2016/06/07 | 0 | 3268
رمضان : اسم ومعنى
إذن شهر رمضان ليس شهرا عاديا،بل هو شهر استثنائي ومميز بامتياز،ولا يباريه شهر آخر في كل الفضائل والمناقب والمآثر والمكرمات،كما أنه محطة من أهم المحطات في حياة الإنسان المؤمن بل هو أهمها على الإطلاق إذ فيه ومن خلاله تكون الرحلة الروحانية بعروج القلب والروح من عالم الملك إلى عالم الملكوت حيث الله والدار الآخرة والنعيم المقيم،فهو فرصة حقيقية لبناء الذات،وتهذيب النفس، وتقويم السلوك،وإعادة صياغة الإنسان من جديد.
✨وليس قصدي الآن الحديث عن شهر رمضان وفضله ومكانته،ولا عما يجب أن يكون عليه الفرد المسلم من التحلي بالفضيلة والتخلي عن الرذيلة، ومحاولة التخلص من الانشداد الكامل إلى عالم المادبات،إلى الانفتاح على عالم المعنويات وهو يعيش أيامه الطيبة المباركة،ولا عما لهذا الشهر العظيم من إنعكاسات نورانية مباركة تشرق على عقل الإنسان وقلبه ونفسه لتطهره من ذنوبه وآثامه ومعاصيه، وتساعده على بناء نفسه وتهذيب سلوكه ليكون ملاكا طاهرا يمشي على الأرض.
✨كل هذا ليس هو محور حديثي الآن،لأنه معلوم عند الجميع،كما أننا قد نتطرق إليه في مواضيع أخرى قادمة،وإنما ذكرنا ما ذكرنا من شذرات مختصرة في بيان عظمة هذا الشهر وقدسيته تذكيرا وتنبيها،إذ (الذكرى تنفع المؤمنين) وليكون ذلك مقدمة تمهيدية لصلب موضوعنا هذا،الذي سنتطرق فيه إلى بيان معنى رمضان في اللغة،وبيان سبب تسمية هذا الشهر العظيم بهذا الاسم المبارك.
- الشهور والأهلة :
شهر رمضان المبارك هو الشهر التاسع من الأشهر الهجرية القمرية ويقع بين شهري شعبان وشوال،وهو الشهر الوحيد من بين جميع الشهور،الذي تم ذكره باسمه في القرآن الكريم،وذلك في قوله سبحانه وتعالى : (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان)
وسمي الشهر شهرا، لاشتهاره بالهلال،أي أنه يشتهر ويظهر ويعرف بالأهلة التي جعلها الله عز وجل مواقيت،كما في قوله جل وعلا : (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس)
والأهلة جمع هلال،وقد اختلفوا في الوقت الذي يسمى فيه القمر هلالا،فقال البعض يسمى القمر هلالا في أول الشهر القمري،إذا خرج من تحت شعاع الشمس في الليلتين الأولى والثانية.
والبعض الآخر يرى أن القمر يكون هلالا في الليالي الثلاث الأولى من الشهر.
في حين يذهب البعض إلى تسميته هلالا إلى أن يتحجر، والتحجر هو أن يستدير بخطة دقيقة.
وقال آخرون : يسمى هلالا حتى يبهر نوره ظلمة الليل،وذلك في الليلة السابعة ثم يسمى قمرا وفي الليلة الرابعة عشرا يسمى بدرا.
واسم ضوئه (الهالة) واسم دارته (الزبرقان) أما اسمه العام عند العرب فهو (الفخت)
أما الاستهلال فهو رفع الصوت،ومنه قولنا : استهل الصبي،إذا خرج من بطن أمه صارخا رافعا صوته بالبكاء، وكذا قولنا : أهل القوم بالحج،أي رفعوا صوتهم بالتلبية.
