2026/05/26 | 0 | 175
كَرَامَةُ الْإِنْسَانِ لَيْسَتْ لُعْبَةَ أَطْفَالْ
إِنَّ مِنْ أَخْطَرِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَسَرَّبَ إِلَى الْمُجْتَمَعَاتِ بِهُدُوءٍ وَدُونِ ضَجِيجٍ ظَاهِرٍ، تِلْكَ السُّلُوكِيَّاتُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي يُسْتَهَانُ بِهَا فِي بَدَايَاتِهَا، ثُمَّ لَا تَلْبَثُ أَنْ تَتَحَوَّلَ مَعَ الزَّمَنِ إِلَى أَنْمَاطٍ رَاسِخَةٍ مِنَ الْقَسْوَةِ وَالتَّنَمُّرِ وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى الْآخَرِينَ. وَمِنْ أَكْثَرِ الْمَشَاهِدِ إِيلَامًا وَإِثَارَةً لِلْقَلَقِ مَا يُشَاهَدُ أَحْيَانًا مِنْ قِيَامِ بَعْضِ الْأَطْفَالِ أَوِ الْمُرَاهِقِينَ بِالتَّحَرُّشِ بِعُمَّالِ النَّظَافَةِ أَوِ الْعَمَالَةِ الْوَافِدَةِ فِي الطُّرُقَاتِ وَالْأَحْيَاءِ الْعَامَّةِ، مِنْ خِلَالِ الرَّمْيِ بِالْحِجَارَةِ، أَوِ السُّخْرِيَةِ، أَوِ الْمُطَارَدَةِ، أَوْ إِطْلَاقِ الْعِبَارَاتِ الْجَارِحَةِ، أَوْ مُمَارَسَةِ أَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنَ الِاسْتِفْزَازِ وَالْإِيذَاءِ النَّفْسِيِّ وَالْجَسَدِيِّ.
وَلَعَلَّ مَا يَزِيدُ هَذَا الْمَشْهَدَ إِيلَامًا أَنَّنِي كُنْتُ أَرَى وَأَرْقُبُ هَذِهِ الظَّاهِرَةَ الْمَقِيتَةَ قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ عَامًا، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْوَعْيَ الْمُجْتَمَعِيَّ وَالتَّطَوُّرَ التَّرْبَوِيَّ كَفِيلَانِ بِانْدِثَارِهَا مَعَ مُرُورِ الزَّمَنِ، فَإِذَا بِي أُفَاجَأُ بِبَقَائِهَا إِلَى الْيَوْمِ، وَكَأَنَّ الزَّمَنَ مَا زَالَ وَاقِفًا فِي مَكَانِهِ، وَكَأَنَّ بَعْضَ الْجِرَاحِ الْأَخْلَاقِيَّةِ الْقَدِيمَةِ لَمْ تَجِدْ مَنْ يُعَالِجُهَا عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ مَا تَغَيَّرَ حَوْلَنَا مِنْ مَظَاهِرِ الْحَيَاةِ وَتَفَاصِيلِهَا.
وَلِلتَّأْكِيدِ، فَإِنَّ ضَرْبَ الْمِثَالِ بِعُمَّالِ النَّظَافَةِ هُنَا إِنَّمَا جَاءَ لِكَوْنِ هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ أَكْثَرِ الصُّوَرِ وُضُوحًا وَتَكْرَارًا فِي الْمَشْهَدِ الْمُجْتَمَعِيِّ، وَإِلَّا فَإِنَّ الْمُشْكِلَةَ أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، وَتَشْمَلُ مُخْتَلَفَ أَنْوَاعِ الْعَمَالَةِ الْوَافِدَةِ بِمِهَنِهَا وَجِنْسِيَّاتِهَا الْمُتَعَدِّدَةِ، خُصُوصًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يُنْظَرُ إِلَيْهِمْ بِاعْتِبَارِهِمُ الْحَلَقَةَ الْأَضْعَفَ فِي الشَّارِعِ وَالْمُحِيطِ الْعَامِّ، كَالْكَثِيرِ مِنَ الْعُمَّالِ الْهُنُودِ وَالْبَنغَالِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُوَاجِهُونَ أَحْيَانًا سُلُوكِيَّاتٍ مُؤْذِيَةً قَائِمَةً عَلَى الِاسْتِعْلَاءِ أَوِ السُّخْرِيَةِ أَوِ الِاسْتِضْعَافِ.
