2026/10/19 | 0 | 56
وهمْ الفهم العميق: ّ ّماذا تكشف فلسفة فتغنشتاين وعلوم الأعصاب عن اللغة والتفكير لدى الإنسان والذكاء الاصطناعي؟
بقلم ستيفاني شين، خبيرة في تقنيات البيانات، حاصلة على الدكتوراه في علم الأعصاب
في العام الماضي، حين قرأت رواية «بقايا النهار (1)» (The Remains of the Day) للكاتب كازوو إيشيغورو، أدهشني أنني استطعت استشفاف الكثير مما لم تقله الرواية صراحةً، وما اختبأ وراء كلماتها وسطورها من معانٍ. سردت أحداث الرواية من منظور بطلها "ستيفنز"، الذي جسّد رجلًا شديد الانضباط كرّس حياته بالكامل لمهنته، على حساب علاقاته الشخصية، بل وحتى نزاهته. ومع ذلك، استطعتُ، بصفتي قارئًا، أن ألمس مشاعر ظلّ ينكرها ويكبتها طوال حياته. ولم يفارقني أثر الرواية حتى بعد أن فرغت من قراءتها، بل لا يزال صداها يتردد في نفسي إلى اليوم. وأعتقد أن لكل منا تجربة مماثلة مع كتاب لامس روحه وترك أثرًا عميقًا في وجدانه. ففهمنا للغة لا يقتصر على إدراك المعاني الحرفية للكلمات المكتوبة، بل يتجاوزها إلى استحضار مشاعر وأحاسيس وذكريات ومخيلة، لنفهم النص بنحو أعمق ونتذوق ما ينطوي عليه من معانٍ تتجاوز معاني كلماته الظاهرة.
"من منظور الكاتب، تُعدّ صياغة الرواية بكلمات مناسبة عمليةً طويلة وشاقة. فقد ألزم "إيشيغورو" نفسه بجدول مكثف امتد لأربعة أسابيع؛ حيث كان يكتب من الساعة التاسعة صباحًا حتى العاشرة والنصف مساءً، من الاثنين إلى السبت. وبفضل هذا الجهد والتركيز العالي، تمكّن من وضع المخطط الأولي لأفكار روايته، وإن كان ذلك عبر جُمَلٍ ركيكة، وحوارات رديئة تفتقر إلى النسق، ومشاهد لا تفضي إلى شيء. ثم استغرق الأمر منه عدة أشهر أُخر لتهذيب النص وصقله قبل النشر، وهو ما تحقق بعد عامين.
تجسّد معاناة الكاتب إيشيغورو صعوبةَ التعبير عن المشاعر والأفكار الداخلية بالكلمات؛ إذ غالبًا ما تكون هناك فجوة بين ما نشعر به أو نفكر فيه، وما نستطيع التعبير عنه لغويًا بوضوح. وقد وصف الكاتب مايكل بولان هذه الحالة بدقة في مقال نشرته صحيفة الغارديان (2)، إذ أشار إلى أنه كان يعتقد أن أفكاره تتشكل دائمًا في صورة كلمات وحوارات داخل النفس، بحكم عمله كاتبًا وانشغاله المستمر بالكلمات. لكنه اكتشف أن عقله يعمل، في الأصل، من خلال الصور والمشاعر والمفاهيم المجردة التي لم تتخذ شكلًا لغويًا بعد، وأن الكلمات لا تأتي إلا لاحقًا لتصوغ تلك الأفكار والمشاعر في عبارات واضحة يمكن مشاركتها مع الآخرين.
في المقابل، تُولِّد نماذج اللغة الكبيرة الحديثة (LLMs) (3)، مثل شات جي بي تي (ChatGPT)، وكلود (Claude)، وغروك (Grok)، النصوص بسرعة فائقة. وتعتمد هذه النماذج على جهود بشرية لجمع كميات هائلة من النصوص وإعدادها ومعالجتها لتصبح بيانات رقمية قابلة للاستخدام في تدريبها. ثم تُنتج نصوصًا تتسم بالطلاقة اللغوية وسلامة القواعد النحوية، مستندةً إلى حساب احتمالات تسلسل الكلمات أو الرموز اللغوية، من دون أن يعني ذلك أنها تفكر أو تفهم المعاني فهمًا حقيقيًا.
ومع ذلك، كثيرًا ما ينخدع الناس بطلاقة إجاباتها ونبرتها الواثقة، فيبدون وكأنهم يتعاملون مع أشخاص حقيقيين. بل إن كثيرين يشعرون بالقلق، أو حتى بالخوف، من احتمال أن تكتسب هذه النماذج وعيًا في المستقبل القريب.
