2026/04/27 | 0 | 32
إسهامات شيخ المترجمين حنين بن إسحاق في نقل الطب اليوناني إلى العربية كان لها الدور الأبرز في تطوير العلوم الطبية في العالميين الإسلامي والأوروبي
جامعة الشارقة
: ثلاثة أطباء يحضرون دواءََ من ترجمة عربية لكتاب "ماتيريا ميديكا" لديوسقوريدس
طبيب عيون في العصور الوسطى، ترجم مؤلفات جالينوس وأبقراط وأفلاطون اليونانية إلى العربية، لعب دورًا محوريًا في تشكيل الدراسات الطبية في الغرب، بحسب دراسة (1) نُشرت في مجلة "كوجنت للفنون والعلوم الإنسانية Cogent Arts and Humanities."
في هذه الدراسة، قام باحثون من جامعة الشارقة بنسخ وترجمة النص العربي لمخطوطة أصلية لأبي زيد حنين بن إسحاق العبادي (2) بعنوان "مسائل في العين: مئتان وسبع مسائل In the Eye, Two Hundred and Seven Issues." وتُعدّ هذه الرسالة، التي تعود إلى القرن التاسع الميلادي، عملًا رائدًا في طب العيون، وذلك من خلال ترجمة أعمال يونانية هامة لشخصيات مثل جالينوس وأبقراط وأفلاطون إلى اللغة العربية، ما ساهم لاحقاً في تشكيل الطب في العالم الغربي إذ صحّح مفاهيم خاطئة سادت في العصور الوسطى، وأثّر بشكل كبير على تطور المعرفة الطبية في أوروبا.
كُتبت هذه الرسالة بصيغة سؤال وجواب، وهي بمثابة تكملة لعشر مقالات أصلية أخرى لحنين بن إسحاق، تُعتبر مجتمعةً علامةً فارقةً في تاريخ الطب الإسلامي والغربي على حدٍ سواء. في هذه الأعمال، يُقدّم حنين تحليلاتٍ مُفصّلةً لتشريح العين، بما في ذلك طبقاتها والأعصاب البصرية، مُبيّنًا التطورات التي أسهمت إسهامًا دائمًا في الطب العربي والغربي على حدٍ سواء.
وقالت طالبة الدكتورا دلال ح. الزعبي، الباحث الرئيس في الدراسة في طب العيون، درس حنين بن إسحاق ببراعة علمية وقدم تفسيراتٍ معتمدة على الأدلة العلمية، مُثبتًا أن الخلافات حول عدد طبقات العين كانت في معظمها مُجرّد اختلافاتٍ في المصطلحات وليست اختلافات علمية جوهرية."
أوضح حنين أن العين تتكون من سبع طبقات، إحداها مسؤولة مسولية مباشرة عن الإبصار، بينما تؤدي الطبقات الأخرى أدوارًا مساعدة لهذه الطبقة ووظيفتها. كما وصف بدقة ورصانة دور كل طبقة، بما في ذلك بدايتها ونهايتها.
وتُبرز الدراسة كذلك أن حنينَََا شرح آلية حركة العين، موضحًا أن الدماغ يتحكم في عضلات العين عبر عصب رابط بينه وبين العين. ويُقدم كتابه "في العين: مئتان وسبع مسائل" دليلًا واضحًا على مدى تميز منهجيته وفهمه المبكر لما ندرسه اليوم في طب العيون وعلم الأعصاب، وفقًا لـ دلال الزوعبي.
