2017/05/19 | 0 | 2220
شاعر أكبر من الأبجدية ( توطئة بحثية) عن شاعر المنبر الأمّي عبود غفلة )
( توطئة )
برزت في أواخر القرن التاسع عشر و الربع الأول من القرنِ العشرين الكثير من الأسماء في الشعرِ الرثائي لأهل البيت عليهم السلام و أحد أهم تلك الأسماء هو الشاعر النجفي عبود غفلة ( 1850م - 1935م ) .
هذا الشاعر الذي أطلقت عليه حين قرأتي الأولى لديوانه بأسطورة الشعر الحسيني بفرعهِ الشعبي , و قد نبع هذا الأسم من التعريف الذي قرأته مسبقاً للدكتور غازي القصيبي في تعريفهِ لمفردة الأسطورة , واصفاً إياها :
(( الأسطورة : هي ذهابك عن الدنيا
و تركك في الدنيا دوياً كأنما
تدوالَ سمعَ المرءِ أنملُه العَشرُ[1] )).
فلا يزالُ لعبود العديد من القصائد التي يُسمع دويها على المنابرِ الحُسينية حتى هذه اللحظة الراهنة , و لعل أشهرها قصيدته في رثاء الزهراء عليها السلام :
باب من اچذوع و اثچيلة وزن
لو هوت عالگاع ترجنها رجن
طبقت اعله أم الحسن طبگ الجفن
او گام يعصرها عدوها ابحيله
***
و ما قاله في ندبةِ الغائب الحاضر عليه السلام :
ما على حكمتك يا رب نعترض
حيث امرك واجب و نهيك فرض
لاچن النه غايب او حي عالأرض
ابسهم هجره اچبودنه مفطوره
***
فبناءً على هذه القاعدة لا يزال عبود شاعراً حياً و صاحب دوي صاخب بهذه القصائد الخالدة.
و لقد أجادَ الشاعر مهدي جناح الكاظمي حين قال عنه :
يا واهِبَ الزهراءِ كُل كيانهِ لأنِينها أحشاءه تتمزقُ
وهبتك ناصيةَ القصيدِ كرامةً فبكُل عصرٍ أنتَ حيٌ ترزقُ
أو كما قال المتمرد الكبير دعبل ابن علي الخزاعي :
يموتُ ردئ الشعر من قبلِ اهلهِ و جيّده يبقى و إن ماتَ قائله
***
ولِد عبود في النجفِ الأشرف وذلك أثناء وقوع العراق تحت سلطة الدولة العثمانية .
فكان معاصراً للكثير من الأحداثِ التاريخية كإحتلال بريطانيا للعراق و ثورة العشرين و سقوط الحكم العثماني و أخيراً قيام الحكم الملكي بالملك فيصل.
ففي زخم هذه الأحداث التاريخية و المنعطفات المهمة لمسيرة الدولة العراقية كان هو كذلك حدثاً تاريخياً ومنعطفاً مُهماً و لكن لمسيرة القصيدة الشعبية المنبرية .
و قد نشأ أميّاً لا يعرف القراءة و لا الكتابة و لعل هذهِ النشأة نتيجةٌ طبيعية لسيادة النظام الطبقي في العهد العثماني الذي وُلِد فيه , فقد كانت التبعية المهنية هي المُسيطر الأكبر لتلك الفترة , حيث كان الولد يمتهن و يمارس الحرفة التي يمارسها ابيه في الغالب , و حين فُتحت بعض المدارس الحديثة في أواخر ذلك العهد كانت محصورة لأبناء (( الأفندية )) و قليل من ابناء المتصلين بهم[2].
