الرياضة
2026/01/23 | 0 | 351
*ديوان (تعبر الأرض خلفك) لفريد الضيف*
*رحلة شاعر بين قلق الفلسفة وطمأنينة العرفان*
( هاني الحجي
)
صدر عن خيمة المتنبي ديوان( تعبر الأرض خلفك) للشاعر فريد الضيف -رحمه الله- وأعده ابنه محمد. جاء الديوان في (100) صفحة.
القريب من تجربة الشاعر فريد الضيف الحياتية والشعرية يمكن أن يصفه بشاعر القلق الوجودي والإنساني، وهذا القلق والبحث المستمر كان سببًا لتنقله الفكري في عدة مراحل من حياته خلال تجريبه وبحثه وتنظيره، حتى تسللت تجربته الفكرية وتحولاته الثقافية إلى نسيج نصوصه الشعرية ابتداءً من كتابته للقصيدة العمودية، ووصولًا لقصيدة النثر. فهو يعيش قلق الفلاسفة ويبحث عن طمأنينة العرفانين.
"التقى محيي الدين في مطلع شبابه بابن رشد، فسأله ابن رشد: هل القمة التي وصل إليها الفلاسفة بالعقل والفكر، هي القمة التي وصل إليها المتصوفة بالتصفية والتجرد والذكر؟ فقال له محيي الدين: نعم، ولا. وبين «نعم ولا» تطير الأرواح."
*قلق السؤال*
تتضح في نصوص الضيف قلقه بين فلسفة السؤال العقلائي، وبحثه عن المعاني الروحية للوصول إلى الإجابات التي تزيح الستار عن أسئلته، وتجلت في كتابته الشعرية تأملاته للدمج بين تعب السؤال التشكيكي ومحاولته الاستراحة على ضفاف أنوار اليقينيات من خلال مفرداته الشعرية العرفانية.
*"لكنه الجرح يعوي*
*بصوت يطرز أثواب أفقي*
*................"*
في هذا النص يتجلى الصراع بين الفلسفي والروحي عبر التساؤل عن المعنى
*"تتشاغل بنعمة بيننا*
*فيما الهدير،*
*يحفر في خارطة الروح نارًا*
*تضرم وسط*
*سبورة الليل"*
يصور الشاعر عمق الصراع الداخلي الذي يعيشه، ولكن يجد متعته في هذه الرحلة بين سؤاله العقلي وطمأنينة روحه فوصف التشاغل بين العقل والروح(بالنعمة)، ولكن صوت هدير الأسئلة والضوضاء التي تصدر من عقله تحفر في العمق لتبعده عن خارطة الطريق إلى الروح رغم اكتوائها بنار الحفر، إلا أنه يرى أن سبورة العقل هي التي تضيء ظلام ليل الجهل بفجر الوصول.
السبورة كانت المساحة التي كتب الشاعر عليها بحروف نورانية لتمزق ظلمة الشك بالبحث عن الإجابة على تساؤلاته بنور العقل أو سكينة القلب.
من جانب آخر يبين الشاعر صعوبة الوصول للغاية في صراع الداخل بين الفلسفة والروحانية حينما تبلغ ذروتها في التضاد الداخلي الذي يعيشه وتردده بين التشكيكية واليقينية
يقول
*"آه للذي يومض*
*في نفق*
*يقتدح*
*صخرة بماء"*
يصور النص الحالة الصعبة التي يعيشها في نفق البحث عن الحقيقة فهو يقتدح صخرة بماء للدلالة على محاولاته المستمرة للخروج من النفق وللوصول إلى الطريق مسترشدًا بلهيب النار أو ضوء النهار وكلاهما رمزيتان للألم بين الفلسفة والعرفان للإجابة على سؤال نار العقل أو نور الروح.
*فلسفة الذات*
يقدم الضيف من خلال نصوصه رؤيته للعالم والكون من خلال ذاته، ويحاول تفسير الحياة برؤيته الفلسفية وفهمه لها في إشارة للوحدة الوجودية بين الذات المغتربة في داخلها وإعادة ترتيب أبجديات علاقتها بمحيطها الخارجي.