وَهَذِهِ الظَّاهِرَةُ، وَإِنْ حَاوَلَ الْبَعْضُ اخْتِزَالَهَا فِي إِطَارِ "الْعَبَثِ الطُّفُولِيِّ" أَوْ "حَرَكَةِ الصِّغَارْ"، إِلَّا أَنَّهَا فِي حَقِيقَتِهَا مُؤَشِّرٌ تَرْبَوِيٌّ وَاجْتِمَاعِيٌّ خَطِيرٌ، يَكْشِفُ عَنْ خَلَلٍ أَعْمَقَ مِنْ مُجَرَّدِ تَصَرُّفٍ عَابِرٍ. فَالطِّفْلُ لَا يُولَدُ مُحْتَقِرًا لِلنَّاسِ، وَلَا مُتَلَذِّذًا بِإِيذَائِهِمْ، وَإِنَّمَا يَكْتَسِبُ ذَلِكَ مِنْ بِيئَتِهِ، وَمِنْ طَرِيقَةِ التَّرْبِيَةِ، وَمِنْ حَجْمِ الْمُتَابَعَةِ الْأُسَرِيَّةِ، وَمِنْ طَبِيعَةِ الْخِطَابِ الَّذِي يَسْمَعُهُ وَيَرَاهُ فِي الْمَنْزِلِ وَالْمُحِيطِ الْعَامِّ.
إِنَّ أَخْطَرَ مَا فِي هَذِهِ السُّلُوكِيَّاتِ أَنَّهَا تُنَمِّي فِي الطِّفْلِ شُعُورَ الِاسْتِقْوَاءِ عَلَى الضَّعِيفِ، وَتَغْرِسُ فِي دَاخِلِهِ مَفْهُومًا مُشَوَّهًا لِلْقُوَّةِ وَالرُّجُولَةِ، يَقُومُ عَلَى الْإِهَانَةِ وَالتَّسَلُّطِ وَالتَّعَدِّي عَلَى مَنْ لَا يَمْلِكُ الْقُدْرَةَ عَلَى الرَّدِّ أَوِ الدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِهِ. وَحِينَ يَعْتَادُ الطِّفْلُ الضَّحِكَ عَلَى آلَامِ الْآخَرِينَ، أَوْ يَجِدُ التَّشْجِيعَ الضِّمْنِيَّ عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمُمَارَسَاتِ، فَإِنَّهُ يَفْقِدُ تَدْرِيجِيًّا حِسَّ الرَّحْمَةِ وَالتَّعَاطُفِ، وَيَتَحَوَّلُ الْأَمْرُ مَعَ مُرُورِ الزَّمَنِ إِلَى اسْتِعْدَادٍ نَفْسِيٍّ لِمُمَارَسَةِ الْعُنْفِ وَالتَّنَمُّرِ فِي مَرَاحِلَ عُمْرِيَّةٍ لَاحِقَةٍ.
وَلَا تَقِفُ آثَارُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ عِنْدَ حُدُودِ الطِّفْلِ الْمُعْتَدِي أَوْ أُسْرَتِهِ، بَلْ تَمْتَدُّ لِتَتْرُكَ جُرُوحًا نَفْسِيَّةً عَمِيقَةً لَدَى الْعَمَالَةِ الْوَافِدَةِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ يَتَعَرَّضُونَ لِهَذِهِ الْإِسَاءَاتِ بِصُورَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ. فَالْعَامِلُ الَّذِي يُغَادِرُ وَطَنَهُ وَأَهْلَهُ طَلَبًا لِلرِّزْقِ وَتَحْسِينِ مَعِيشَةِ أُسْرَتِهِ، ثُمَّ يَجِدُ نَفْسَهُ هَدَفًا لِلسُّخْرِيَةِ وَالْإِهَانَةِ وَالِاعْتِدَاءِ فِي الشَّارِعِ، يَعِيشُ حَالَةً مِنَ الِانْكِسَارِ النَّفْسِيِّ وَالشُّعُورِ بِالْغُرْبَةِ وَفَقْدَانِ الْكَرَامَةِ. وَبَعْضُ هَؤُلَاءِ قَدْ يَتَحَمَّلُونَ الْإِيذَاءَ بِصَمْتٍ خَوْفًا مِنْ فَقْدَانِ أَعْمَالِهِمْ أَوْ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلَى الْمُوَاجَهَةِ، بَيْنَمَا تَتَرَاكَمُ فِي دَاخِلِهِمْ مَشَاعِرُ الْأَلَمِ وَالْمَهَانَةِ وَالْقَلَقِ وَفَقْدَانِ الْأَمَانِ.