لإدراك وهم الفهم العميق (4) هذا تماماً، يتطلب الأمر فهماً أعمق لطبيعة اللغة نفسها، وكيفية معالجة الدماغ البشري لها (5). في هذا المقال، سنغوص في فلسفة فتغنشتاين للغة (6) وما تقدمه علوم الأعصاب الحديثة من أفكار. ومن خلال ذلك، سنحصل على فهم واضح للفروق بين نماذج اللغة الكبيرة والعقل البشري، والأهم من ذلك، سنتمكن من التعامل مع هذه الأنظمة بتوقعات أكثر وضوحاً ووعياً واقعياً بقدراتها وما لا تستطيع فعله.
نظرية ألعاب اللغة عند فتغنشتاين
في مطلع القرن العشرين، اتجه لودفيغ فتغنشتاين، الذي درس الهندسة الميكانيكية، إلى الفلسفة بعد أن تتلمذ على يد الفيلسوف وعالم الرياضيات الشهير برتراند راسل في جامعة كامبريدج. وقد أدرك راسل سريعًا ما يتمتع به فتغنشتاين من عبقرية، واصفًا إياه بأنه «شغوف، وعميق، وحاد الذكاء، وقوي الحضور الذهني».
وقد أثبت فتغنشتاين صحة هذا الانطباع؛ إذ اكتسب شهرة واسعة بفضل تفكيره الفلسفي المتفرد والعميق، الذي خالف كثيرًا من الاتجاهات السائدة في عصره وظل مؤثرًا في الفلسفة بعد ذلك. وفي الثانية والثلاثين من عمره، نشر كتابه الفلسفي الأول، رسالة منطقية فلسفية (7) (Tractatus Logico-Philosophicus)، الذي يقع في نحو 75 صفحة. ثم عمل معلمًا في مدارس قرى نمساوية نائية لنحو ست سنوات، قبل أن يعود إلى كامبريدج أستاذًا للفلسفة. أما كتابه الثاني، تحقيقات فلسفية (8) (Philosophical Investigations)، الذي يُعد من أبرز أعماله، فقد نُشر بعد وفاته عام 1951، وطرح فيه تصورًا عميقًا لطبيعة اللغة وكيفية عملها.
وتتمثل إحدى أفكاره المحورية في أن معنى الكلمات لا يتحدد بمعزل عن استعمالها، بل يتشكل من خلال استخدامها في الحياة اليومية، ضمن السياقات الاجتماعية والممارسات المشتركة التي تمنحها دلالاتها، التي تساعدنا على فهم معاني الكلمات.
ومن هنا، طرح مفهوم "ألعاب اللغة (9)"، الذي يربط فهم اللغة بالأنشطة التي تُستخدم فيها وبالقواعد التي تحكم استعمالها.
ترى كاتبة المقال أن اللغة بطبيعتها لا تخلو من الغموض، وأن حدود معاني الكلمات ضبابية (ليست دقيقة) دائمًا؛ لذلك يصعب وضع تعريف شامل يحدد معنى كل مفهوم بدقة. لنأخذ كلمة "كرسي" مثالًا. يعرّفها معجم أكسفورد بأنها "مقعد منفصل لشخص واحد، وعادةً ما يكون له ظهر وأربع أرجل", لكن هل يعدّ كيس الجلوس المحشو أو القابل للنفخ (Bean Bag) كرسيًا؟ وماذا عن صخرة يجلس عليها شخص واحد؟ فكلاهما يُستخدم للجلوس، لكنهما ُبغير أرجل. وماذا عن الأريكة التي يمكن تحويلها إلى سرير (Sleep Sofa)؟ فهي تحتوي على ظهر وأرجل، لكنها تتسع لثلاثة أشخاص، لا لشخص واحد
توضح هذه الأمثلة أن معنى كلمة "كرسي" لا يتحدد دائمًا من خلال تعريف ثابت، بل يتضح بحسب طريقة استخدامها والسياق الذي ترد فيه. كما أن تحديد ما ينطبق عليه المفهوم يتوقف، في بعض الحالات، على الغرض من استخدامه. وينطبق الأمر نفسه على كلمة "لعبة" (Game)، بحسب ما ورد عن فيتغنشتاين:
كيف يمكننا أن نشرح لشخصٍ ما معنى كلمة "اللعبة"؟ ربما نعرض عليه أمثلة لألعاب مختلفة، ثم نقول له: "كل هذه الأشياء، وما يشبهها، نسمّيها ألعابًا". فهل نعرف نحن معنى اللعبة على نحو أدق من ذلك؟ وهل تكمن المشكلة في عجزنا عن شرح معناها للآخرين شرحًا دقيقًا؟ لا، فالمشكلة ليست في أننا نجهل معنى الكلمة، بل في أنه لا يوجد حدّ فاصل واضح يحدد بدقة ما الذي يُعدّ لعبة وما لا يُعدّ كذلك. ويمكننا بالطبع وضع تعريف محدد للعبة، لكننا نفعل ذلك لخدمة غرض معين. فهل يلزم منا وضع تعريف دقيق حتى نستطيع استخدام الكلمة وفهمها؟ ليس بالضرورة؛ نحتاج إلى هذا التعريف فقط إذا كان الغرض الذي نريد تحقيقه يتطلب ذلك.