وإنما سمي الهلال هلالا، لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه،وقد أنشد يعضهم :
وشهر مستهل بعد شهر
ويـوم بعـده يـوم جـديـد
ولو عدنا إلى الآية الكريمة (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس) فمعناها باختصار : أنهم يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله عن الأهلة للأشهر القمرية،وعن الحكمة من ورائها،فعلّم الله نبيه المصطفى صلى الله عليه وآله أن يجيبهم بأن ذلك من أجل معرفة المواقيت والأزمنة، وذلك لاحتياج الناس إلى معرفة الأزمنة لما يترتب على ذلك من مصالحهم الدينية والدنيوية على السواء,فكل معاملات الناس إنما هي قائمة على معرفة الزمان والمواقيت، ولولا هذه المعرفة وإلا لما أمكنهم التعامل في ما بينهم ومع بعضهم بضرب زمان معين لأي معاملة بينهم،مما يشل حركتهم،ويعطل أعمالهم، ويفسد عليهم مصالحهم،كما لا يمكن حينها معرفة المواسم وخصائصها، مما يضيع على الإنسان الاستفادة منها...كما لن يتمكن الإنسان حينها من القيام ببعض التكاليف العبادية كالحج ـ مثلا ـ الذي يتوقف القيام به على معرفة زمانه،ومعرفة زمانه متوقفة على معرفة الأشهر،ومعرفة الأشهر متوقفة على الهلال، وكذلك الحال في الصيام الذي يتوقف القيام به على معرفة الشهر الذي يقع فيه، ومعرفة الشهر متوقفة على الهلال...وهكذا نرى أن معرفة الأهلة والأشهر مهمة جدا في حياة الإنسان،بل بدونها تتعطل كل المعاملات، وتضيع كل المصالح،بل أن الإنسان يصاب بالشلل الكامل في كل شؤون الحياة.
والشهر القمري قد يكون ثلاثين يوما،وقد يكون تسعة وعشرين يوما،ولا يمكن أن يزيد عن الثلاثين،أو ينقص عن التسعة والعشرين،وهو يثبت بعدة طريق
الطريق الأول : رؤية الإنسان الهلال بنفسه.
الطريق الثاني : شهادة عدلين برؤية الهلال.
الطريق الثالث : إتمام ثلاثين يوما في حال عدم التمكن من رؤية الهلال.
وهناك تفاصيل فقهية متعلقة بالموضوع,لا أريد الخوض فيها الآن،حتى لا نخرج عن محور حديثنا ونتشعب كثيرا.
جمع رمضان وسبب تسميته :
قلنا أن شهر رمضان هو الشهر التاسع من الأشهر القمرية،وأنه الشهر الوحيد المذكور باسمه في القرآن الكريم.
وقد ذكر اللغويون صيغ جمع كثيرة لرمضان،ففي الحكم : يجمع رمضان على رمضانات و رمضانون ـ رفعا ـ ورمضانين ـ نصبا وجرا ـ وكذلك الحال في شعبان.
وفي الصحاح : يجمع رمضان على أرمضاء كأصفياء،وأرمضة كأسلحة.
وفي العلم المشهور لأبي الخطاب : يجمع رمضان على رمضانات ـ بكسر الراء ـ وأراميض،ورمضان من الرمض،وهو شدة وقع الشمس على الرمل وغيره.
وفي المجلد الأول الجزء الثاني ص495 من مجمع البيان للطبرسي : (إنما سموه رمضان،لأنهم سموا الشهور بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق رمضان أيام رمض الحر) أي شدته.
وقيل : إن العرب اعتادوا رمض أسلحتهم ـ أي دقها وتجهيزها ـ في رمضان، استعدادا للحرب في شوال قبل دخول الأشهر الحرم.
