هل التوجه الذي اكتشفته الدراسة في الشباب السويسري عالمي الطابع؟ وإذا لم يكن، هل فكرة تكرار هذا النوع من الدراسات فكرة واعدة لاكتشاف توجهات شبابية خاصة بكل بلد من البلدان أو منطقة من المناطق؟
الدراسة
سلّطت دراسة أصدرتها مؤخرًا جامعة زيورخ الضوء على منظور جديد وملهم بشأن الشباب والتعليم العالي (1)، إذ ركّزت على جوانب إيجابية قد لا تحظى بالاهتمام الكافي في ظل التركيز المتكرر على الأزمات والضغوط التي يواجهها الشباب.
بالرغم من أن النقاشات العامة ووسائل الإعلام تركز غالبًا على الأزمات الراهنة والمشكلات والضغوط التي يواجهها المجتمع، تلفت هذه الدراسة الانتباه إلى جوانب أكثر إيجابية في حياة الشباب. وتُظهر الدراسة أن التجارب الإيجابية والاعتيادية التي يمر بها الشباب في حياتهم اليومية يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في نموهم وتطورهم الشخصي. وتشمل هذه التجارب ما يحدث في البيئات التعليمية اليومية، والمحطات المهمة في مسيرة الطلاب، والاستفادة من أنظمة الدعم الطلابي، فضلًا عن تلقي التشجيع والدعم والتقدير، والشعور بالنجاح، والمشاركة في أنشطة مفيدة، وبناء علاقات جيدة مع الآخرين. وبعبارة أخرى، لا يقتصر النمو الشخصي على الأحداث الكبيرة أو التجارب الاستثنائية، بل يمكن للتجارب اليومية البسيطة والإيجابية أن تسهم أيضًا في تشكيل نمو الشباب وتطورهم..
أجرت الدراسة الطولية الموسّعة، التي قادها باحثون متخصصون في العلوم السلوكية في الجامعة، تحليلًا دقيقًا لآلاف الإجابات المكتوبة عن أسئلة مفتوحة، قدّمها 1442 مشاركًا على مدى فترة زمنية طويلة. واستطلع الباحثون آراء الأشخاص أنفسهم في مراحل عمرية مهمة من نموهم، وتحديدًا في سن 15 و17 و20 و24 عامًا. ومكّنت هذه الطريقة البحثية الدقيقة الباحثين من تكوين صورة واضحة وطويلة الأمد للعوامل التي تؤثر في طريقة تفكير الشباب ونظرتهم إلى أنفسهم وحياتهم ومستقبلهم مع تقدمهم في السن، ولا سيما خلال انتقالهم من مرحلة الدراسة إلى مرحلة الرشد، وما يصاحب ذلك من تغيرات في حياتهم واستقلالهم وتحملهم للمسؤوليات.
جاءت النتائج إيجابية إلى حد كبير؛ فقد كانت 83% من الأحداث الحياتية المؤثرة التي ذكرها المشاركون الشباب إيجابية بالكامل. وعندما طُلب من معظم الشباب تذكّر الأحداث والتجارب المهمة التي أثرت في حياتهم، لم يركزوا على الأزمات والقضايا العالمية المثيرة للقلق، مثل الحروب والأزمات الاقتصادية والأوبئة وتغير المناخ، أو على الصعوبات الشخصية التي مروا بها، بل ركزوا على تجارب يومية ذات معنى أسهمت في نموهم وتطورهم، مثل النجاح في الدراسة، وتكوين الصداقات، والاعتماد على النفس، واتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبلهم، وتحمل المسؤوليات، وخوض تجارب جديدة.
ومن أبرز التجارب التي تركت أثرًا في حياتهم: الأنشطة اليومية في المدرسة، والنجاح في برامج التدريب المهني، وبناء صداقات طويلة الأمد، واكتشاف العالم من خلال السفر، والانتقال من منزل الأسرة وبدء حياة مستقلة.
تكشف البيانات عن تطور لافت في أولويات الشباب مع تقدمهم في العمر. ففي مرحلة المراهقة المتوسطة، أي في سن 15 و17 عامًا تقريبًا، كان اهتمامهم يتركز بدرجة كبيرة على حياتهم اليومية في المدرسة، وما يرتبط بها من الدراسة والتعامل مع المعلمين والزملاء، إضافة إلى قضاء أوقات الفراغ في أنشطة مختلفة وتكوين صداقات مع أقرانهم. ومع بلوغهم العشرينيات من العمر وانتقالهم تدريجيًا إلى مرحلة الرشد، تغيّرت أولوياتهم لتشمل مواصلة التعليم، والالتحاق بسوق العمل، وبناء علاقات طويلة الأمد، والاعتماد على أنفسهم وتحمل مسؤولياتهم بدرجة أكبر.
للتعامل مع الكم الهائل من البيانات المستقاة من إجابات المشاركين، استخدم فريق البحث أساليب متقدمة وحديثة لمعالجة اللغة. وأتاحت هذه التقنية المتطورة للفريق تصنيف آلاف الإجابات التي صاغها المشاركون بحرية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على وجهات نظر الشباب كما عبّروا عنها بكلماتهم الأصلية.
وتحمل هذه الدراسة الرائدة دلالات مهمة لمستقبل التميز الأكاديمي لتطوير وتحقيق مستويات عالية من جودة التعليم والتحصيل العلمي وتصميم المؤسسات التعليمية في المستقبل لتنظيم المدارس والجامعات وبرامجها وخدماتها وبيئاتها التعليمية وجعل المدارس والجامعات أكثر دعمًا للطلاب، بحيث تلبي احتياجاتهم وتساعدهم على النمو والنجاح الأكاديمي والشخصي
فهي توضح أن الاستثمار المستمر في توفير بيئات تعليمية داعمة وشاملة وعالية الجودة يمكن أن يحقق فوائد كبيرة للنمو الشخصي والأكاديمي للجيل القادم. وعندما تعطي المدارس والجامعات الأولوية للإرشاد الطلابي الفعّال، وبيئات التعلم التعاونية، والانتقال السلس إلى مسارات التعليم والتدريب المهني، فإنها لا تقتصر على تعليم المناهج الدراسية، بل تسهم أيضًا في بناء الأسس التي تساعد الشباب على خوض حياة مُرضية وناجحة، ومساعدة الطلاب على مواجهة الصعوبات الدراسية أو الاجتماعية، وتسهيل انتقالهم من مرحلة تعليمية إلى أخرى أو من التعليم إلى العمل
في الوقت الذي تبحث فيه المؤسسات التعليمية في مختلف أنحاء أوروبا عن أساليب جديدة لتعزيز قدرة الطلاب على التكيف مع الصعوبات، تواصل زيورخ تقديم تجربة جديرة بالاهتمام. وتشير نتائج هذه الدراسة إلى أن البيئات اليومية الإيجابية قد تساعد الشباب على التعامل بصورة أفضل مع الضغوط الخارجية، كما تسلط الضوء على أهمية المقاربة السويسرية القائم على التنمية الشاملة للطلاب والتعليم المتوازن، والذي يُعد من النماذج البارزة في مجال التعليم.