رأى فيتغنشتاين أننا نفهم معاني الكلمات من خلال الأمثلة التي نربطها بها، لا من خلال تعريفات محددة وثابتة بالضرورة. وأطلق على أوجه التشابه بين الأشياء التي تنتمي إلى الفئة نفسها مفهوم "التشابهات العائلية" (Family Resemblances) (12)؛( إذ قد تتشابه هذه الأشياء في بعض الصفات، من دون أن تشترك جميعها في صفة واحدة تجمع بينها، تمامًا كما يتشابه أفراد العائلة الواحدة في بعض الملامح، من دون أن تتطابق جميع صفاتهم.
نلاحظ شبكة معقدة من التشابهات والتداخلات المتقاطعة: تشابهات على المستوى الكلي وعلى المستوى الجزئي. ولا أجد تعبيراً أفضل لتمييز هذه التشابهات ووصفها من "التشابهات العائلية (10)"؛ إذ إن التشابهات المختلفة بين أفراد العائلة الواحدة - مثل بنية الجسم، والملامح، ولون العينين، وطريقة المشي، والمزاج، وما إلى ذلك - تتداخل وتتقاطع بنفس الطريقة - ولذا أقول: إن "الألعاب" تُشكل عائلة.
لهذا السبب، ظلّت مفاهيم مثل الفضيلة والعدالة والخير والجمال موضع جدل فلسفي لأكثر من ألفي عام، منذ عهد أفلاطون، من دون التوصل إلى تعريفات نهائية تحظى بالاتفاق. ويرى فيتغنشتاين أن السعي إلى وضع تعريفات حاسمة لهذه المفاهيم قد يكون مضلِّلًا؛ لأن السؤال "ما هو كذا؟" قد لا يكون مناسبًا إذا طُرح بمعزل عن السياق الذي تُستخدم فيه الكلمة. فبدلًا من البحث عن تعريف مطلق وثابت لكل مفهوم، ينبغي النظر في طريقة استخدام الكلمات في الحياة اليومية وفي مختلف المواقف.
ومن هذا المنطلق، شبّه فيتغنشتاين استخدام اللغة بالألعاب؛ إذ يتحدد معنى الكلمات من خلال طريقة استخدامها والقواعد التي تحكم استعمالها في سياقات مختلفة. ولأن الناس يختلفون في خلفياتهم الاجتماعية والثقافية والتعليمية، فقد يستخدمون الكلمات نفسها بمعانٍ مختلفة، أو ينطلقون من افتراضات متباينة عند مناقشة موضوع واحد. وهذا ما قد يفسر استمرار بعض الجدال من دون الوصول إلى تفاهم؛ فالمتحاورون يبدون وكأنهم يناقشون المسألة نفسها، بينما ينطلق كل طرف من طريقة مختلفة في فهم الكلمات واستخدامها.
يوضح فيتغنشتاين أن فهم اللغة واستخدامها يرتبطان بما سمّاه "أشكال الحياة" العادية، أي الممارسات والأنشطة اليومية التي نعيشها ونتفاعل من خلالها مع الآخرين. فمعنى التواصل لا يتحدد بالكلمات وحدها، بل تسهم فيه أيضًا الإيماءات، وتعبيرات الوجه، والمشاعر، والأفعال. وبذلك، فإن ألعاب اللغة ليست مجرد تبادل للكلمات والعبارات والجمل، بل هي أنشطة ترتبط بتجاربنا وطريقة عيشنا.