بَلْ إِنَّ تَكْرَارَ هَذِهِ الْمُمَارَسَاتِ يَخْلُقُ لَدَيْهِمْ صُورَةً سَلْبِيَّةً عَنِ الْمُجْتَمَعِ بِأَسْرِهِ، وَيَزْرَعُ فِي نُفُوسِهِمْ شُعُورًا بِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُرَحَّبٍ بِهِمْ أَوْ أَنَّهُمْ أَقَلُّ قِيمَةً مِنْ غَيْرِهِمْ، وَهُوَ أَمْرٌ بَالِغُ الْخُطُورَةِ أَخْلَاقِيًّا وَإِنْسَانِيًّا. فَلَيْسَ مِنَ الْعَدَالَةِ أَنْ يَأْتِيَ إِنْسَانٌ لِيَعْمَلَ وَيَخْدِمَ الْمُجْتَمَعَ، ثُمَّ يُقَابَلَ بِالْإِهَانَةِ بَدَلَ الِاحْتِرَامِ، أَوْ بِالْخَوْفِ بَدَلَ الطُّمَأْنِينَةِ.
كَمَا أَنَّ لِهَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ آثَارًا مُجْتَمَعِيَّةً تَتَجَاوَزُ حُدُودَ الْعَامِلِ الْمُتَضَرِّرِ نَفْسِهِ. فَالْمُجْتَمَعُ الَّذِي يَسْمَحُ بِانْتِشَارِ ثَقَافَةِ الْإِهَانَةِ وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى أَصْحَابِ الْمِهَنِ الْبَسِيطَةِ، يُهَدِّدُ فِي الْحَقِيقَةِ مَنْظُومَةَ الْقِيَمِ فِيهِ، وَيَصْنَعُ جِيلًا قَدْ يَتَعَامَلُ مُسْتَقْبَلًا مَعَ الْإِنْسَانِ عَلَى أَسَاسِ طَبَقَتِهِ أَوْ جِنْسِيَّتِهِ أَوْ ضَعْفِهِ، لَا عَلَى أَسَاسِ كَرَامَتِهِ الْإِنْسَانِيَّةِ. وَهَذِهِ مِنْ أَخْطَرِ صُوَرِ الِانْحِدَارِ الْأَخْلَاقِيِّ الَّتِي قَدْ تُصِيبُ الْمُجْتَمَعَاتِ مِنْ حَيْثُ لَا تَشْعُرُ.