و لكن تلك الأميّة لم تكن لتمنعه من إجادة الشعر الشعبي إجادة جعلته رائداً من أهم رواده الذين يُشار لهم بالبنانِ و العبقرية و لم تكن عائقاً في محاولته لتجديد هذا الفن من الشعر و تحديث الجانب الحُسيني منه على وجه الخصوص حتى على سبيل المفردة , فعندما تتصفح ديوانه ستلاحظ حضور لبعض المفرادت الحداثية - قياساً بعصرهِ لا بعصرنا الحالي بطبيعة الحال – و لعل هذه إشارة واضحة إلى شاعر يحاول أن يكون ابنُ زمانهِ بكسر المفردة القديمة , فتجدهُ مثلاً يتحدث عن الإمام المهدي عليه السلام و يقول :
اسم مغناطيس يهويله الدليل
افنه گبلك ناس چم جيلٍ ابجيل
يا تره ذچره مثل نجمة اسهيل
لچن برج البعُد غيّب ضيّه
***
فماذا كان يعرف رجل أميّ عن المغناطيس في تلك الحقبة الزمنية الموسومة بالأميّة و البداوة حتى يكتب عنه في قصائده ؟! , و ليصف اسم إمام زمانهِ بالمغانطيس الذي يجذب القلوب لا الحديد.
و لم يقتصر على حداثة المفردة فقط , فقد كان هناك حضور لافت للمفردةِ الفصيحة في شعره كذلك , كقولهِ :
ساعد الله اگلوبكم يهل الشيم
من ملامتنه او عتبنه و الولم
ما خطر عالبال اميّه و بالوهم
تجدع امن اوجوهكم عرنينها
***
و قوله :
تسمع الناس ابأسمك و ما درت
اكسير و العسجد بروضك نبت
التلتفتله الله ليه التفت
يرضه الرضاك او مغضبك مغضبه
***
و قوله :
الله و اكبر لو اعيونك تره
سبعه او عشر غطريف فوگ الثره
الله و اكبر بالدم امعفره
شبان ما عرّض اعليها المشيب
***
فالعرنين و الأكسير و العسجد و الغطريف مفردات فصيحة لا ترد في الكلامِ الشعبي و الذي يستخدمه عبود قالباً لشعره و لكن رغم ذلك قصائده لم تخلو من هذه المفردات الفصيحة و إذا اردنا طرح المزيد من الأمثلة على ذلك سيطول بنا المقام مما لا داعي له و ذلك لسهولة إثبات هذا الشي عند قراءة ديوانه و الذي يظهر لنا من هذا الإستخدام الغزير للمفردات العربية الفصيحة من رجل أمّي هو وجود مخزون لغوي كبير لديه تظهر آثاره عند كتابته للقصائد .
و قد جاءت قصائده حاويةً مع اللهجةِ الدراجة شيئاً من اللهجةِ البدوية و لعل السبب يعود إلى انتشار المد البدوي في العراق في عهد الدولة العثمانية , كما يُشير إلى ذلك الدكتور علي الوردي في كتابهِ ( لمحاتٌ من تاريخ العِراق الحديث) حيثُ عللَ هذه الظاهرة بأربعةِ أسباب :
1- عدم وجود حكومة حضرية تعنى بترويج التجارة و تشجيع الإنتاج حيث إن الحكومات التي جاءت إلى العراق منذ سقوط الدولة العباسية كان همها الأكبر ينحصر في الفتح و الجباية .
2- ضعف الدولة العثمانية في ذلك الوقت فكان العراق يُعاني من الإنحطاط الحضاري و أخذت القبائل البدوية بالتغلغل فيه .
3- إنتشار الاوبئة التي كانت تجتاح العراق في العهد العثماني بسب وقوعها في طريق الحج بالنسبةِ لبعض الأقطار الإسلامية و وجود العتبات المقدسة فيها فالأوبئة من أشد العوامل تأثيراً في توهين الحضارة و في دعم المد البدوي. فقد قضت الأوبئة على معضم الصناع و ارباب الحرف في المدن.
4- وقوع بعض المناطق الواسعة من العِراق تحت سيطرة الشيوخ العشائريين يحكومنها حسب قيمهم البدوية .[3]
و بالتالي و بسب إنتشار هذا المد البدوي في العهدِ الذي نشأ فيه أصبحَ هناك وجود لتلك اللهجةِ البدوية في بعض ما يكتب.
و لعل هذا المزج للهجةِ الدراجة باللهجةِ البدوية أصبح عائقاً لدى البعض ممن لا يتقنون أو لا يفهمون تلك اللهجات أثناء قرأتهم لقصائده.
فلو كان شعره من الشعرِ الفصيح المحض لزالَ هذا الحاجز من أمام القارئ.