ويتضح هذا التصور أيضًا في مناقشة فيتغنشتاين لصعوبة التعبير عن بعض التجارب الحسية والذهنية بالكلمات. ففي الفقرة رقم (610)، يطرح مثال رائحة القهوة، متسائلًا: "صِف رائحة القهوة! - لماذا لا يمكن وصفها؟ هل تنقصنا الكلمات؟ ولأي شيء تنقصنا الكلمات تحديدًا؟ - ولكن من أين جاءت فكرة أن مثل هذا الوصف يجب أن يكون ممكنًا أصلًا؟ هل شعرت يومًا بأنك تفتقر إلى شيء بسبب غياب هذا الوصف؟ هل حاولت وصف الرائحة وفشلت؟". ومن خلال هذه الأسئلة، يلفت فيتغنشتاين الانتباه إلى أننا قد نفترض أن لكل تجربة وصفًا لغويًا دقيقًا، مع أن بعض التجارب الحسية يصعب نقلها إلى الآخرين بالكلمات، وليس بالضرورة لأن مفرداتنا غير كافية، بل لأن طبيعة التجربة نفسها لا تستلزم أن يكون بالإمكان وصفها وصفًا لفظيًا دقيقًا.
قد نلاحظ أننا نفتقر إلى مفردات دقيقة لوصف كثير من الروائح؛ فنلجأ إلى تسميتها نسبةً إلى مصادرها، أو إلى استخدام أوصاف مستعارة من حواس أخرى، مثل "منعشة" و"جافة" و"لاذعة". ومع ذلك، فإن عبارة "رائحة القهوة" قد تكون كافية لاستحضار الرائحة لدى محبي القهوة، استنادًا إلى تجاربهم السابقة. لكن ما تستحضره هذه العبارة يختلف من شخص إلى آخر، تبعًا لخبراته وذكرياته وما يرتبط بالرائحة في ذهنه.
ويشير فيتغنشتاين أيضًا إلى أن التفكير لا يجري دائمًا في صورة كلمات أو جمل؛ فقد نكون مدركين لما نريد قوله أو نشعر به قبل أن نصوغه لغويًا. فعندما نقول "آمل" أو 'أتوقع" أو 'أعتقد"، قد يكون الشعور أو التصور الذي نعبر عنه أسبق من العبارة التي نصوغها للتعبير عنه. وفي هذا السياق، ترد في النص المقولة رقم (2.102): "هكذا أفكر في الأمر: الاعتقاد حالة ذهنية، وهو أمر مستمر ومستقل عن عملية التعبير عنه في جملة مثلًا»" ويفيد هذا الطرح يأن الاعتقاد لا يقتصر على العبارة اللغوية التي نعبّر بها عنه، بل ينبغي التمييز بين الحالة الذهنية نفسها وبين صياغتها بالكلمات.
سبق فيتغنشتاين عصره حين نبّه إلى الوهم الذي قد تخلقه اللغة؛ إذ رأى في كتابه "بحوث فلسفية" أن انتظام الجمل ودقة تركيبها قد يوحيان بوجود بنية داخلية ثابتة تحكم اللغة، أو جوهر خفي يقف وراء معاني الكلمات، مع أن هذا التصور لا يعكس بالضرورة الطريقة التي تعمل بها اللغة في الواقع. وقد دفع هذا الإيحاء بعض الفلاسفة إلى البحث عن نظام عميق وثابت يفسر اللغة، بدلًا من النظر إلى كيفية استخدام الكلمات في الحالات المختلفة.
ومن هذا المنطلق، رأى فيتغنشتاين أن الفلسفة، بخلاف العلوم الطبيعية، لا تتمثل مهمتها الأساسية في اكتشاف حقائق جديدة، بل في توضيح كيفية عمل اللغة والكشف عن الالتباسات التي تنشأ من استخدامها. ويعبّر عن ذلك بقوله: "يتكون العمل الفلسفي أساسًا من التوضيحات"، و"الفلسفة لا تسفر عن أطروحات فلسفية، بل عن توضيح الأطروحات". فدور الفلسفة، وفق هذا التصور، ليس طرح نظريات جديدة بقدر ما هو إزالة الالتباس الناجم عن سوء فهم اللغة أو إساءة استخدامها.