صفحة من مخطوطة عربية تعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي، تتناول موضوع العين، من تأليف حنين بن إسحاق. وهي جانب من كتابه الأساس "المسائل في الطب" (مسائل في الطب للطلاب). هذه المخطوطة، التي يعود تاريخها إلى حوالي عام 1200 ميلادي، محفوظة في المكتبة الوطنية بالقاهرة. المصدر: المكتبة الوطنية بالقاهرة
تأثيرٌ مازال ممتدََا إلى يومنا هذا
إلى جانب إسهاماته الطبية، تُبرز الدراسة البصمة التي تركها حنين بن إسحاق بصفته مترجمََا. وكما تشير الزعبي، فقد أثرى حنين اللغة العربية بإدخال مصطلحات طبية دقيقة إليها، بما في ذلك مصطلحات شبكية وقرنية العين. ولم يعتمد الترجمة الحرفية، بل استخدم حنين أساليب وصفية وتشبيهية واستعارية، مُنتجََا مصطلحات عربية سلسة تُعبِّر عن المعنى وتحافظ على المعنى الأصلي وتنسجم مع اللغة العربية، الأمر الذي عزّز مكانة العربية كلغةََ علمية.
كان حنين (المعروف في الغرب باسم يوهانيتيوس Johannitius)، عالمًا مسيحيًا سريانيًا موسوعيًا (3) وعضوًا في كنيسة المشرق آنذاك، وقد لُقّب بـ"شيخ المترجمين". لعب دورًا محوريًا بصفته عالمََا ومترجمََا في بيت الحكمة ببغداد. وكانت ترجماته، التي غالبًا ما استندت إلى مخطوطات سريانية ويونانية أصلية، أساسََا في الحفاظ على المعرفة العلمية اليونانية ونقلها لاحقًا إلى أوروبا.
تتناول هذه الدراسة إسهامات حنين في تطوير حركة الترجمة خلال العصر العباسي المبكر، مُسلطةً الضوء على ريادته لنموذج الترجمة الذي أعطى الأولوية لنقل المعنى الكامل للنص الأصلي بدلًا من الالتزام بالممارسة السائدة آنذاك وهي الترجمة الحرفية.
بالرغم من أن هذه الدراسة تعدّ أول ترجمة لكتاب حنين بن إسحاق العربي "في العين مئتان وسبعة فصول" إلى الإنجليزية، إلا أن الكثير من مؤلفاته كانت قد وصلت إلى الغرب سابقًا عبر ترجمات لاتينية وأوروبية أخرى. وأوضحت الزعبي قائلةََ: "كانت أعماله معروفة جيدًا في الغرب، ولعبت دورًا مهمًا في تطوير المعرفة الطبية، وخاصة في طب العيون، ما يدل على أن تأثيره في الطب قد امتد إلى ما هو أبعد من العالم الإسلامي واستمر لقرون.
يستشهد طبيب العيون والمؤرخ الطبي ماكس مايرهوف Max Meyerhof، على سبيل المثال، بكتاب حنين بن إسحاق: الـ "عشر مقالات في العين،" مشيرًا إلى أنه يمثل أقدم دراسة منهجية معروفة في طب العيون. ويذكر مايرهوف أن النص كان يُستخدم على الأرجح في كل من كليات الطب الإسلامية والغربية في تلك الفترة.
ويوضح بحث الزعبي أيضًا كيف طور حنين خبرته العلمية في الطب وصقلها. ويلاحظ الباحثون أنه كان يتمتع بإتقان استثنائي للغة العربية، وأن ترجماته أثْرت المصطلحات العلمية والطبية.
وتقول الزعبي: "كان حنين بن إسحاق يعتمد كثيرًا على التعبير المجازي بكثرة لتوضيح الأفكار المعقدة، كما يتضح من استخدامه المصطلح العربي "العنكبوتية" الذي يشير إلى الغشاء العنكبوتي (الطبقة الوسطى الرقيقة للسحايا) (4)، موضحًا أنه يشير إلى شبكة العنكبوت في اللغة الأصلية التي اشتُق منها ذلك المصطلح، ما يدل على قدرته على الجمع بين البراعة اللغوية والوصف العلمي للمصطلح."