كما تجدر بنا الإشارة هنا إلى مجموعة من الشعراء المعصارين لعبود الذين شاركوه في الأميّة و لكنهم في استغلالهم للموهبة الشعرية كتبوا الشعر الفصيح لا الشعر الشعبي و منهم :
أ-الشيخ حمادي الكواز :
فقد كان الشيخ حمادي الكواز – شقيق الأديب الشيخ صالح الكواز - المتوفى عام 1283 للهجرة من الأميين الذين لم يدرسوا القراءة و لا الكاتبة و لا النحو و لا علم العروض و لكن رغم ذلك كان صاحب ثقة كبيرة بنفسهِ و بشعره حتى إذا اعترض عليه أحد بزلة لحن في العربية قال : (( راجعوا قواعدكم فالقول قولي )) .
كما كان سريع البديهة و كثير الارتجال حتى اطلقَ عليه البعض (معجزة الدهر و نابغة العصر)[4] .
و من شعرهِ :
نزلوا بأكنافِ الطفوفِ ضحىٍ و إلى الجنانِ عشية رحلوا
بأماجد من دونهم وقفوا و بحبهم أرواحهم بذلوا
و على الظما وردوا بأفئدةٍ حرّى كأن لها الضبا نهلُ
في موكبٍ تكبو الأسودُ بهِ و يزلُ من زلزالهِ الجبل ُ
فاض النجيع و خيلهم سفن و حمى الوطيس و سمرهم ظلل
و عجاجة كالليل يصدعها من قضبهم و وجوههم شعلُ
حتى إذا رامت بقاءهم ال دنيا و رامَ نداهمُ الأجلُ
بخلوا على الدنيا بأنفسهم و على الردى جادوا بما بخلو
****
ب- اسطا علي البنّاء :
وهو من النماذج الأخرى التي استطاعت التغلب على الأميّة في كتابتهِ بالعربيةِ الفصحى , رغم وجود رأي يقول أنهُ كان لا يجيد النظم و إنما كان هناك اشخاص ينظمون له و قد أشار له السيد جواد شبر في ترجمتهِ للشاعر في الجزء الثامن من موسوعة أدب الطف.
إلا أن الباحث جودت القزويني بعث تقريظ للموسوعة ورد في آخر المجلد التاسع منها , فكان من ضمن هذا التقريظ دفاعهُ عن شاعرية البنّاء وتفنيده لما ذُكِرَ في المجلد الثامن عنه و قال أنهُ صاحب نفس شعري متميز[5].
و من شعرهِ :
قف على تلك المغاني و الربا و اسكب الأدمع غيثاً صيبا
و اسأل الربع الذي كنا بهِ نسحب الأذيال فيهِ طربا
و اعقل الوجناء في أكنافهِ و انتشق من تربه طيب الكبا
لا عدا مرتبعاً في رامةٍ بالحيا الوسمي امسى معشبا
مربع اللذات قد عنَ لنا في حماهِ ذكر أيام الصبا
و بنفسي ظبيات سنحت تخذت بين ضلوعي ملعبا
آه من برق على ذي رامة هبّ في جرعائه ثم خبا
ذهبوا و الصبر عن ذي لوعة يا أعاد الله لي من ذهبا
أيها المغرم في ذكر الحمى و مغانيه و هاتيك الظبا
دع مناح الورق و الغصن و خذ بالبكا في رزءِ أصحاب العبا
و اندب الفرسان من عمرو العلى و ابلغ الشكوى لهم عن زينبا
***
بيئة النجف :
من المُتفق عليه أن الفطرة كانت المصدر الرئيسي وراء موهبة عبود الفذة و لكن هذه الموهبة الفطرية اشبه ما تكون بالبذرة التي تبذر في الإنسانِ من اللهِ سبحانه و تعالى فمتى ما اهملها الإنسان تموت و متى اهتم بها ازهرت في داخلهِ و كلما كانت العوامل الخارجية مُساعدة أكثر كلما ازدادت نضوجاً و رونقاً.
و للأسف لا يوجد الكثير من المصادر حول حياة عبود لتساعدنا لمعرفة العوامل الأخرى التي ساعدته بجانبِ تلك الموهبة الموجودة لديه إلى نضوجِ شعرهِ , و لكن اعتقد ان من أهم تلك الأسباب هي بيئة النجف التي كان يسكنها في تلك الفترة الزمنية.