وفي ضوء هذه الفكرة، يمكن النظر إلى الطلاقة اللغوية التي تتمتع بها نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) بوصفها مصدرًا لوهم مشابه، لذلك حذّر منه فيتغنشتاين؛ إذ تستطيع هذه النماذج إنتاج جمل مترابطة وسليمة لغويًا، تبدو عميقة وذات معنى، بفضل قدرتها على تعلّم الأنماط اللغوية وتوليد النصوص وفقًا لها. غير أن سلامة التعبير وترابطه لا يكفيان، في حد ذاتهما، لإثبات أن النموذج يفهم المعنى الذي تنتظم كلماته حوله، أو أن ما يقوله يعكس فهمًا حقيقيًا لما يجري في المحيط.
في عام 1861، لاحظ الجراح والأنثروبولوجي الفرنسي بول بروكا (Paul Broca) أن اثنين من مرضاه، اللذين أصيبا بسكتة دماغية، فقدا القدرة على الكلام، ولم يعودا قادرين إلا على نطق أصوات محدودة، رغم احتفاظهما بقدرتهما على فهم اللغة المنطوقة والمكتوبة. وبعد وفاتهما وتشريح دماغيهما، اكتشف بروكا وجود تلف في المنطقة نفسها لدى كليهما، وتحديدًا في الجزء الخلفي من التلفيف الجبهي السفلي الأيسر، ضمن الفص الجبهي. وسُمّيت هذه المنطقة لاحقًا بـ "باحة بروكا" (11)، لارتباطها بإنتاج الكلام. وبعد ذلك باثني عشر عامًا، وصف طبيب الأعصاب والطبيب النفسي الألماني كارل فيرنيكه (Carl Wernicke) حالة مريض كان يتحدث بطلاقة، لكنه عاجز عن فهم اللغة المنطوقة والمكتوبة، رغم سلامة قدرته على سماع الأصوات. وبعد وفاة المريض، كشف فحص دماغه عن إصابة في الجزء الخلفي من التلفيف الصدغي العلوي الأيسر، بالقرب من القشرة السمعية. وسُمّيت هذه المنطقة لاحقًا بـ "باحة فيرنيكه" (12)، لارتباطها بفهم اللغة. وأسهمت هاتان الملاحظتان في ترسيخ فكرة أن إنتاج الكلام وفهم اللغة يرتبطان بمناطق مختلفة من الدماغ، وإن كان أداء هاتين الوظيفتين يعتمد في الواقع على شبكة أوسع من المناطق الدماغية المترابطة.
افترض فيرنيكه أيضًا وجود مسار عصبي يربط بين باحتي بروكا وفيرنيكه، بما يتيح تبادل المعلومات اللازمة لفهم اللغة وإنتاج الكلام. وتُعرف إحدى الوصلات المهمة بينهما باسم "الحزمة المقوسة" (Arcuate Fasciculus (13)، وهي حزمة من الألياف العصبية داخله في نقل المعلومات بين مناطق الدماغ المرتبطة باللغة. وتساعد هذه الوصلات على تنسيق العمليات اللازمة لفهم الكلام وصياغته، بما في ذلك استرجاع الكلمات وترتيبها وفق القواعد اللغوية، قبل أن تُرسل الأوامر الحركية إلى العضلات المسؤولة عن النطق.
لكن أبحاث علم الأعصاب الحديثة، التي تستند إلى دراسة إصابات الدماغ لدى المرضى وتقنيات التصوير العصبي على الأصحاء، كشفت أن معالجة اللغة أكثر تعقيدًا مما افترضته النماذج الأولى؛ فهي لا تعتمد على منطقتي دماغ منفصلتين فحسب، بل على شبكة من المناطق الدماغية المتفاعلة. وتشمل هذه المناطق التلفيف الزاوي (14) والتلفيف فوق الهامشي (15) في الفص الجداري، اللذين يسهمان في جوانب مختلفة من معالجة اللغة، إلى جانب وظائف أخرى تتعلق بالذاكرة والمعالجة المكانية والتفاعل الاجتماعي. كذلك، تؤدي القشرة البصرية دورًا في معالجة الكلمات المكتوبة، فيما تسهم القشرة السمعية في تحليل الخصائص الصوتية للكلام، بما فيها الأصوات والنبرات والإيقاع. وهكذا، يتكامل عمل مناطق متعددة في الدماغ لتمكيننا من فهم اللغة وإنتاجها.
تفيد الأبحاث الحديثة بأن معالجة اللغة لا تقتصر على منطقة واحدة في الدماغ، بل تتوزع على شبكات عصبية تشمل الفصوص الصدغية والجدارية والجبهية، وتتداخل مع وظائف أخرى غير لغوية. وهذا يعني أن المعنى لا يُخزَّن في موضع محدد من الدماغ، بل يتشكل من خلال التفاعل المستمر بين أنظمة عصبية متعددة تسهم في فهم اللغة وإنتاجها، إلى جانب وظائف أخرى.