وأضافت الزعبي: "في حالات أخرى، قام بتعريب مصطلحات أجنبية لم يكن لها مقابل سابق في اللغة العربية، كما فعل مع "الشبكية" لشبكية العين و"الملتحمة" للملتحمة (الغشاء المبطن لجفن العين) (5). عُرف عنه ابتكار مصطلحات عربية لنظائرها اليونانية تعكس علاقة ترابطية بين الدال والمدلول.
ويتضح هذا جليًا في ترجمته للشبكية إلى "الشبكية"، التي اختارها لأن بنيتها تُشبه شبكة الصياد، نظرًا لتشابك الأوردة والشرايين الكثيف فيها، تمامًا كشبكة الصيد." ومن الأسباب الأخرى لإتقان حنين للترجمة، بحسب الزعبي، اهتمامه الدقيق بالصياغة الأصلية والنطاق الدلالي للمصطلحات اليونانية. فالعديد من تسمياته الطبية العربية، التي ما تزال مستخدمة حتى اليوم، صِيغت عمدًا لتتوافق مع دلالات اللغة المصدر. ومن الأمثلة على ذلك مصطلح هيروفيلوس "Amphiblēsteroeidēs،" وهو مصطلح مشتق من المصطلحات الطبية اليونانية القديمة التي تصف الأوعية الدموية المتشابكة في شبكية العين، والتي تُشبَّه بشبكة صيد مشدودة إلى الأعلى.
جسر بين الحضارات
تشهد مؤلفات إسحاق بن حنين في طب العيون على مستوى من التطور العلمي كان نادرًا في العصور الوسطى. في هذه الدراسة، نسب إليه المؤلفون الفضل في "تقديم تفسيرات قائمة على الأدلة العلمية وإثبات أن الخلافات حول عدد طبقات العين كانت مجرد اختلافات مصطلحية وليست جوهرية."
ويفيد الباحثون أن تحليل إسحاق بن حنين التشريحي حدد أيًّا من طبقات العين السبع مسؤولة عن الإبصار. كما بيّن عدد العضلات التي تتحكم بحركة العين، وأكد أن الدماغ يتحكم بهذه العضلات بواسطة العصب الرابط بينه وبين العين. وتُعدّ النتائج الواردة في مخطوطة كتابه "مسائل في العين: مئتان وسبعة مسألة" شاهدًا على التقدم الملحوظ الذي شهده طب العيون في أوائل العصر العباسي.
عندما طُلب من مأمون صالح عبد الكريم، برفسور الآثار والتاريخ بجامعة الشارقة، تقييم مكانة حنين بن إسحاق في تاريخ الطب، ووصفه بأنه شخصية ذات أهمية بالغة. وأضاف: "لقد أثر حنين بن إسحاق بشكل كبير في تطور الطب في الغرب. ولعب دوراً محورياً في ترجمة النصوص الطبية اليونانية إلى العربية، ولا سيما نصوص جالينوس وأبقراط، ولم يكتفِ بالترجمة فحسب، بل قام أيضاً بتحسينها وتوضيح أفكارها من خلال تحليل علمي دقيق."
في الأدبيات الأكاديمية، يُعتبر حنين بن إسحاق شخصية محورية في نقل الطب اليوناني القديم إلى العالم الإسلامي، وفي نشر هذه المعرفة لاحقًا في أوروبا. وكما أشار مسعود إدريس، أستاذ الحضارة الإسلامية بجامعة الشارقة، أن "ترجمات حنين بن إسحاق وكتاباته الأصلية لم تؤثر في العالم الإسلامي فحسب، بل امتد تأثيرها إلى أوروبا في العصور الوسطى".
وأوضح البروفيسور إدريس، وهو أيضًا أحد المؤلفين المشاركين، أن مؤرخي الطب يولون اهتمامًا خاصًا لكتاب حنين بعنوان "المسائل في العين (مسائل في الطب للطلاب)"، والذي تُرجم إلى اللاتينية بعنوان "إيساغوجي (6)" (يوهانيتيوس)، ما يُظهر يثبت مدى ما ساهم عمله في تعليم أجيال من طلاب الطب من مختلف الثقافات.