فقد تميز مجتمع مدينة النجف منذ القدم بكونهِ أكثرُ تنظيماً من مجتمعات بقية المدن المقدسّة الموجودة بدولة العراق فقد شهدت النجف تنوع كبير في الإنتماءات القومية بشكلٍ لافت و كبير فقد عاش فيها الأتراك و الهنود و الأفغان [6] .
و كذلك عُرِفَ مجتمع النجف بأنهُ مجتمع ذو مقاومة و تمرد و لعل هذا ما يفسر وجود النزعة الثورية و التي تجلّت في بعض قصائده و التي سنشير لها ان شاء الله و هو الذي كان يعيش في وسط ذلك المجتمع المقاوم .
و عندما نعود إلى الوراء و إلى زمن الشيخ الطوسي ( شيخ الطائفة ) سنجد أن النجف كان بشكلٍ ملحوظ المركز العلمي للشيعة و الواجهة التي يقصدها طلبة العلوم الدينية من مختلف البقاع .
و لكن في فترات مختلفة انتقلت تلك المركزية إلى اصفهان ثم إلى كربلاء و جزء من الوقت إلى الحلة ثم عادت إلى النجف من جديد مع بداية القرن التاسع عشر و ذلك لأسباب مختلفة لا يسع المجال لذكرها.
فمع إزدهار حركة الهجرة العلمية إلى النجف من جديد أصبح النجف هو المركز العلمي الرئيسي لطلبة العلوم الدينية و المقر لمرجعيات الشيعة و في هذه الفترة بالتحديد من تطور و نضوج الحوزة النجفية مرةً أخرى ولِد عبود .
و زاد على ذلك أن سنة ولادته -1850م- هي بداية مرجعية آية الله الشيخ مرتضى الأنصاري تلك المرجعية الشهيرة في زمانها و التي كانت سبب في إثراء حوزة النجف العلمية و إرتقائها , فمن أشهر مؤلفات الشيخ الأنصاري – قدس الله سره - كتاب المكاسب و كتاب الرسائل , هذه الكتب التي لا تزال مدار البحث و الدراسة في الحوزات العلمية حتى هذا اليوم و لا تزال التعليقات و الشروحات و الحواشي تُكتب عليها من قِبلِ الكثير من العلماء.
و بالتالي فأن ولادته في مثلِ هذا الجوء العلمي ساعدهُ في التغلبِ على أميته و إظهار موهبته الكامنة أكثر ممن نشأ في بيئات أقلُ معرفةٍ و علم .
الإزدهار الشعري بالعراق :
بالإضافةِ إلى حركة الإزدهار العلمية بالنجف التي أشرت إليها فقد كانت هناك حركة إزدهارية بالنسبةِ للشعر بأنحاء العراق عامةً .
و قد كان مراجع الدين و رجالته العِظام خلال ذلك العصر يستغلون المناسبات الدينية لإقامة الأمسيات الشعرية , و لهذا نجد الشيخ عبد الحسين الأميني في مقدمةِ الجزء الثاني من موسوعة الغدير الخاص بتراجم ثلة من الشعراء يصف ذلك العصر بالعصر الذهبي و يقول ما نصّه : (( و كانت الحالة في بعض تلك القرون الخالية أكيدة , و النشاط الروحي بالغاً في رجالاته فوق ما يُتصور , و الأمة بيمن تلك النفوس الطاهرة السعيدة جداً كعصر سيد الأمة آية الله بحر العلوم و الشيخ الأكبر كاشف الغطاء و أما اليوم فإن تلك المحتشدات الروحية
أمست خلاءً و أمسى أهلها احتملوا أخنى عليها الذي أخنى على لبدِ
نعم بالأمس كان بقية العترة الطاهرة الإمام المجدد الشيرازي نزيل سامراء المشرفة ذلك العلم الخفاق للأمة جمعاء , و الذي طنبت زعامته الدينية على أطراف العالم كله , لا تنقطع حفلاته في الأيام المذكورة – أيام أحزان و افراح أهل البيت – كلها فتقصدها صاغة القريض بأناشيدهم المبهجة من شتى النواحي , فتجد عنده فناءً رحباً , و انبساطاً شاملاً و تقديراً معجباً , و نائلاً جزيلاً و بشاشةً مرغبةً و لكن :
ذهب الذين يعاش في أكنافهم .......
