2013/02/28 | 1 | 8461
من الذاكرة الأحسائية : الرق و العبودية .
اقتناء العبيد :
كان اقتناء العبيد شائعا لدى الحكّام و رؤساء القبائل و التجّار و الأثرياء و العمد ّ, و يقلّ و يزداد مع حال البلد الاقتصادية , فيزداد مع الانتعاش و ينكمش في سنوات المحل .
و يعود انكماش عددهم إلى أن المالك يكون مسؤولا عن إعاشة المملوك ,بينما اقتصاديا يمكنه أن يوكل الكثير من الأعمال لعمالة محلّية رخيصة و متوفرة دون الالتزام بما يجب أن يوفّره للرقيق .
- سوق العبيد :
يقول الحاج علي المرزوق – أبو سعيد- ( أدركت تلك السنوات , فحينما يعلن عن جلب العبيد , كان الناس يذهبون للتفرّج , أو السوم , و كانوا يعرضون خارج السور من الناحية الشمالية من الفريج الشمالي للهفوف , - القريبة الآن من نقب رسيول قبل أن يثقب في السور , فكانوا يوقفون سطرا , و عليهم الأردية , رجالا و نساء , كان المشتري , يتفرّج و يفحص سلامة بدن العبد و يفتح فمه و, تعرف المرأة إن كانت بكرا أو ثيّبا ...و للأسف كان الرقيق يفحص كما الأبقار أو غيرها عند الشراء !!)
و كانت الأمة تُستشار وقت البيع لضمان عدم امتناعها عن العمل أو التسرّي , و يروي الحاج علي بن أحمد السلمان العلي , ( أنّه جاء رجل كبير في السنّ وسأل الجارية المعروضة للبيع , هل تريديني , سأدللك و سأكسوك , و البسك الجواهر , فامتنعت و قالت أريد شابا !!)
- مصادر العبيد :
قد يتبادر للذهن عند ذكر العبيد أن المصدر الوحيد للعبيد كان أفريقيا السوداء فقط , و إن كان العبيد السود يشكّلون الأكثرية , إلا أن هناك مصادر أخرى أيضا كبلوشستان , بلاد الكرج – روسيا الاتحادية حاليا – و بلدان وسط آسيا .
حيث كانت هذا النوع من الرقيق يحمل إلى موانيء مثل كراتشي و بومبي في الهند , أو بندر عباس , بو شهر في إيران , و مسقط و غيرها على الخليج .
أما الرقيق الأفريقي فكان من مراكز تصديره المهمّة زنجبار .
فيجلبون إلى ميناء العقير , أو يأتون في قوافل , عبر البرّ تخرج من عمان , تمرّ عبر البريمي و تجلب إلى الأحساء .
و كان نقل العبيد يحاط بنوع من التخفّي , حيث أنه كان تجارة ممنوعة في كثير من الدول الكبرى و على رأسها أنجلترا حينها , بل أنّ القضاء على الرقّ كان من ضمن الذرائع التي تتخذها بعض الدول الاستعمارية للتدخّل في الدول الإسلامية حينها .
- اصطياد العبيد :
ذكر الأخ الحاج حسين بن موسى السليمان , أنه ألتقى بأحد المعتوقين , قبل حوالي أربعين سنة و كان المعتوق هذا في قرابة الستين من عمره , و ذكر له , كيفية اصطياده من موطنه في الساحل الشرقي الإفريقي , حيث كان الخاطفون يقوون بشوي كميات من شحوم الحيوانات , فتجتذب رائحة الشواء الأطفال الموجودين في الجوار , فيقتنصهم الخاطفون , و يحملونهم في قوارب صغيرة , توصلهم للسفينة الكبيرة المعدّة لنقلهم لأسواق النخاسة .
و قد يقع في شرك العبودية حتى بعض أبناء العرب , كأن يستأجر صبي صغير للعمل فيسافر مع رب عمله , فيعمد ربّ العمل هذا لبيعه في أحد الأسواق المشهورة كسوق مسقط مثلا , و قد روى لي أحد الآباء أن صبيا أحسائيا , حدث له أمر من هذا القبيل , فتعرّف عليه أحد تجّار عائلة القصيبي المعروفين أثناء نزوله في مسقط , وسعى لعتقه بشرائه من الرجل الذي اشتراه .
- مستوردون و تجّار :
لقد عرف سوق الرقيق , الكثير من مستوردي العبيد , كانت هذه التجارة تمثل إما اختصاصا أو جزء من نشاط أحدهم .
