أقامتْ حضارةً
يكونُ بها الإنسانُ أغلى ما يُرى.
جديد الموقع
- 2026-08-02 المائز بين الذكاء والحكمة
- 2026-08-02 القوس الحركي وجلسة التشهد في الصلاة
- 2026-08-02 التعنصر والعنصرية السادية
- 2026-08-01 فنان الكاريكاتير أمين الحباره يحصد برونزية فري كارتون ويب في الصين
- 2026-08-01 الإبداع في تعزيز التواصل الاجتماعي
- 2026-08-01 الزمهرير سببٌ لنوبات التمنجل
- 2026-07-31 جمعية ابن المقرب تقيم أمسية شعرية للرويعي والموسوي
- 2026-07-30 بين الوعي ومراجعة الأفكار
- 2026-07-30 لأول مرة في تعليم الطائف افتتاح مدرستين للطلبة الموهوبين بمختلف المراحل الدراسية
- 2026-07-30 *القادسية يتصدر 47 نادٍ ويتوج بـ4 كؤوس للمركز الأول في بطولة المملكة للسباحة*