و من نماذج هاتيك الأحوال أن شاعر أهل البيت المفلق سيد حيدر الحلي , قصده بشعر في بعض وفداته إليه فأضمر السيد المجدد في نفسه أن يثيبه بعشرين ليرة عثمانية فأفضى بعزمه إلى ابن عمه العلم الحجة الحاج ميرزا إسماعيل فاستقل ذلك المبلغ و قال : أنه شاعر أهل البيت , و أنه أجل و أفضل من أمثال دعبل و الحميري و نظرائهما و كان أئمة الدين يقدمون إليهم الصرر و البدر فاستحفاه عن مقتضى الحال فقال له : إن الحري أن تعطيه مائة ليرة بيدك الشريفة.
هناك قصد السيد المجدد زيارة السيد حيدر و ناوله المبلغ المذكور بكل حفاوة و تبجيل و قبّل يد شاعر أهل البيت.
حكاه جمع ممن أدرك ذلك العصر الذهبي و منهم خلفه الصالح آية الله ميرزا \ علي آغا الذي خلف والده على تلك المجالس و المجتمعات و استنشاد الشعر و الإصاخة إليه و التقدير و الترحيب في النجف الأشرف.
و لا يسعنا بسط المقال حول هذه كلها , و ليس هذا المجمل إلا نفثة مصدور و لهفة متحسر على فراغ هذه الناحية في اليوم و إهمال تلك الغاية المهمة , و إقلاق تلك الطمأنينة و ضياع تلك الفوائد الجمة على الأمة فالأيام عوج رواجع , فكأن الدنيا رجعت إلى ورائها القهقرى , و اكتسى الشعر كسوة الجاهلية الأولى و ذهب أمس بما فيه , فلا فقيه هناك كأولئك , و لا شاعر كهؤلاء , و لا رأي لمن لا يطاع ))[7]
و حول حركة الأدب الشعبي يقول الأستاذ علي الخاقاني :
(( و قد نظم في أكثر هذه الأنواع – أنواع الأدب الشعبي – معظم شعراء النجف بل العراق , و السبب الذي دفعهم إلى ذلك هو أن الكثير منهم نزح آباؤهم من الريف و سكنوا النجف و احتفظوا بالكثير من العادات و التقاليد الريفية التي لم يفاريقهم التغني و التأثر بها , و زاد على تقويتها و بقاء استمرارها عندهم مواصلة عشائرهم و زيارتهم للمرقد العلوي الشريف و استضافتهم لهم مما يجعل الربط الذهني و مقاربة الشعور من الأسباب المؤكدة لضمانهم عند هؤلاء الذين يقتدون بهم في الرأي و الدين , و بدورهم يقومون بمواصلة هؤلاء الأفاضل عن طريق إعطاء الحقوق الشرعية و الضرائب الدينية التي تكفل بقاء هذا الفريق و انصرافه إلى كسب العلم و الأدب .
و تفشي النظم عند الآخرين الذين تجردوا عن هذه الأسباب كان بدافع التحبب و تأثير البيئة التي تتذوق ذلك و أشهر من عرف من شعراء الفصحى بتذوقه لهذا اللون من الأدب و النظم فيه جماعة منهم :
1- الشيخ علي زيني
2- السيد صادق الفحام
3- السيد موسى الطالقاني
4- الشيخ عباس الأعسم
5- الشيخ محمد بن نصار
6- السيد باقر الهندي
و أضرابهم ممن اثبتنا لهم نماذج من هذا الأدب ضمن ترجمة كل منهم .
و من ثمة تسرب هذا اللون من الأدب إلى جماهير الشعب فأخذ العامة منهم يتذوقونه لأنهم وجدوا فيه معبراً عن رغباتهم و آلامهم و آمالهم فاندفعوا للقول فيه و أجادوا ما شاءت لهم الإجادة حتى أصبحوا منفردين متميزين عن غيرهم و أشهر من عرفنا عنهم ممن سبق عصرنا أمير هذا الفن الحاج زاير و تبعه الشعراء الذين عاصرناهم و في طليعتهم عبود غفلة و الشيخ مهدي الخضري و عبد الله الرواق و السيد عبد الحسين الشرع و عبد الحسين أبو شبع و من إليهم ممن أبدعوا فيه و خلفوا دواوين كبيرة ذات مغزى و قيمة عند أرباب هذا الفن فقد كان الوسط الأدبي يفرض عليهم ذلك و أنانيتهم تدفعهم للتطلع و البروز ))[8]
و من هنا يمكننا الاستنتاج أن كلتا الحركتين و نقصد بذلك الحركة العلمية بالنجف و الحركة الشعرية بالعراق التي واكبها و عاصرها عبود قد كان لها الأثر في نضوج و نموء موهبتهِ الشعرية.