و كان إبن دايل ( تاجر نجدي ) من أهم تجار الجزيرة العربية في الرقيق , و عرف في الأحساء التاجر عبد العزيز العجيّان ( له أنشطة عديدة منها استيراد الأقمشة من إيران ) و عيسى العبد العظيم ( له أنشطة عديدة و تجارة مع عمان منها الهيز* و العبيد والتوابل ) , و رجل من آل مرّة , ورجل من قبيلة العوازم , و
و كان هناك دلاّل في سوق الأحساء , يسمّى بن قاسم ( مسؤول عن اقتياد العبيد ) و وضعهم في بيت لتحضيرهم للبيع , في السوق .
كان الرقيق من أصحاب المواصفات المرغوبة في الغالب , يصطفون و لا يعرضون في السوق , لذا كانوا يعرضون بشكل منفرد على التجار كي يحصلوا على قيم مجزية , أو قد ينقلون لمناطق أخرى إن لم يحصلوا على السعر المناسب لهم .
- أعمال الرقيق :
كان الرقيق عادة يستخدمون في الأعمال المنزلية , في خدمة أرباب المجالس و تقديم القهوة , إعدادها .
و كذلك النساء منهم في الطبخ و تنظيف البيت , حلب الأبقار و العناية بحيوانات المنزل .
كما يقوم بمساعدة رب البيت في أعماله , فكان ملاك النخيل منهم يدرّب رقيقه للقيام بأعمال النخيل كالسقي والتنبيت ( و التأبير ) و التسحيت ( نضد الشوك من السعف ) و البطاط ( جذّ الكرب القديم , هو مهارة متقدّمة ) و غيرها , و قد تفوّق بعضهم في ذلك الأمر كبعض رقيق الشيخ عمران السليم رحمه الله .
وكان بعض التجار يسند لرقيقه أعمال التحميل و التنزيل , و قد يتولّى بعد فترة حتى عمليات البيع و الشراء .
و كما كان البدو يسندون بعض الأعمال التي يحتاجونها كالرعي و الاحتطاب و جلب الماء .
- معاملة الرقيق :
في الغالب يقيم الرقيق في منزل ربّ العمل لذا , فلهم أحكام خاصّة فغي مسألة التحجّب عنهم إن كانوا رجالا , أو نساء تختلف عن أحكام الأحرار .
و في الغالب لم تكن معاملتهم عنيفة كما قد يتبادر لذهن الكثير من الناس , فالرجل المحسن في الغالب , مسؤول عن إطعامه و كسوته , و قد يكون له حظوة , فيحسن له عند كبر سنّه , و قد يعامل معاملة حسنة , أمّا المرأة خاصة إذا كان لها دور في تربية أبناء البيت , فتعامل معاملة الأمّ إذا كبرت .
و قد كان عتق العبيد من أعمال البرّ الشائعة , فقد يعتق المالك عبده لوجه الله , أو يوصي بعتقه بعد وفاته , و عند العتق , يدفع له رأس مال أو يمنح قطعة من النخيل أو بيت للسكنى لضمان عدم ضياعه بعد عتقه .
و بعض العبيد قد يفوّض من سيده فيكون مضيافا يستقبل الضيوف ( يقلّط الرجال )!! و يدعوهم لبيت سيّده ..
يقول - الشيخ حسن بن علي البقشي - بومنير - ( كان في فريجنا عبد يسمّى ( مرزوق ) يملكه التاجر النجدي عبد ربّه آل الشيخ *.. كان يقف و عند السلام عليه يرحّب جدا و يدعو المُسَلّم للقهوة .. بإصرار . حيّاك الله تقهوى....)
و قد ذكر الأستاذ أمير الرمل هذه الحكاية التي سمعها من المعمّر الحاج عبدالله القرقوش ( رحمه الله ) :
أنه في أحد الأسواق الشعبية اجتمع بعض صبيان ( أجراء عمدة القارة ) رحمه الله ) , عند حراج ( مزايدة ) على كمية من البطيخ الحساوي , و كان هناك و كلّما اقتربت المزايدة إلى أن تكون من نصيبهم , كانت هناك امرأة تزايد عليهم , فقصدوها قائلين :
عمنا السيد عنده ضيوف , ومحتاجين البطيخ !
فردّت عليهم :
و عمّي عنده ضيوف أيضا ( كان سيدها هو الشيخ علي بن خميس , عمدة بلدة الحليلة )
فزايدت مرّة أخرى , وأخذت البطيخ في القاري معها !