وقيل : إنما سمي رمضان، لأنه يرمض الذنوب، أي يحرقها،ومنه قول الشاعر :
المستجيـر بعمـرو عنـد كربتـه
كالمستجير من الرمضـاء بالنار
وإنما كان لشهر رمضان دوره الكبير في حرق الذنوب،وتطهير الإنسان من الأدران التي رانت على قلبه، حتى شكلت حجابا بينه وبين ربه،،لأن شهر رمضان ـ كما أشرنا ـ هو شهر الخير والبركة والمغفرة والرحمة، الذي فيه يحاول الإنسان المؤمن التزود من الخيرات، والإكثار من الأعمال الصالحات، التي تقربه إلى الله زلفى،وتنفعه في حياته الدنيا،و (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) فعادة يختلف سلوك الإنسان المسلم في هذا الشهر العظيم عما هو عليه في سائر الشهور الأخرى، ويتغير فيه تغيرا إيجابيا ملحوظا، فهو يحاول أن يجتهد أكثر في المحافظة على التكاليف العبادية، والإكثار من الأعمال المستحبة،كالصلاة وقراءة القرآن والدعاء والتضرع والاستغفار...كما أنه يصحو من نومته،وينتبه من غفلته، فيهتم بإصلاح نفسه أكثر فأكثر،ويحاول تربيتها على العفة والفضيلة والاستقامة على الصراط المستقيم، وينفتح على الغيب بقلبه وجوارحه،ويعود إلى ربه بالتوبة والإنابة وطلب الرحمة والمغفرة،أضف إلى كل ذلك مسارعته فيي الخيرات،ومبادراته الاجتماعية،المجسدة لمفهوم التكافل الاجتماعي،من إفطار الصائيمن،ومساعدة الفقراء والمحتاجين،وصلة الرحم... إلى ما هناك من أعمال كثيرة وجليلة،عادة يحرص عليها الفرد المسلم خلال هذا الشهر المبارك،بما يشمله الله من ألطاف ورحمات وبركات، فيكفر عنه السيئات، ويضاعف له الحسنات،ويرفع له الدرجات.
- هل رمضان من أسماء الله تعالى؟
ورد في بعض الأخبار أن رمضان من أسماء الله سبحانه وتعالى،وعن مجاهد : (لا تقل : رمضان، ولكن قل : شهر رمضان،فإنك لا تدري ما رمضان)
ولكن يشكل على هذا القول وعلى هذه الأخبار،أنه لم يرد اسم رمضان ضمن أسماء الله عز وجل،وهي مذكورة ومعروفة،كما أن هنالك بعض الأحاديث الشريفة تذكر رمضان دون أن تضيف كلمة شهر إليه،مما يعني عدم صحة القول بأن رمضان من أسماء الله عز وجل،وإن كان ينسب إليه فيقال : (شهر الله) ولكن نسبة الشهر إليه،تختلف عن أن يكون من أسمائه سبحانه وتعالى.
أسماء شهر رمضان :
وقالوا : لرمضان أسماء كثيرة في الإسلام ومنها : شهر الله،وشهر القرآن،وشهر الرحمة،وشهر العتق من النار، وشهر الآلاء،وشهر النجاة، وشهر الصبر.وشهر المواساة، وشهر الخير،وشهر البركات، وشهر الخيرات،وشهر إجابة الدعوات،وشهر التوبة...إلى آخر ما ذكروه له من أسماء.
✨والحق أن هذه ليست أسماء للشهر،وإنما هي صفات له،تبين ما يمتاز به على غير من سائر الشهور من عظمة الجلال وجلال العظمة،وسمو المنزلة والمنزلة السامية،ورفعة المقام والمقام الرفيع...ولا شك أن شهر رمضان ليس شهرا عاديا كسائر الشهور،بل هو شهر عظيم,له قيمته وأهميته وامتيازه على غيره من الشهور جميعا،فهو ـ كما أشرنا ـ شهر لا يباريه شهر آخر في كل الفضائل والمناقب والمآثر والمكرمات.
- إشادة النصوص الإسلامية بشهر رمضان :
وقد أشادت النصوص الإسلامية بهذا الشهر العظيم إشادة كبيرة،في الكثير من الأحاديث الواردة عن النبي وآله الأكرمين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ويكفيك ما جاء في الخطبة النبوية الجليلة العظيمة،التي ألقاها هيكل القداسة وسيد الكائنات،النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في آخر جمعة من شعبان،مبينا عظمة هذا الشهر العظيم،ومدى فضله وامتيازه على سائر الشهور الأخرى،واضعا برنامجا عمليا لما ينبغي أن يكون عليه الإنسان المؤمن في هذا الشهر المبارك.
ومما قاله صلى الله عليه وآله في هذه الخطبة الجليلة،مبينا قدسية وعظمة هذا الشهر العظيم : (أيها الناس، إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة،شهر هو عند الله أفضل الشهور،وأيامه أفضل الأيام،ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات.
هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله،وجعلتم فيه من أهل كرامة الله،أنفاسكم فيه تسبيح،ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول،ودعاؤكم فيه مستجاب،فسلوا الله ربكم بنيات صادقة،وقلوب طاهرة،أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه،فإن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم...) إلى آخر ما جاء في تلك الخطبة النبوية النوارانية عن هذا الشهر وقدسيته،والتي هي أيضا دستور نبوي متكامل لما ينبغي أن يكون عليه الفرد المسلم خلال هذا الشهر الفضيل.
وقال صلى الله عليه وآله:(...هو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة،وآخره عتق من النار)
وقال أمير المؤمنين عليه السلام : (نوم الصائم عبادة،وصمته تسبيح، ودعاؤه مستجاب،وعمله مضاعف،إن للصائم دعوة عند إفطاره لا ترد)
وفي الحديث القدسي : (الصوم لي،وأنا أجزي به)
وفي حديث قدسي آخر : (والصائم يفرح بفرحتين: حين يفطر فيطعم ويشرب،وحين يلقاني فأدخله الجنة) إلى ما هناك من النصوص الإسلامية المقدسة الواردة في هذا المعنى،التي نكتفي منها بما ذكرناه،ولا نستطرد في إيرادها أكثر،لأنها أكثر من أن تحصر،وأشهر من أن تذكر.
- أهمية شهر رمضان في حياة الإنسان :
إن شهر رمضان محطة من أهم المحطات،بل هو أهم المحطات الإيمانية الروحانية التربوية في حياة الإنسان المؤمن،إذ فيه ومن خلاله ـ كما أشرنا ـ يجدد الفرد المؤمن علاقته مع الله عز وجل،ويبدأ هجرته إليه سبحانه وتعالى،من خلال رحلته الملكوتية من عالم الملك إلى عالم الملكوت، حيث الله والدار الآخرة والنعيم المقيم.
كما أنه فرصة حقيقية لتطهير النفس الإنسانية الأمارة بالسوء،مما ران عليها من الذنوب والآثام التي شكلت حجابا بين الإنسان وبين ربه،بتوبة نصوح لا يحتاج بعدها إلى توبة،من خلال إقلاعه عن الذنوب صغيرها وكبيرها،وصيام جوارحه كلها عن الآثام،قبل صيام بطنه عن الطعام، ليساعده ذلك على إعادة بناء ذاته،وتهذيب نفسه،وتقويم سلوكه،إلى أن يكون ملكا كريما يمشي على الأرض.
إنه الشهر الذي تتوطد فيه علاقة الإنسان بربه، وتزداد صلته به،وقربه منه، إلى حد أن يدنو فيتدلى، فيكون قاب قوسين أو أدنى، دنوا وقربا من العلي الأعلى، فتتجلى لقلبه عظمة الذات الإلهية المقدسة بكل ما لها من عظمة وجلال وجمال وبهاء،فيرى الله بعين القلب والبصيرة،وتصبح روحه معلقة بعز قدسه تبارك وتعالى،فيسجد له تذللا، ويصلي خشوعا،ويناجيه تضرعا،ويتلو كتابه مرتلا متدبرا،ويستغفره منيبا، ويبكي بحضرته شوقا ورغبة ورهبة،فيطمئن قلبه بذكره، وتسكن روحه بمناجاته، ويتذوق حلاوة حبه ولذة عشقه،وجمال القرب منه، ولذة الاتصال به،فيسلو الدنيا كلها،فلا يروم منه بدلا،ولا عنه متحولا.
إذن شهر رمضان ليس شهرا عاديا،بل هو شهر استثنائي ومميز بامتياز،ولا يباريه شهر آخر في كل الفضائل والمناقب والمآثر والمكرمات،كما أنه محطة من أهم المحطات في حياة الإنسان المؤمن بل هو أهمها على الإطلاق إذ فيه ومن خلاله تكون الرحلة الروحانية بعروج القلب والروح من عالم الملك إلى عالم الملكوت حيث الله والدار الآخرة والنعيم المقيم،فهو فرصة حقيقية لبناء الذات،وتهذيب النفس، وتقويم السلوك،وإعادة صياغة الإنسان من جديد.