و كما لا يخفى أن وجود المجالس الحسينية في النجف و كثرتها قد كان لها الأثر كذلك في نموِ قصائده و خصوصاً أن ما يكتبه عبود مما يمكن تصنيفه تحت عنوان الشعر الديني الرسالي.
أمير الشعراء :
اشتهرعبود بإسم ( أمير الشعراء ) و لا يزال هذا الإسم محفوراً عند قبره الموجود بمقبرة النجف حتى الآن .
فمع وجود اسماء لامعة من شعراء المنبر الحُسيني من المعاصرين له كالسيد عبد الحسين الشرع و الشاعر إبراهيم أبو شبع و الشاعر ياسين الكوفي و غيرهم الكثير إلا أن الوحيد الذي نالَ هذا اللقب كان هو آنذاك.
ماذا أضافَ إلى الأدبِ الحُسيني ؟ :
لعل هذا السؤال من أهمِ الأسئلة التي ينبغي طرحها عندما يكون الحديث حول عبود غفلة الشاعر الذي استطعَ أن يخط اسمه بالذاكرةِ الحسينية حتى هذه اللحظة و لم تكن إضافتهُ إلى الأدبِ الحُسيني هي فقط تلك القصائد التي كانت تشير إلى موهبته الفطرية بل كانت إضافته إضافة تجديدية لهذا الفن , فهو من اوائل من استخدم الأبوذية في الأدبِ الحُسيني بطريقة النعي و لعله يكون ثاني من نظم الأبوذية بعد الشيخ حسين الكربلائي[9] .
و من أبوذياته :
همومي طود يذبل ما حملها
على الما بگه بوادي الطف حملها
لون ما يسگط الزهره حملها
ما طاح السبط بالغاضريه
***
كذلك في ديوان الموال الزهيري للشيخ محمد صادق الكرباسي اعتبرَ إن الإتجاه النجفي في الموالات الزهيرية إنما يتمثل في ما كتبهُ عبود مع الأخذ بالأعتبار أن الإتجاه النجفي يعد من أقوى الإتجاهات في الموال[10] .
و في ديوان السريع يرى الشيخ محمد الكرباسي أن من أبدعَ البحر السريع في الشعرِ الحُسيني الشعبي أنما هو عبود رداً على قول الخاقاني الذي يَعُد الشاعر عبد الكريم الكربلائي هو أول من نظم عليه في رثاءِ ابا الفضل العباس[11].
و بعد ذلك ذلك فلا نغالي و لا نبالغ أن قلنا عنه مجدد الشعر الحُسيني .
و أنا من المؤمنين بأن قصائده التي كتبها من الأدب الحي , هذا النوع من الأدب الذي وصفهُ الأديب طه حسين في مقدمة كتابهِ على ( هامش السيرة ) بأنهُ الأدب القادر على البقاء و مناهظة الأيام و إلهام الشعراء و الكتّاب و ليس خلود الإلياذة كما يقول يأتيها من أنها تقرأ فتحدث اللذة و تثير الإعجاب بل هو يأتيها من أنها قد ألهمت و ما زالت تلهم الكثير .
و أنا أقول كما أن الإلياذة لهوميروس الشاعر الأغريقي قد كانت مصدر إلهام لغيره من الشعراء فلا يزال عبود مصدر إلهام لكثير من شعراء المنبر الحُسيني.
و لعل أقربُ دليلٍ على عظمتهِ و بقاءِ تُراثهِ و عبقريتهِ الشعرية رغم مماتهِ هو هذهِ الدراسة المبسطة عنه .