ويتوافق هذا التصور، إلى حدٍّ ما، مع طرح فيتغنشتاين القائل إن معنى الكلمات يتحدد من خلال استخدامها في الحياة اليومية؛ فاللغة، سواء أكانت منطوقة أم مكتوبة أم مقروءة، جزء من أنشطتنا وخبراتنا اليومية، ويتوقف فهمها على السياق الذي تُستخدم فيه، بما يشمله من إشارات غير لفظية وتفاعلات مع المحيط. ومن هنا، يتيح الجمع بين فلسفة فيتغنشتاين وأبحاث الدماغ الحديثة استخلاص ثلاث نقاط مهمة عند النظر في قدرات نماذج اللغة الكبيرة (LLMs): حدود أصالتها وإبداعها، وإمكانية أن توحي مخرجاتها بوجود فهم للمعنى لا تثبته الطلاقة اللغوية وحدها، وأهمية الدور البشري في توجيه استخدامها وتقييم مخرجاتها والتحقق من صحتها.
تفتقر نماذج اللغة الكبيرة إلى جوانب أساسية من الإبداع البشري
اللغة ليست سوى جزء من الوعي والخبرة البشرية، إذ يستند الإنسان في التعبير عن أفكاره إلى تجاربه الحسية ومشاعره ونواياه وتفاعله المباشر مع المحيط. ووفقًا لفلسفة فيتغنشتاين، لا تنفصل اللغة عن الممارسات اليومية التي يشارك فيها الإنسان بوصفه كائنًا يعيش تجارب فعلية ويفهم معاني الكلمات من خلال استخدامها في سياقات واقعية. أما النماذج اللغوية، فتتعلم الأنماط والعلاقات بين الكلمات من النصوص التي دُرِّبت عليها، من دون أن تعيش التجارب البشرية التي تشير إليها هذه الكلمات؛ فالإنسان يفهم الألم من خلال معايشته إياه، بينما يتعلم النموذج طريقة استخدام كلمة "الألم" من خلال ورودها في النصوص، كما يستحضر الإنسان رائحة القهوة اعتمادًا على ذاكرته الحسية، في حين يستطيع النموذج وصفها لغويًا من دون أن يشمها أو يختبرها. ولا يعني ذلك أن هذه النماذج عاجزة عن إنتاج تعبيرات جديدة أو تقديم أفكار مفيدة؛ إذ يمكنها تركيب المعلومات بطرق غير مألوفة، لكن هذا يختلف عن الإبداع القائم على الخبرة الحسية والمعايشة المباشرة للعالم. وينطبق الأمر نفسه على البحث العلمي؛ فالباحثون لا يكتفون بقراءة الدراسات السابقة، بل يلاحظون الظواهر ويجرون التجارب ويتفاعلون مع المحيط لاختبار الفرضيات واكتشاف حقائق جديدة، وهي أنشطة لا تستطيع النماذج اللغوية تنفيذها بصورة مستقلة بمجرد معالجة النصوص، وإن أمكن توظيفها ضمن منظومات بحثية تستخدم أدوات وتجهيزات خارجية.
"وهم الفهم العميق" لدى نماذج اللغة الكبيرة نشأ جزئيًا من ميلنا إلى إسقاط أفكارنا ومشاعرنا على الآخرين، وهي نزعة تناولها آدم سميث في كتابه "نظرية المشاعر الأخلاقية" (16)، إذ نتخيل ما يشعر به الآخرون وما يدور في أذهانهم، وقد تمتد هذه القابلية إلى الحيوانات والأشياء وبطبيعة الحال إلى الآلات التي تتحدث بلغة بشرية متقنة. ووفقًا لفلسفة فيتغنشتاين، يتشكل فهمنا للغة من خلال "أشكال الحياة"، أي الممارسات والأنشطة البشرية التي تُستخدم الكلمات في سياقها؛ ولذلك، فإن وصف الكمبيوتر بأنه "يفكر" قد يدفعنا إلى التعامل معه كما لو كان يمتلك حالات ذهنية ونوايا ومشاعر شبيهة بما لدى البشر، مع أن قدرته على التعبير عن هذه الحالات لا تثبت امتلاكه لها. فالشخصية التي تبدو للنموذج من خلال أسلوبه اللغوي هي، إلى حد بعيد، نتيجة لطريقة تدريبه وتصميمه، وليست دليلًا على وجود شخصية داخلية مماثلة للشخصية البشرية. كذلك، لا تُنتج هذه النماذج إجاباتها انطلاقًا من معتقدات ونوايا بشرية أو من رغبة ذاتية في الوصول إلى الحقيقة، بل تعتمد على أنماط تعلمتها من البيانات لتوليد استجابات ملائمة للسياق، وقد تستعين بأدوات خارجية للتحقق من المعلومات. وهذا ما يفسر إمكانية وقوعها فيما يُعرف بـ "الهلوسة"، أي توليد معلومات خاطئة أو مختلقة بصياغة تبدو مقنعة؛ فقد أشارت OpenAI إلى أن النماذج قد تخمّن الإجابات عندما تكون غير متأكدة، بدلًا من الإقرار بجهلها. لذلك، لا تكفي طلاقة النموذج اللغوية أو نبرة الثقة في إجاباته دليلًا على صحة المعلومات التي يقدمها، بل ينبغي التحقق منها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالحقائق العلمية أو المعلومات التي يترتب عليها اتخاذ قرارات مهمة.