وليس قصدي الآن الحديث عن شهر رمضان وفضله ومكانته،ولا عما يجب أن يكون عليه الفرد المسلم من التحلي بالفضيلة والتخلي عن الرذيلة، ومحاولة التخلص من الانشداد الكامل إلى عالم المادبات،إلى الانفتاح على عالم المعنويات وهو يعيش أيامه الطيبة المباركة،ولا عما لهذا الشهر العظيم من إنعكاسات نورانية مباركة تشرق على عقل الإنسان وقلبه ونفسه لتطهره من ذنوبه وآثامه ومعاصيه، وتساعده على بناء نفسه وتهذيب سلوكه ليكون ملاكا طاهرا يمشي على الأرض.
كل هذا ليس هو محور حديثي الآن،لأنه معلوم عند الجميع،كما أننا قد نتطرق إليه في مواضيع أخرى قادمة،وإنما ذكرنا ما ذكرنا من شذرات مختصرة في بيان عظمة هذا الشهر وقدسيته تذكيرا وتنبيها،إذ (الذكرى تنفع المؤمنين) وليكون ذلك مقدمة تمهيدية لصلب موضوعنا هذا،الذي سنتطرق فيه إلى بيان معنى رمضان في اللغة،وبيان سبب تسمية هذا الشهر العظيم بهذا الاسم المبارك.
- الشهور والأهلة :
شهر رمضان المبارك هو الشهر التاسع من الأشهر الهجرية القمرية ويقع بين شهري شعبان وشوال،وهو الشهر الوحيد من بين جميع الشهور،الذي تم ذكره باسمه في القرآن الكريم،وذلك في قوله سبحانه وتعالى : (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان)
وسمي الشهر شهرا، لاشتهاره بالهلال،أي أنه يشتهر ويظهر ويعرف بالأهلة التي جعلها الله عز وجل مواقيت،كما في قوله جل وعلا : (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس)
والأهلة جمع هلال،وقد اختلفوا في الوقت الذي يسمى فيه القمر هلالا،فقال البعض يسمى القمر هلالا في أول الشهر القمري،إذا خرج من تحت شعاع الشمس في الليلتين الأولى والثانية.
والبعض الآخر يرى أن القمر يكون هلالا في الليالي الثلاث الأولى من الشهر.
في حين يذهب البعض إلى تسميته هلالا إلى أن يتحجر، والتحجر هو أن يستدير بخطة دقيقة.
وقال آخرون : يسمى هلالا حتى يبهر نوره ظلمة الليل،وذلك في الليلة السابعة ثم يسمى قمرا وفي الليلة الرابعة عشرا يسمى بدرا.
واسم ضوئه (الهالة) واسم دارته (الزبرقان) أما اسمه العام عند العرب فهو (الفخت)
✨أما الاستهلال فهو رفع الصوت،ومنه قولنا : استهل الصبي،إذا خرج من بطن أمه صارخا رافعا صوته بالبكاء، وكذا قولنا : أهل القوم بالحج،أي رفعوا صوتهم بالتلبية.
وإنما سمي الهلال هلالا، لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه،وقد أنشد يعضهم :
وشهر مستهل بعد شهر
ويـوم بعـده يـوم جـديـد
✨ولو عدنا إلى الآية الكريمة (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس) فمعناها باختصار : أنهم يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله عن الأهلة للأشهر القمرية،وعن الحكمة من ورائها،فعلّم الله نبيه المصطفى صلى الله عليه وآله أن يجيبهم بأن ذلك من أجل معرفة المواقيت والأزمنة، وذلك لاحتياج الناس إلى معرفة الأزمنة لما يترتب على ذلك من مصالحهم الدينية والدنيوية على السواء,فكل معاملات الناس إنما هي قائمة على معرفة الزمان والمواقيت، ولولا هذه المعرفة وإلا لما أمكنهم التعامل في ما بينهم ومع بعضهم بضرب زمان معين لأي معاملة بينهم،مما يشل حركتهم،ويعطل أعمالهم، ويفسد عليهم مصالحهم،كما لا يمكن حينها معرفة المواسم وخصائصها، مما يضيع على الإنسان الاستفادة منها...كما لن يتمكن الإنسان حينها من القيام ببعض التكاليف العبادية كالحج ـ مثلا ـ الذي يتوقف القيام به على معرفة زمانه،ومعرفة زمانه متوقفة على معرفة الأشهر،ومعرفة الأشهر متوقفة على الهلال، وكذلك الحال في الصيام الذي يتوقف القيام به على معرفة الشهر الذي يقع فيه، ومعرفة الشهر متوقفة على الهلال...وهكذا نرى أن معرفة الأهلة والأشهر مهمة جدا في حياة الإنسان،بل بدونها تتعطل كل المعاملات، وتضيع كل المصالح،بل أن الإنسان يصاب بالشلل الكامل في كل شؤون الحياة.