وَمِنَ النَّاحِيَةِ الْقَانُونِيَّةِ وَالنِّظَامِيَّةِ، فَإِنَّ الِاعْتِدَاءَ عَلَى الْآخَرِينَ، لَفْظِيًّا كَانَ أَوْ جَسَدِيًّا، لَا يُعَدُّ سُلُوكًا عَابِرًا يُمْكِنُ التَّغَاضِي عَنْهُ، بَلْ هُوَ فِعْلٌ مَرْفُوضٌ يَسْتَوْجِبُ الْمُسَاءَلَةَ، لِأَنَّ الْأَنْظِمَةَ وُجِدَتْ لِحِمَايَةِ الْإِنْسَانِ وَصَوْنِ كَرَامَتِهِ وَأَمْنِهِ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ جِنْسِيَّتِهِ أَوْ مِهْنَتِهِ أَوْ وَضْعِهِ الِاجْتِمَاعِيِّ. كَمَا أَنَّ التَّهَاوُنَ مَعَ هَذِهِ السُّلُوكِيَّاتِ فِي مَرَاحِلِهَا الْأُولَى يَفْتَحُ الْبَابَ أَمَامَ تَفَاقُمِهَا وَتَحَوُّلِهَا إِلَى مُمَارَسَاتٍ أَكْثَرَ خُطُورَةً وَعُدْوَانِيَّةً فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
أَمَّا مِنَ النَّاحِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِيَّةِ، فَإِنَّ "مَدْرَسَةَ أَهْلِ الْبَيْتِ(عَلَيْهِمُ السَّلَامُ)" قَامَتْ عَلَى تَعْظِيمِ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ وَاحْتِرَامِهِ، وَالتَّحْذِيرِ الشَّدِيدِ مِنْ ظُلْمِ النَّاسِ أَوِ احْتِقَارِهِمْ أَوِ التَّعَدِّي عَلَيْهِمْ. فَقَدْ وَرَدَ عَنْ "أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(عَلَيْهِ السَّلَامُ)" قَوْلُهُ: «النَّاسُ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، أَوْ نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ»، وَهِيَ قَاعِدَةٌ أَخْلَاقِيَّةٌ عَظِيمَةٌ تُسْقِطُ كُلَّ مُبَرِّرَاتِ التَّمْيِيزِ وَالِاسْتِعْلَاءِ وَالْإِهَانَةِ. كَمَا أَنَّ الرِّوَايَاتِ الشَّرِيفَةَ شَدَّدَتْ عَلَى حُرْمَةِ أَذِيَّةِ الْمُؤْمِنِ وَغَيْرِ الْمُؤْمِنِ، وَاعْتَبَرَتْ ظُلْمَ النَّاسِ وَالتَّعَدِّي عَلَيْهِمْ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ سُقُوطِ الْقِيَمِ وَانْعِدَامِ الْبَرَكَةِ مِنَ الْمُجْتَمَعَاتِ.
وَمِنَ الْمُؤْلِمِ حَقًّا أَنْ يَتَحَوَّلَ بَعْضُ مَنْ يَقُومُونَ بِخِدْمَةِ الْمُدُنِ وَتَنْظِيفِ الشَّوَارِعِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ إِلَى أَهْدَافٍ لِلسُّخْرِيَةِ وَالْإِهَانَةِ بَدَلًا مِنْ أَنْ يُقَابَلُوا بِالِاحْتِرَامِ وَالتَّقْدِيرِ. فَهَؤُلَاءِ يُمَارِسُونَ أَعْمَالًا شَاقَّةً يَحْتَاجُهَا الْجَمِيعُ، وَأَقَلُّ مَا يَجِبُ تُجَاهَهُمْ هُوَ حِفْظُ كَرَامَتِهِمْ وَصَوْنُ إِنْسَانِيَّتِهِمْ.
وَهُنَا تَبْرُزُ الْمَسْؤُولِيَّةُ الْكُبْرَى لِلْأُسْرَةِ، بِوَصْفِهَا الْجِهَةَ الْأُولَى الَّتِي تُشَكِّلُ وَعْيَ الطِّفْلِ وَسُلُوكَهُ وَنَظْرَتَهُ إِلَى النَّاسِ. فَالْأُسْرَةُ لَيْسَتْ مُطَالَبَةً فَقَطْ بِتَوْفِيرِ الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ وَالتَّعْلِيمِ، بَلْ هِيَ مَسْؤُولَةٌ قَبْلَ ذَلِكَ عَنْ بِنَاءِ الضَّمِيرِ، وَتَقْوِيمِ الْأَخْلَاقِ، وَتَعْلِيمِ الطِّفْلِ مَعْنَى الِاحْتِرَامِ وَحُدُودِ التَّعَامُلِ مَعَ الْآخَرِينَ. وَالْخَطَأُ الْكَبِيرُ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ بَعْضُ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ هُوَ الِاتِّكَالُ عَلَى ظَاهِرِ سُلُوكِ الطِّفْلِ دَاخِلَ الْمَنْزِلِ، أَوِ الثِّقَةُ الزَّائِدَةُ بِأَنَّهُ "مُؤَدَّبٌ" لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ هَادِئٌ أَمَامَهُمْ، بَيْنَمَا قَدْ يُمَارِسُ خَارِجَ رِقَابَتِهِمْ سُلُوكِيَّاتٍ مُخْتَلِفَةً تَمَامًا.