كيف نتعامل مع النماذج اللغوية الكبيرة بنحو صحيح؟
تكمن الميزة الكبرى للنماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) في قدرتها على معالجة كميات هائلة من المعلومات تفوق ما يستطيع أي فرد استيعابه خلال حياته. ومن منظور فيتغنشتاين، يمكن النظر إلى هذه النماذج بوصفها نمطًا آخر من "ألعاب اللغة،" لكن الاستفادة منها تظل مرهونة بقدرة الإنسان على استخدامها بوعي وإتقان. يتجاوز التفكير والفهم البشريان حدود اللغة؛ فهما يرتبطان بتجارب الإنسان الحية وتفاعله المباشر مع المحيط. أما النماذج اللغوية، فتعتمد على ما أنتجه البشر من معرفة وما وفروه من بيانات، وهو جزء محدود من الواقع، لا الواقع كله.
تتشكل معاني كثيرة من خلال تفاعل الإنسان المباشر مع المحيط، ولا يمكن للكلمات وحدها أن تنقلها كاملة. وإذا انطلقنا من هذا الفهم، فلن ننظر إلى النماذج اللغوية بوصفها تهديدًا للقدرات البشرية، بل بوصفها أدوات يمكن توظيفها لتحقيق أغراض محددة. فهي، شأنها شأن الآلات الحاسبة والطائرات، تتفوق على الإنسان في بعض المهام، لكنها لا تحل محله في جميع جوانب التفكير والفهم. لذلك، بدلًا من المقارنة بينها وبين الإنسان بنحو عام، ينبغي أن نحدد المهام التي تجيد أداءها، والظروف التي يكون استخدامها فيها مفيدًا، مع إبقاء توقعاتنا بشأن قدراتها ضمن حدود واقعية.
فعلى سبيل المثال، يمكن الاستعانة بالنماذج اللغوية لتوليد الأفكار، واستكشاف وجهات نظر متعددة، واكتشاف الأنماط في البيانات، وتلخيص كميات كبيرة من المعلومات. لكن مخرجاتها تظل بحاجة إلى المراجعة والتحقق من صحتها، بالاستناد إلى المعرفة والخبرة والحكم النقدي. كما ينبغي ألا نكتفي بما تقدمه، بل أن نضيف إليه فهمنا الخاص، ونربطه بتجاربنا، ونوظفه في بناء أفكار تعكس رؤيتنا المستقلة.
وختامًا، عندما نقرأ رواية مثل "بقايا النهار" (The Remains of the Day)، فإننا لا نكتفي بفهم الكلمات التي تتألف منها، بل نحاول استيعاب ما تنطوي عليه من مشاعر وتجارب ودلالات لا تستطيع اللغة نقلها كاملة. وهذا ينسجم مع رؤية لودفيغ فيتغنشتاين التي تربط معنى اللغة باستخدامها في الحياة وممارساتها البشرية. ومن هنا، فإن إدراك حدود النماذج اللغوية لا يقل أهمية عن معرفة إمكاناتها؛ فهو يساعدنا على استخدامها بما يعزز تفكيرنا وإبداعنا، بدلًا من التعامل معها كما لو كانت عقولًا بشرية مستقلة.