*"يتيمًا*
*والصحراء تبتلعني عاريًا*
*والسراب يد*
*ترمزني في قاموس الظهيرة"*
يشعر فريد بالوحدة والضياع في رحلته للبحث عن الحقيقة، وكلما أوغل في المسير اكتشف أن الحقيقة وهم كالسراب تخدعه وقاموس الظهيرة المشتعل بمفردات السؤال يحرق فكره وتتناثر اسألته في الطريق.
*"الشمس لا ترسم ظلي*
*ووزني تكتمه الأرض*
*بين بقات فارغة"*
قمة القلق والبحث عن الذات حينما يجد الشاعر نفسه يركض خلف سراب في الصحراء يبحث عن طريقه، ولكن يجد نفسه تائهًا بين كثبان الروح وظمأ قافلة أسئلة لا تروي عقله الناقد، وبين ذئاب تنهش بمخالب القلق المفترسة روحه بالليل لدرجة تجعله يتمنى أن يدفن بركام رمالها تعبيرًا عن عمق الوجع الذي يعيشه في رحلته الحياتية بكل جوانبها الاجتماعية وغربته المعرفية في محيطه وعلاقته مع كل ما تلقاه من موروث.
*"ها أنا في الفجر*
*أرفع رأسي عاريًا مهشمًا"*
هنا تكمن إرادة الشاعر في استمراره بالبحث عن الحقيقة حتى يبدد نور الفجر ظلام الضياع بنورانية الوصول.
*(الليل والغربة)*
*"ليل*
*مثل غربتي*
*جاثمًا بكتاباتهم المكنوزة*
*في الظلمات*
*............"*
يتجلى في نصوصه الوجع الذاتي من خلال غوص الشاعر في بحر آلامه والتجديف للوصول إلى شواطئ فهم من حوله بمختلف تياراتهم وانتماءاتهم.
تحضر في النصوص أيضًا مفردتي الليل والغربة مما يوحي بشعوره بالضياع والوحدة في صحراء روحه وهي أعلى درجات الوعي التي يصل لها الشاعر في رحلة البحث عن الهوية والشعور بالانتماء قبل الهبوط في مطار الحقيقة التي يصل لها.
وهنا تبدأ المحطة الأخيرة في رحلته واختياره أقرب ميناء للوصول، وهو الروح التي تمنحه الطمأنينة والسكون والوقار
*"أرسل روحي لدعوة قريبة*
*كي أمعن في الذهاب*
*لأرض مهيأة.."*
ليصل إلى نتيجة أن طريق العرفان هي الأرض المهيأة له للهروب من شظايا الأسئلة وحجارة الفلسفة الملقاة في طريق العقل الذي جعل طريقه وعرًا، أما الروح التي تهبه دعوة للطمأنينة فطريقها سالكة للوصول بأنوار العشق والوصال.
*"تنطلق مساميري*
*بنبضات راجفة*
*مثل سكر"*
يؤكد في هذا النص خياره بأنه بدأ يشعر أن زنزانة الجسد تكبله وأراد الخروج من دائرة الوعي لأجل أن يقفز من العذاب الذاتي الذي عاشه في دهاليز الأسئلة المتتابعة ونفقها ليصل إلى نور يكشف به ذاته بكشاف العقل، ولكنه تأخر في الوصول حتى بدأت مسامير العذاب تدق وتزيد من عذاباته الجسدية بتجريعه مرارة الأسئلة التشكيكية والنقدية مما زادت من أوجاعه.
*طريق العرفان*
قرر أن يسلك مسلكًا أقرب ويختصر عليه الطريق بانعطافه للعرفان الذي أشعره بالسكر، وحلّق بروحه ليداوي جراحها الممزقة بسكاكين الأسئلة وخناجر الشكوك ليهرب إلى فضاء اليقينيات والغيبيات ويعالجها بدواء العرفان.