إِنَّ التَّرْبِيَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَقُومُ عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ الْمُجَرَّدِ، بَلْ عَلَى الْمُتَابَعَةِ وَالْمُرَاقَبَةِ وَالتَّقْوِيمِ الْمُسْتَمِرِّ، وَمَعْرِفَةِ الْأَصْدِقَاءِ، وَمُلَاحَظَةِ طَرِيقَةِ الْحَدِيثِ، وَالِانْتِبَاهِ إِلَى الْأَلْفَاظِ الَّتِي يُرَدِّدُهَا الطِّفْلُ، وَكَيْفِيَّةِ تَعَامُلِهِ مَعَ الضُّعَفَاءِ وَالْعَامِلِينَ وَمَنْ هُمْ أَقَلُّ مِنْهُ قُدْرَةً أَوْ مَكَانَةً. فَهُنَاكَ فَرْقٌ كَبِيرٌ بَيْنَ طِفْلٍ يَخَافُ مِنْ وَالِدِهِ، وَطِفْلٍ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ وَازِعًا أَخْلَاقِيًّا يَمْنَعُهُ مِنَ الْخَطَإِ حَتَّى فِي غِيَابِ الرِّقَابَةِ.
كَمَا أَنَّ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَى الْأُسْرَةِ أَنْ تُشْعِرَ أَبْنَاءَهَا بِأَنَّ احْتِرَامَ النَّاسِ لَيْسَ تَفَضُّلًا مِنْهُمْ، بَلْ وَاجِبٌ دِينِيٌّ وَأَخْلَاقِيٌّ وَإِنْسَانِيٌّ. وَأَنْ تُعَوِّدَهُمْ عَلَى الشُّكْرِ، وَالرَّحْمَةِ، وَالتَّوَاضُعِ، وَعَدَمِ السُّخْرِيَةِ مِنَ الْمِهَنِ أَوِ الْجِنْسِيَّاتِ أَوِ اللَّهَجَاتِ أَوِ الْمَظَاهِرِ. فَالطِّفْلُ الَّذِي يُرَبَّى عَلَى احْتِرَامِ الْإِنْسَانِ سَيَكْبُرُ وَهُوَ يَحْمِلُ قِيمَةَ الْإِنْسَانِ، لَا قِيمَةَ الْمَصْلَحَةِ أَوِ الْقُوَّةِ أَوِ الِاسْتِعْلَاءِ.
إِنَّ الْمُجْتَمَعَاتِ الرَّاقِيَةَ لَا تُعْرَفُ فَقَطْ بِتَطَوُّرِ عُمْرَانِهَا أَوْ جَمَالِ شَوَارِعِهَا، بَلْ تُعْرَفُ أَوَّلًا بِطَرِيقَةِ تَعَامُلِهَا مَعَ الْإِنْسَانِ، خُصُوصًا الْإِنْسَانِ الضَّعِيفِ أَوِ الْبَسِيطِ أَوِ الْغَرِيبِ. وَكُلُّ سُلُوكٍ يُمَارَسُ ضِدَّ هَذِهِ الْفِئَاتِ ثُمَّ يُبَرَّرُ أَوْ يُسْتَهَانُ بِهِ، إِنَّمَا هُوَ ثُقْبٌ صَغِيرٌ فِي جِدَارِ الْأَخْلَاقِ، قَدْ يَتَّسِعُ مَعَ الْأَيَّامِ حَتَّى يُصْبِحَ أَزْمَةً يَصْعُبُ احْتِوَاؤُهَا.