فأنا لا يجمعني بهِ قُرب مكاني و لا زماني و لا صلة قرابة حتى , لكن تلك الموهبة الشعرية التي كانت لديه هي التي دعتني للكتابةِ عنه و الإعجاب به و أنا الذي لم أكتب عن أي شاعر من قبل بمثلِ هذه الكثافة.
فعلى الرغمِ من شهرتهِ الواسعة في مجال الشعر الحُسيني فأنا أرى بأنه لم يأخذ المكان الذي يستحق و لم يُشكل من ذاكرة بعضنا إلا مكاناً لا يفي بعظمتهِ , و أما الدليل على ذلك فأني لم أجد كاتب تناولَ هذا الشاعر بشكلٍ واسع و كافي , فلم يتجاوز ذكرهُ للأسف الكبير المقالات القصيرة و بعض السطور القليلة و المتناثرة هنا وهناك في كتبِ الشعر الشعبي و الأدب الولائي.
و ما كتبته في هذه الدراسة جاءَ على قدرِ استطاعتي في الكتابة و بحسب ما توفر لي من مراجع و مصادر و إلا فلا نزال بحاجة ملحة لكتابة البحوث الموسعة أكثر في شاعريته العظيمة و شاعرية غيره كذلك من الشعراء الحُسينين.
فالمبدعين الكبار كما يقول عبد الرحمن منيف (( شأنهم شأن الغابات الكثيفة , إذا يصعب اكتشافهم بالكامل أو دفعة واحدة , و لا بد أن يجري ذلك مرة بعد أخرى , و عبر وسائل متعددة اعتماداً على المعلومات الجديدة التي تتوفر فترة بعد فترة , و من خلال الأدوات النقدية التي يمكن الإستعانة بها , في إعادة قراءاتهم ))[12]
و بالتالي فهناك الكثير من المواهب الشعرية التي خدمت القضية الحسينية و التي ينبغي الإلتفات إليها و إلى دراستها من النقاد كي لا تضيع تلك المواهب بين طيات الكتب و الدواوين .
و دائماً ما تكون كتابة مثل هذه البحوث و الدراسات حول هؤلاء الشعراء هو إعادة بعث لهم و إخراجهم من العتمةِ إلى النور , و لا يزال الكثير منهم ينتظر هذا البعث و هذا الإخراج .
و سأحاول في هذه الدراسة المختصة بموهبة عبود الشعرية أن أقوم بالتركيز على أربعة محاور مهمة و إن كانت مسيرته الشعرية الطويلة أكبر و أعمق من هذه المحاور و لكن لتتصف هذا الدراسة بشيئاً من التنظيم , فالمحاور ستكون كالتالي :
1- العوامل المؤثرة على شعرهِ
2- تجليات النزعة الثورية و النقدية لديه
3- الجوانب الفنية في بناءهِ للقصيدة
4- الندبة المهدوية في أدبه
و لابد من الإلتفات كذلك إلى أن هذه الدراسة إنما جاءت من القارئ الذي أُعجبَ بما سطرته قريحة هذا الرجل الولائي و المفتون بقدرتهِ على سباكة الصورة الشعرية و حياكة المعنى لا من الأديب المختص و المتمرس .
فهذه الدراسة لا تعدو كونها محاولة استقراء لبعض مواطن الجمال و القوة الموجودة لديه و إخراجها للنور , كما أنها وقفةُ وفاء في حقِ من استخدم موهبته في نصرةِ أئمة الهدى عليهم السلام .
و الله ولي التوفيق
لقراءة وتحميل الموضوع هنـــــــــــــا
جديد الموقع
- 2026-04-02 متى يكون نوم الزوجين على سريرين منفصلين أفضل؟
- 2026-04-02 ( ( صراع الجهل والعلم) )
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*
- 2026-04-01 برئاسة معالي وزير الشؤون الإسلامية.. المجلس التنفيذي لمؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية بدول العالم الإسلامي ينعقد يوم غد الخميس عبر الاتصال المرئي
- 2026-04-01 إنقاذ مولودة تعاني من استرواح صدري مزدوج عبر فريق النقل الطبي لحديثي الولادة بتبوك
- 2026-04-01 مجلس إدارة جمعية "عطاء" بالدمام يناقش خططه التشغيلية المستقبلية
- 2026-04-01 مفهوم العدو بين ذاكرتين : الخليجية والعربية