والشهر القمري قد يكون ثلاثين يوما،وقد يكون تسعة وعشرين يوما،ولا يمكن أن يزيد عن الثلاثين،أو ينقص عن التسعة والعشرين،وهو يثبت بعدة طريق
- الطريق الأول : رؤية الإنسان الهلال بنفسه.
- الطريق الثاني : شهادة عدلين برؤية الهلال.
- الطريق الثالث : إتمام ثلاثين يوما في حال عدم التمكن من رؤية الهلال.
وهناك تفاصيل فقهية متعلقة بالموضوع,لا أريد الخوض فيها الآن،حتى لا نخرج عن محور حديثنا ونتشعب كثيرا.
- جمع رمضان وسبب تسميته :
قلنا أن شهر رمضان هو الشهر التاسع من الأشهر القمرية،وأنه الشهر الوحيد المذكور باسمه في القرآن الكريم.
وقد ذكر اللغويون صيغ جمع كثيرة لرمضان،ففي الحكم : يجمع رمضان على رمضانات و رمضانون ـ رفعا ـ ورمضانين ـ نصبا وجرا ـ وكذلك الحال في شعبان.
وفي الصحاح : يجمع رمضان على أرمضاء كأصفياء،وأرمضة كأسلحة.
وفي العلم المشهور لأبي الخطاب : يجمع رمضان على رمضانات ـ بكسر الراء ـ وأراميض،ورمضان من الرمض،وهو شدة وقع الشمس على الرمل وغيره.
وفي المجلد الأول الجزء الثاني ص495 من مجمع البيان للطبرسي : (إنما سموه رمضان،لأنهم سموا الشهور بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق رمضان أيام رمض الحر) أي شدته.
وقيل : إن العرب اعتادوا رمض أسلحتهم ـ أي دقها وتجهيزها ـ في رمضان، استعدادا للحرب في شوال قبل دخول الأشهر الحرم.
وقيل : إنما سمي رمضان، لأنه يرمض الذنوب، أي يحرقها،ومنه قول الشاعر :
المستجيـر بعمـرو عنـد كربتـه
كالمستجير من الرمضـاء بالنار
وإنما كان لشهر رمضان دوره الكبير في حرق الذنوب،وتطهير الإنسان من الأدران التي رانت على قلبه، حتى شكلت حجابا بينه وبين ربه،،لأن شهر رمضان ـ كما أشرنا ـ هو شهر الخير والبركة والمغفرة والرحمة، الذي فيه يحاول الإنسان المؤمن التزود من الخيرات، والإكثار من الأعمال الصالحات، التي تقربه إلى الله زلفى،وتنفعه في حياته الدنيا،و (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) فعادة يختلف سلوك الإنسان المسلم في هذا الشهر العظيم عما هو عليه في سائر الشهور الأخرى، ويتغير فيه تغيرا إيجابيا ملحوظا، فهو يحاول أن يجتهد أكثر في المحافظة على التكاليف العبادية، والإكثار من الأعمال المستحبة،كالصلاة وقراءة القرآن والدعاء والتضرع والاستغفار...كما أنه يصحو من نومته،وينتبه من غفلته، فيهتم بإصلاح نفسه أكثر فأكثر،ويحاول تربيتها على العفة والفضيلة والاستقامة على الصراط المستقيم، وينفتح على الغيب بقلبه وجوارحه،ويعود إلى ربه بالتوبة والإنابة وطلب الرحمة والمغفرة،أضف إلى كل ذلك مسارعته فيي الخيرات،ومبادراته الاجتماعية،المجسدة لمفهوم التكافل الاجتماعي،من إفطار الصائيمن،ومساعدة الفقراء والمحتاجين،وصلة الرحم... إلى ما هناك من أعمال كثيرة وجليلة،عادة يحرص عليها الفرد المسلم خلال هذا الشهر المبارك،بما يشمله الله من ألطاف ورحمات وبركات، فيكفر عنه السيئات، ويضاعف له الحسنات،ويرفع له الدرجات.
