2026/05/25 | 0 | 52
قراءة في كتاب الأمراض الأخلاقية
مع كتاب كانت الأمراض الأخلاقية – نظرة جديدة في عوامل السقوط -. للمؤلف / فوزي بن المرحوم محمد تقي آل سيف، الطبعة الأولى 1442 هـ / 2021م.
المجالس بالخيانة أو بالأمانة؟
من جملة الآثار السيئة لصفة الخيانة: خيانة الأسرار بإفشائها، وخيانة المجالس الخاصة. ذلك أن حياة الناس متداخلة وهذا يقتضي أن يشترك الإنسان مع أخيه الإنسان في كثير من الحالات في العمل، وفي الاجتماعات العائلية، والسفر، كما يرتبط البعض بالبعض الآخر بصداقات قد تمتد أزمنة طويلة وهكذا.. طبيعة هذا الاشتراك تتيح أن يطلع كل من الطرفين على شؤون الطرف الآخر وخصوصياته وأسراره، مما قد لا يطلع عليها غيره.
فقد يشترك معه في سفر ويكتشف أخلاقه من عنف ورحمة، وبخل وجود، وتدين وتهتك.. وهكذا، وقد يكون معه في هيئة اجتماعية أو حركة سياسية ويطلع على أفكاره وآرائه بالنسبة للوضع العام رأيه في السلطة، والناس، والشخصيات والجهات المختلفة مما قد يحرص صاحب هذه الآراء على ألا تعرف عنه، ولا تنشر. لما قد يستتبعها من ضرر مادي أو معنوي أو بدني!.
بل قد يكون طبيبا ويأتي شخص فيبوح له بأمراضه البدنية ليعالجها، أو بدخيلة نفسه وأسرار عائلته - لو كان طبيباً نفسياً - ومشاكله الخاصة، مما لا يحب أن يعرف الآخرون ولكنه محتاج لخبرة الطبيب ومثله أحيانًا المستشار وعالم الدين الذين قد يضع البعض كامل ثقته فيه فيفضي إليه بما يهمه!
والمفروض هنا أن كل هذه الأمور يمكن أن يطلق عليها أنها أمانة وأن الشخص الذي حصل عليها هو مؤتمن عليها فينبغي أن يلتزم بما جاء فى كتاب الله: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27]. إلا أن البعض قد يلجأ إلى الطريق الخاطئ، فيخونون هذه الأسرار، ويكشفونها، إما على سبيل الابتزاز والتهديد بأنه إما أن يحقق الضحية للمبتز مصالح معينة كالمال مثلا أو غيره، وإما أن يكشف معلوماته التي يضره كشفها أو حتى لو لم يكن لأجل الابتزاز وإنما لأجل تحطيم شخصيته ووجوده الاجتماعي!.
وفي كثير من الأحيان توظف الجهات السياسية هذا الأمر في الايقاع بين الناس بمعنى أنها تستقطب شخصا كان مع جماعة معينة وتغريه بالمال أو المنصب لو تكلم عن خصوصيات تلك الجماعة أو تشتري منه جهة ما ـ بهذا العنوان ـ حقوق مذكراته السياسية أو الاجتماعية - فيكتب هذا وتنشر تلك أن فلانا فعل كذا، أو قال كذا! وأحيانا يرتب الأثر على هذه الكتابات بسجن فلان، أو تهديم شخصيته أو غير ذلك!.
هذه من خيانة الأمانة ومن خيانة المجالس! فمن الذي سمح لك بأن تنقل عني كلاما لا أرغب في نقله؟ ومن الذي أجاز لك ذلك؟ لا سيما وهو يسبب أذيتي أو أذية أهلي؟ لو أراد إنسان أن ينقل عن حياته ما شاء من حسن وسيء فقد لا يعاتبه أحد ولا يعترضه غيره، أما أن ينقل أن فلانًا أخذ شيئًا مني أو قال كلامًا هو كذا وكذا! أو فعل هذا الفعل، فلا يخلو أن ينطبق عليه أحد العناوين من الافتراء ـ لو كان النقل كاذبًا -أو الغيبة لو كان صحيحا وكان يسيء للمنقول عنه أو هو من عناوين أذية المسلم لو كان يحقق له تلك الأذية!