و هذه القصّة تبيّن أنّ الأمة ربما تمتّعت بقدر كبير من التصّرف , في شؤون المنزل إذا اعتمد عليه كأحد أفراد العائلة .
و قد أشار لي أكثر من شخص إلى قوة شخصية هذه المرأة و عنفوانها , وثقتها بنفسها , مضافا لعفّتها و رزانتها .
و في الغالب يلتزم الرقيق بحسن مخاطبة سيّده فيخاطبه ب( عمّي ) أو سيدة البيت ب( عمتي ) و الأولاد ب( عمي فلان ) أو البنات ( عمتي )
و لأن أغلب الرقيق هم من أصول أفريقية فلا ينطقون العين إلا ألفا ( فيقول ) أميّ بدلا عن عمّي .
و مقابل ذلك يتولّد عن المعاملة الحسنة للرقيق شعور كبير لدى الرقيق بالانتماء , تجاه السيّد حتى بعد تحرّر قد تصل إلى التفدّي بالنفس و هذا أمر شائع في التاريخ الإسلامي و العربي .
- لطيفة :
اشترى أحد تجّار الهفوف , أمة سوداء اسمها ( رويدا ) من أحد أسر السادة بالقرى الشرقية لمساعدة ربّة المنزل في أعمال البيت , و كانت كبيرة في السنّ , و محبوبة في قريتها فكان أهل قريتها عندما ينزلون للتبضّع في سوق الخميس يزدحمون في بيت ذلك التاجر للسلام على ( رويدا) فتضطرّ ربّة البيت للطبخ لهم بينما تنشغل رويدا بمجالستهم و الكلام معهم , و صار ذلك الأمر يتكرر كلّ أسبوع , فتضايقت ربة البيت و زوجها حيث تفرّغا هو و زوجته للطبخ و ضيافة ضيوف رويدا التي جيء بها لمساعدة ربة البيت .!!!
- أسماء الرقيق :
على عادة العرب القديمة كان يتخذ للرقيق أسماء أقرب حسنة , فمن المتداول أن يسمى الذكور منهم أسماء مثل ( مرجان ) , ( عنبر ) , ( ألماس ) , ( فيروز ) , و النساء ( أمثال ( مبروكة ) , ( زمرد ) ...و هكذا .
- خصي العبد :
يعمد بعض بتجار العبيد لخصي بعض الأطفال الذين كانوا يختطفون من أفريقيا.و غيرها , حيث ينشأون مكتنزي البنية , و مرد الوجوه , و يخصصون في الأعمال التي لها تماسّ مباشر بالنساء ..
- زواج العبيد :
إذا لم يكن العبد خصيّا فإنه ,غالبا ما يتزوّج العبد من أمة مثله , و يتمّ ذلك بمعرفة سيدهما و يعود نتاج زواجهما من أطفال لسيدهما من حيث الملكيّة , وقد يكون الزوجان لمالكين مختلفين , فيتمّ التصالح بين المالكين حول اقتسام ملكيتهم .
و قد يتسرّى السيّد بأمته , فتنعتق و تصبح أمّ ولد .
- ميراث العبيد :
في حال وفاة مالك العبد فإنه يورث كما تورث ممتلكات الميت الأخرى .
- مذهب العبيد :
و نظرا لأن العبد ينشأ في بيئة معيّنة فإنه يتبع , ديانة و مذهب , المالك , فإذا كان المال سنيا يكون رقيقه سنّة و إمّا إذا كان شيعيا فينشأ شيعيا , كل بحسب , تأُثره بالمحيط الذي يكون فيه .
- لطيفة :
يروي المؤرخ الكبيرالشيخ جواد الرمضان ( حفظه الله ) أن هناك أحسائيان يعملان بخياطة البشوت في الدوحة ( قطر ) , و كان أحدهما شديد السمرة قريبا من السواد ضخم الجثّة, و كان الآخر محتالا , و ينتظر القافلة للتوجّه للأحساء .
فحانت منه التفاتة , لرجل من البدو , فاتجه له و قال له , هل تريد أن تشتري عبدا صحيحا , أنا بايع مرخص !!و أشار لصاحبه , بكم تبيعه فقال بكذا !!و فنقده البدوي المال , انسحب المحتال !!
و اتجه البدوي للرجل الأسمر الضخم و قال له : قم يا ولد أنا عمّك الجديد !!!
فتعجّب الرجل و قال له : ماذا تقول ؟
فلطمه البدوي , فما كان من الأسمر إلا أن ردّ اللطمة , و رمى البدوي , وأعمل يديه في بدنه ,, فتجمّع النّاس و عرفوا الحقيقة , و قال الأسمر أنا فلان الفلاني من الأحساء , مخّيط في المجلس الفلاني !! و فصار البدوي يلطم نفسه على ما حدث له !!!