وَلِهَذَا فَإِنَّ مُعَالَجَةَ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُرْبَطَ بِانْتِظَارِ اكْتِمَالِ جَمِيعِ عَنَاصِرِ الْحَلِّ أَوْ تَحَرُّكِ جَمِيعِ الْجِهَاتِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ الْإِصْلَاحَ الْحَقِيقِيَّ يَبْدَأُ مِنَ الْفَرْدِ نَفْسِهِ، وَمِنَ الْبَيْتِ، وَمِنَ الدَّائِرَةِ الْقَرِيبَةِ الْمُحِيطَةِ بِنَا. فَكُلُّ أَبٍ وَأُمٍّ قَادِرَانِ عَلَى أَنْ يَبْدَآ مِنَ الْيَوْمِ فِي مُرَاجَعَةِ سُلُوكِ أَبْنَائِهِمَا، وَتَصْحِيحِ مَفَاهِيمِهِمْ، وَمُتَابَعَةِ تَصَرُّفَاتِهِمْ فِي الْبَيْتِ وَالشَّارِعِ وَالْمَدْرَسَةِ وَالْمُحِيطِ الْعَامِّ. وَكُلُّ إِنْسَانٍ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُوَاجِهَ هَذِهِ السُّلُوكِيَّاتِ بِالنُّصْحِ وَالتَّوْجِيهِ وَالرَّفْضِ وَعَدَمِ التَّهَاوُنِ.
إِنَّ انْتِظَارَ اكْتِمَالِ الْحُلُولِ الْكُبْرَى قَبْلَ الْقِيَامِ بِالْوَاجِبِ التَّرْبَوِيِّ وَالْأَخْلَاقِيِّ لَيْسَ سِوَى صُورَةٍ أُخْرَى مِنْ صُوَرِ الْهُرُوبِ مِنَ الْمَسْؤُولِيَّةِ. فَالْمُجْتَمَعَاتُ لَا تَتَغَيَّرُ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا تَتَغَيَّرُ حِينَ يَبْدَأُ كُلُّ بَيْتٍ بِإِصْلَاحِ نَفْسِهِ، وَكُلُّ أُسْرَةٍ بِمُرَاقَبَةِ أَبْنَائِهَا، وَكُلُّ فَرْدٍ بِالشُّعُورِ بِمَسْؤُولِيَّتِهِ تُجَاهَ مَا يَرَاهُ مِنْ أَخْطَاءٍ وَانْحِرَافَاتٍ.
وَلِهَذَا فَإِنَّ مُعَالَجَةَ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ بِرُدُودِ فِعْلٍ مُؤَقَّتَةٍ، بَلْ عَبْرَ مَشْرُوعٍ تَرْبَوِيٍّ مُتَكَامِلٍ تُشَارِكُ فِيهِ الْأُسْرَةُ وَالْمَدْرَسَةُ وَالْإِعْلَامُ وَالْمُؤَسَّسَاتُ الدِّينِيَّةُ وَالْمُجْتَمَعِيَّةُ، لِإِعَادَةِ تَرْسِيخِ قِيَمِ الرَّحْمَةِ وَالِاحْتِرَامِ وَالِانْضِبَاطِ، وَبِنَاءِ جِيلٍ يُدْرِكُ أَنَّ كَرَامَةَ الْإِنْسَانِ لَيْسَتْ مَحَلَّ عَبَثٍ أَوْ تَسْلِيَةٍ أَوِ اسْتِعْرَاضِ قُوَّةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ قِيمَةٌ مُقَدَّسَةٌ تَحْفَظُ لِلْمُجْتَمَعِ إِنْسَانِيَّتَهُ وَتَوَازُنَهُ وَاسْتِقْرَارَهُ.
جديد الموقع
- 2026-05-26 أفراح الناجم والعبدالعزيز تهانينا
- 2026-05-26 التفكير الهادئ مفتاح الحلول الذكية
- 2026-05-26 العقل القلبي
- 2026-05-26 الحجّ… رحلةُ الروح قبل الجسد
- 2026-05-25 الشاعر جاسم الصحيح يفتح أبواب تجربته الشعرية والفلسفية لـ “الجزيرة الثقافية”: الشاعر سفّاح الكلمات ومنقذها في الوقت ذاته
- 2026-05-25 قراءة في كتاب الأمراض الأخلاقية
- 2026-05-25 اليأس
- 2026-05-25 حلاوة الشعور بالقبول مقابل مرارة الشعور بالرفض الاجتماعي
- 2026-05-25 عدد ولادات المرأة مؤشر تنبؤي على انخفاض احتمال اصابتها بالسكتة أو الاحتشاءات الدماغية، بحسب المركز الصحي الأكاديمي التابع لجامعة تكساس
- 2026-05-24 في مِحرابِ المودة: حينَ أهداني حسين وحسن نبضَ الحياة