هل يقتصر الأمر على المجالس بعنوان الخاص:
ويظهر أنه لا توجد خصوصية للمجلس بعنوانه المحدد، بل يشمل الحكم المكالمات الهاتفية والمكاتبة بين الأفراد. فلو كلمه مكالمة تلفونية، وسجلها الآخر صوتيا فهل يجوز له أن ينشرها مثلا على الإنترنت؟. لا يجوز ذلك إذا كان ذلك الحديث مما يكتمه صاحبه ولا يرضى بنشره ما لم يدخل ضمن العناوين السابقة المستثناة.
ومما سبق يتبين أنه يدخل في هذا الإطار من منع إفشاء الخصوصيات، كل من له طريق إلى الاطلاع على أسرار الناس ولا يرضون بإفشائها فالطبيب، وهو مطلع عادة على أسرار الناس من الناحية البدنية، فقد يأتيه شخص مثلا وعنده مرض في المسالك البولية أو القدرة الجنسية، مما يكره المريض إعلانه وإفشاءه، فلا يصح من الطبيب أن يعلن عنه في المجتمع، وفي جلساته! بل حتى في غير هذه الأمراض!
وكتمان ما يرتبط بمرض المريض أصبح بروتكولا يقسم عليه الأطباء، منذ أن ورد - كما قيل - في قسم أبو قراط إلى أيامنا المعاصرة.
بل قد يشمل سائر الموارد التي يكره المؤمن الاعلان عنها، مثلما لو كان لدى شخص اطلاع على الحساب المالي لآخر مثل من يعملون في حسابات البنوك، فلا يكون من السائغ أن يكشف ذلك للآخرين وهكذا مثل العالم الذي يجري حساب الخمس لهذا الشخص أو ذاك، فيقوم بالإخبار عنه بأنه يملك من الأموال كذا وكذا!
ولا يتحدد الأمر بأمراض الإنسان أو أمواله، بل يشمل مشاكله وقضاياه، فلو أخبرني شخص - باعتباري مثلا مستشارًا اجتماعيا أو أخصائيا نفسيا - عن مشكلة نفسية عنده، أو أزمة بينه وبين زوجته، أو غير ذلك فلا يسوغ لي أن أكشفها لآخرين إذا كان لا يرضى بذلك، ما لم يأت عنوان آخر مسوغ للكشف والإخبار! نعم، ربما ولأجل نشر الفائدة أو التحذير من المشاكل، يمكن أن يعمم الموجه التربوي أو الخطيب الاجتماعي المثال، ويحذف الخصوصيات المعرّفة بأشخاص المشكلة، ويتحدث عنها لكي يحذر الناس، وهذا ما قيل أن رسول الله (ص). كان يصنعه، فإنه إذا أراد أن يحذر من انحراف أو مشكلة اجتماعية، كان يقول: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا.
وأسوأ من كل ذلك ما إذا قام أحد الشريكين الزوجين بكشف وإفشاء خصوصيات الشريك الآخر؛ ولا سيما إذا حصل بينهما الفراق والطلاق! فإنه يشير إلى وضاعة نفس الكاشف و المفشي ! كيف يصنع ذلك وقد ائتمنته على ما لا يؤتمن غير الزوج ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 21]، وهكذا لو انعكست الآية فقامت هي بنشر أسرار زوجها الخاصة!
جديد الموقع
- 2026-05-25 الشاعر جاسم الصحيح يفتح أبواب تجربته الشعرية والفلسفية لـ “الجزيرة الثقافية”: الشاعر سفّاح الكلمات ومنقذها في الوقت ذاته
- 2026-05-25 اليأس
- 2026-05-25 حلاوة الشعور بالقبول مقابل مرارة الشعور بالرفض الاجتماعي
- 2026-05-25 عدد ولادات المرأة مؤشر تنبؤي على انخفاض احتمال اصابتها بالسكتة أو الاحتشاءات الدماغية، بحسب المركز الصحي الأكاديمي التابع لجامعة تكساس
- 2026-05-24 في مِحرابِ المودة: حينَ أهداني حسين وحسن نبضَ الحياة
- 2026-05-24 (الأحساء لوحة فنية)
- 2026-05-24 دنيا أبوطالب تُهدي السعودية فضية آسيا
- 2026-05-24 *ليلة استثنائية يوقع الضيف كتابه في أبعاد**
- 2026-05-24 في احتفال خريجي جامعة البترول والمعادن بالظهران : أب وابنه يحصلان على درجة الماجستير
- 2026-05-23 الشاب فراس المحمد صالح ينال شهادة الباكلوريس مع مرتبة الشرف من جامعة حائل تهانينا