و قد ذكر الشيخ جواد الرمضان , أنّه لاحظ في إحدى الوثائق أحد العتقاء في مبايعة , فلان الفلاني عتيق آل بن فارس ( الحمولة القديمة المعروفة , التي إليها ينسب فريج الفوارس بوسط الهفوف القديمة.)
- ثمن الرقيق :
من الأشياء التي كانت تحول و انتشار , الاسترقاق غلاء ثمن الرقيق, فيقول الحاج علي المرزوق – أبو سعيد – ( اشترى التاجر النجدي محمد بن صالح عبدا بقيمة 400 ريال كان ذلك في الخمسينيات الهجرية ) .
و قد كان ذلك المبلغ كبيرا حينها .
- أبوق الرقيق :
إذا أبق الرقيق – ( إذا هرب من سيّده ) , كان يتعرض لعقوبات كبيرة جدا ,وقد يتعرض للعقوبة أيضا إذا تمرد عن الأعمال التي تسند له , و كانت هذه الحالات نادرة جدا , نظرا للمعاملة الحسنة في الأعمّ الأغلب لهم في الأحساء .
- تحرير الرقيق :
و قد تمّ إلغاء نظام الرقّ و تجريم الإتجار بالبشر , في 8 جمادى الآخر1382هـ , قام أغلب القبائل و العوائل , بمنحهم أسماء قبائلهم و عوائلهم لمعتوقيهم , و قد يسّر لهم سبل العيش .
- ملاحظة في سلوك المعتوقين :
في الغالب يظهر على سلوك المعتوقين , نمط من التدليل لأبنائهم ,و قد يعزوه البعض لفترة من الحرمان عانوها في فترة الأسر و البيع , و يرتبط بذلك الأمر أيضا ضعف الرشد في الإنفاق على الأبناء , لذا يندر أن يوجد بينهم من أثرى .
- العبودية في الأمثلة الحساوية :
و نظرا لأن العبودية كانت مظهرا مألوفا تناولتها الأمثال الشعبية الحساوية بأمثلة كثيرة نذكر منها :
· لا تورّي العبد بياض سنونك يورّيك حمرة .... .( و يشتمل المثل على ضرورة أن يضع السيد مسافة بينه و بين رقيقه , لا يتباسط معه كثيرا , كي لا يتجاوز حدود اللّياقة )
· العم راضي , و العبد تحكّه ....
( هنا إشارة إلى أن الرقيق ربما يكون أكثر تشددا , في مصالح سيّده , من السيّد نفسه ,و هذا كان سلوكا مألوفا حينها , و حاليا انسحب المثل على تشدد الموظف الصغير مقارنة بالمدير ,أو الأجير و السيد في سياقات عديدة ) .
· ليش ما عمّك يكسيك , أجل هو ما يشوف ؟
( هنا إشارة لحال العبد المغموط الحقّ و الذي لا يحصل على قدر كاف من الكسوة , فيسأل العبد لماذا لا يكسوك سيدك , فيتساءل , و هل سيدي لا يرى حالي من البؤس , و كما العادة صار المثل ينسحب في سياقات أخرى أيضا ).
· عبد و سمع طيران !!
( و هنا إشارة واضحة لميل شريحة من العبيد , للسمر و المسامرة و ربما كانت هذه الملاحظة واضحة على كثير من ذوي الأصول الإفريقية , وقد أشار إليها قديما إبن خلدون ضمن ملاحظاته على الشعوب الإفريقية في مقدّمته ) .
- خاتمة :
نحمد الله سبحانه و تعالى أن انطوت هذه الصفحة, من تاريخنا و حصلت هذه الشريحة على حريتها كرامتها .
جديد الموقع
- 2026-04-04 الهميلي تتألقُ في يوم المرأة العالمي
- 2026-04-04 افراح العباد تهانينا
- 2026-04-04 بر الفيصلية يكرم المشاركين في برنامج (ساعاتي حسناتي )
- 2026-04-04 مع عروج أريب - لِوَاءُ الْمَنَابِرِ
- 2026-04-04 عيناك تسبرني
- 2026-04-02 متى يكون نوم الزوجين على سريرين منفصلين أفضل؟
- 2026-04-02 ( ( صراع الجهل والعلم) )
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
تعليقات
بو محمد البحراني
2013-03-01اخي الاستاذ احمد شكرا لك على هذا الجهد الطيب