قال: "البروفيسور أدريس؛ لقد شكّلت ترجمات حنين بن إسحاق، ولا سيما كتابه "المسائل في العين،" دورًا محوريًا في التعليم الطبي لقرون عديدة، ليس فقط في العالم الإسلامي، بل أيضًا في الجامعات الأوروبية في العصور الوسطى.. ويُبيّن انتشاره الواسع في الأوساط الأكاديمية اللاتينية الدورَ المهمّ الذي لعبته الدراسات الطبية الإسلامية في صياغة أسس التعليم الطبيّ في أوروبا في العصور الوسطى."
ووصف البروفيسور عبد الكريم كتاب "المسائل في الطب" بأنه عملٌ رائد، واصفََا إيّاه بأنه "من أوائل النصوص التعليمية وأكثرها تأثيراً في تاريخ الطبّ الإسلاميّ، كُتب بأسلوبٍ فريدٍ قائمٍ على صيغة سؤال وجواب، والذي أثّر في التعليم الطبيّ على مدى قرون."
وأكّد أن حنين "لم يكن مجرّد ناقلٍ للطبّ اليونانيّ، بل كان أحد أهمّ الجسور الفكرية التي ربطت المعرفة الكلاسيكية بالطبّ الأوروبيّ في العصور الوسطى". وخلص البروفيسور عبد الكريم إلى أن إرث حنين يُذكّرنا بأنّ تاريخ الطبّ والتقدّم العلميّ نشآ من تبادل الأفكار بين مختلف الثقافات، مما يدل على أن المعرفة تطورت وتتطور من خلال الحوار والتعاون بين الحضارات وأن المعرفة انتقلت عبر الثقافات وشكّلت أسس العلوم في العالم،" ولن تكن إنجاز ثقافةٍ واحدة أو حكرًا على مجتمع بعينه.
الهوامش
1- https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/23311983.2025.2522116
2- https://ar.wikipedia.org/wiki/حنين_بن_إسحاق
3- https://www.britannica.com/biography/Hunayn-ibn-Ishaq
4- https://ar.wikipedia.org/wiki/أم_عنكبوتية
5- https://ar.wikipedia.org/wiki/ملتحمة
6- https://ar.wikipedia.org/wiki/إيساغوجي
المصدر الرئيس
https://phys.org/news/2026-04-eye-physician-classical-greek-medicine.html
جديد الموقع
- 2026-04-27 جلسة حوارية"الشعر والفنون الأخرى" لنبيل بن عاجان
- 2026-04-27 (تراجم الأدباء والشعراء والكُتَّاب بين الاجترار والإضافة النوعية)
- 2026-04-26 لغتنا العربية إلى أين؟
- 2026-04-25 حسين عبدالله الموسوي يكمل بنجاح برنامج تدريب عملي "دورة تطبيقية " (التميز المؤسسي)
- 2026-04-25 أفراح الجلواح والعيسى تهانينا
- 2026-04-25 *"ابن المقرب" تجمع الشاعرين سباع والسماعيل في أمسية أدبية بالدمام*
- 2026-04-25 افراح التمار والعلي بالأحساء
- 2026-04-25 جامعة الملك فيصل تختتم هاكاثون “ابتكر من أجل الاستدامة” بمشاركة طالبات المرحلة الثانوية بالأحساء
- 2026-04-25 جامعة الأميرة نورة تستضيف الاجتماع الـ 30 لأمانة لجنة عمداء خدمة المجتمع بجامعات دول مجلس التعاون الخليج
- 2026-04-25 بـ 33 جلسة علمية و17 ورشة عمل نوعية جامعة الأميرة نورة تُطلق أعمال مؤتمر التمريض والقبالة الدولي في نسخته الرابعة