*"يبقى مكان آخر*
*لوردة*
*تبث أحلاما لرائحتها والحمام "*
هنا يتكشف الأمل بدلًا من الوجع واليقين بدلًا من الشك، لأنه سلك طريقًا أقل وعورة وأكثر أمانًا في رحلته ومشواره الطويل بين العقل والقلب بين الجسد والروح بين الجدليات المادية الفلسفية والطقوس الروحانية النورانية، بين خروجه من جاذبية الأرض إلى التحليق بروحه للسماء.
فهناك وردة تلوح له برائحتها وعبيرها وتدعوه لالتقاطها، ففيها عطر يسكره بنشوة الإيمان وعروج الروح في عالم العرفان، فالحجارة وإن كانت تفتح طريقه إلى النور، إلا أنها مؤلمة، ولكنه اختار هديل الحمام لتنشر النور في دربه.
الحمام يرمز إلى تحرر روحه وتحليقها إلى عوالم التسابيح التي تشتاق للاستقرار في عالم من الهدوء والسكينة بعيدًا عن صلابة أسئلة الفلسفة والعقل، ولأن مشواره للوصول والثبات أكثر إيلامًا وعذابًا.
*"شدي وثاقي أيتها الأنوار*
*عرفيني*
*كيف أكتبر أجزائي المغادرة*
*على هيئة مصابيح؟"*
القصيدة التي افتتح بها الديوان واختتم بها -رحمه الله- مشوار حياته كان يطلب من الأنوار أن تجذب روحه إليها، بل ويطلب منها تضيء كل أعضاء جسده بالإشراق للوصول الى باطن المعرفة القلبية في مسيرته الروحانية.
*المحطة الأخيرة*
*"مشغولًا*
*بلحس أصابعي*
*لأنقش*
*قبري..*
*هكذا جففت*
*آخر أوراقي*
*وتلحفت بسلام"*
٠هي المحطة الأخيرة التي اختار فيها طريقة موته بعد رحلته والتحولات التي مر بها للبحث عن معشوقته الحقيقة، فهو يؤثث قبره كمحطة أخيرة تصل إليها روحه.
انتهى مشواره وعبر كل الطرق وجففت الحياة أوراقه وأراد أن يغلق أبوابها ليستريح في قبره بعد أن سلك طرقًا وعرة للعبور حاملًا فانوسه ليتوهج في قبره بالأنوار القدسية.
*عتبة النص*
لنعود إلى عتبة النص في عنوان الديوان ( تعبر الأرض خلفك) وهي جاءت في الأخير قبل البداية تبادلية إبداعية.
قرر قبل أن يغادر يترك خلفه سِفرًا وإرثًا أدبيًا وإنسانيًا ليختصر الطريق لمن يريد السير في طريق السالكين.
*ختامًا* يتضمن الديوان نصوصًا فيها من العمق الفكري والأدبي وطرق السلوك ويتضمن حزمة من نصوص التساؤلات الفلسفية والجدلية لشاعر وأديب ومثقف عاش حياته متنقلًا بين عدة تيارات لم يستكن أِو يستريح قبل كشف أسرارها.
الديوان وثيقة أدبية ترصد التحولات التي عاشها المجتمع فالشاعر كان جزءًا من مجتمعه، وتحولاته كانت جزءًا من تيارات وتحولات عاشها مجتمعه.
جديد الموقع
- 2026-01-24 (أنتَ ابنُ جزيرتِكَ المعجونةِ بالشِّعْرِ وبالنثرِ وبالموسيقى)
- 2026-01-24 من أجل الإنسانية
- 2026-01-24 افراح العاشور و العلوي بالهفوف
- 2026-01-24 الكلية التقنية للبنات بالأحساء تشارك في مهرجان تمور الأحساء المصنعة
- 2026-01-24 افراح الناصر و البن حمضة بالهفوف
- 2026-01-24 افراح بوهويد و السالم بالهفوف
- 2026-01-23 الاحتفاء بكتاب " بحر الخمسين "للاستاذ خالد الحيدر
- 2026-01-23 ومضات رائية (11)
- 2026-01-23 أهالي المطيرفي يقدمون التعازي بوفاة اية الله السيد علي السلمان بموكب مهيب
- 2026-01-22 في نعي آية الله السيد علي بن المقدس السيد ناصر السلمان أعلى الله مقامه