الخلاصة
فهم الإنسان للغة لا يقتصر على معاني الكلمات والجمل، بل يستند أيضًا إلى المشاعر والذكريات والتجارب الحسية والسياق الاجتماعي. ترى بفلسفة لودفيغ فتغنشتاين أن معنى الكلمات يتحدد من خلال استخدامها في الحياة اليومية، وبأبحاث علم الأعصاب التي بينت أن معالجة اللغة في الدماغ تتداخل مع الذاكرة والإدراك الحسي والتجارب الإنسانية. وفي المقابل، تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية (نماذج اللغة الكبيرة) إنتاج نصوص سلسة ومقنعة من خلال تحليل الأنماط اللغوية، لكن ذلك لا يثبت أنها تفهم المعاني أو تشعر بها كما يفهمها الإنسان. وقد تدفعنا طلاقة هذه النماذج إلى الاعتقاد بأنها تمتلك وعيًا أو شخصية أو قدرة على التفكير المستقل، مع أنها قد تنتج معلومات خاطئة. فالذكاء الاصطناعي أداة قوية للمساعدة في تلخيص المعلومات وتوليد الأفكار واكتشاف الأنماط، لكن ينبغي استخدامه مع الاحتفاظ بالتفكير النقدي والخبرة الإنسانية والتحقق من صحة نتائجه.
الهوامش
1- https://ar.wikipedia.org/wiki/بقايا_النهار_(رواية)
3- https://ar.wikipedia.org/wiki/نموذج_لغوي_كبير
4- https://hbrarabic.com/المفاهيم-الإدارية/وهم-الفهم-العميق/
5- https://ar.wikipedia.org/wiki/معالجة_اللغة_في_الدماغ
6- https://www.mominoun.com/articles/فلسفة-اللغة-لدى-لودفيغ-فيتغنشتاين-إرث-فلسفي-متجدد-9664
7- https://ar.wikipedia.org/wiki/مصنف_منطقي_فلسفي
8- https://ar.wikipedia.org/wiki/تحقيقات_فلسفية
9- https://ar.wikipedia.org/wiki/لعبة_لغوية_(فلسفة)
10- الألعاب، التي استشهد بها فيتغنشتاين لتوضيح هذا المفهوم، المثال الأبرز على مجموعة من الأشياء التي لا يجمع بينها تعريف واحد، بل تتداخل بينها أوجه من التشابه، وهو ما يُعرف بـ "الشبه العائلي". ويُعتقد أن فيتغنشتاين استوحى هذه الفكرة ومصطلحها من فريدريك نيتشه، الذي استخدمه، شأنه شأن عدد من علماء اللغة في القرن التاسع عشر، عند الحديث عن العائلات اللغوية." ترجمناه من نص ورد على هذا العنوان:
https://en.wikipedia.org/wiki/Family_resemblance
11- https://ar.wikipedia.org/wiki/منطقة_بروكا
12- https://ar.wikipedia.org/wiki/باحة_فيرنيكه
13- https://ar.wikipedia.org/wiki/الحزمة_المقوسة
14- https://ar.wikipedia.org/wiki/تلفيف_زاوي
15- https://ar.wikipedia.org/wiki/تلفيف_فوق_الهامشي
16- https://ar.wikipedia.org/wiki/نظرية_المشاعر_الأخلاقية
المصدر الرئيس
https://medium.com/illumination/the-illusion-of-understanding-8b083cc1e11e
جديد الموقع
- 2026-10-19 الدفاعية… حين تتحول العلاقة الزوجية إلى ساحة لتبادل الاتهامات
- 2026-10-19 (خلودُكَ في العمقِ لا في الغموض)
- 2026-10-18 (مختبر المسرح) نحو تأسيس ذاكرة معرفية ونقدية للمسرح السعودي
- 2026-10-18 قصائد تطارد الضوء في بيت الشعر بالشارقة
- 2026-10-18 من التسويق إلى التنظيم.. «كريفا» تقود نجاح مؤتمر REACH 2026 في جدة وتُكرَّم على جهودها
- 2026-10-18 الدكتور هيثم شاولي :غسل اليدين بالماء والصابون خط الدفاع الأول للوقاية من الأمراض المعدية
- 2026-10-18 سمو أمير المنطقة الشرقية يهنئ منشأتين صحيتين لفوزهما بجائزة «أداء الصحة» لعام 2026
- 2026-10-18 سمو أمير المنطقة الشرقية يستقبل القائمين على مجسم "التلاقي"
- 2026-10-18 سمو محافظ حفرالباطن يستقبل يستقبل مدير الشرطة بالمحافظة بمناسبة تكليفه
- 2026-10-18 مباراة القمة وديربي في بريدة يشعلان الجولة الثامنة من دوري الأولى