- هل رمضان من أسماء الله تعالى؟
ورد في بعض الأخبار أن رمضان من أسماء الله سبحانه وتعالى،وعن مجاهد : (لا تقل : رمضان، ولكن قل : شهر رمضان،فإنك لا تدري ما رمضان)
ولكن يشكل على هذا القول وعلى هذه الأخبار،أنه لم يرد اسم رمضان ضمن أسماء الله عز وجل،وهي مذكورة ومعروفة،كما أن هنالك بعض الأحاديث الشريفة تذكر رمضان دون أن تضيف كلمة شهر إليه،مما يعني عدم صحة القول بأن رمضان من أسماء الله عز وجل،وإن كان ينسب إليه فيقال : (شهر الله) ولكن نسبة الشهر إليه،تختلف عن أن يكون من أسمائه سبحانه وتعالى.
- أسماء شهر رمضان :
وقالوا : لرمضان أسماء كثيرة في الإسلام ومنها : شهر الله،وشهر القرآن،وشهر الرحمة،وشهر العتق من النار، وشهر الآلاء،وشهر النجاة، وشهر الصبر.وشهر المواساة، وشهر الخير،وشهر البركات، وشهر الخيرات،وشهر إجابة الدعوات،وشهر التوبة...إلى آخر ما ذكروه له من أسماء.
والحق أن هذه ليست أسماء للشهر،وإنما هي صفات له،تبين ما يمتاز به على غير من سائر الشهور من عظمة الجلال وجلال العظمة،وسمو المنزلة والمنزلة السامية،ورفعة المقام والمقام الرفيع...ولا شك أن شهر رمضان ليس شهرا عاديا كسائر الشهور،بل هو شهر عظيم,له قيمته وأهميته وامتيازه على غيره من الشهور جميعا،فهو ـ كما أشرنا ـ شهر لا يباريه شهر آخر في كل الفضائل والمناقب والمآثر والمكرمات.
- إشادة النصوص الإسلامية بشهر رمضان :
وقد أشادت النصوص الإسلامية بهذا الشهر العظيم إشادة كبيرة،في الكثير من الأحاديث الواردة عن النبي وآله الأكرمين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ويكفيك ما جاء في الخطبة النبوية الجليلة العظيمة،التي ألقاها هيكل القداسة وسيد الكائنات،النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في آخر جمعة من شعبان،مبينا عظمة هذا الشهر العظيم،ومدى فضله وامتيازه على سائر الشهور الأخرى،واضعا برنامجا عمليا لما ينبغي أن يكون عليه الإنسان المؤمن في هذا الشهر المبارك.
ومما قاله صلى الله عليه وآله في هذه الخطبة الجليلة،مبينا قدسية وعظمة هذا الشهر العظيم : (أيها الناس، إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة،شهر هو عند الله أفضل الشهور،وأيامه أفضل الأيام،ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات.
هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله،وجعلتم فيه من أهل كرامة الله،أنفاسكم فيه تسبيح،ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول،ودعاؤكم فيه مستجاب،فسلوا الله ربكم بنيات صادقة،وقلوب طاهرة،أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه،فإن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم...) إلى آخر ما جاء في تلك الخطبة النبوية النوارانية عن هذا الشهر وقدسيته،والتي هي أيضا دستور نبوي متكامل لما ينبغي أن يكون عليه الفرد المسلم خلال هذا الشهر الفضيل.
وقال صلى الله عليه وآله:(...هو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة،وآخره عتق من النار)
وقال أمير المؤمنين عليه السلام : (نوم الصائم عبادة،وصمته تسبيح، ودعاؤه مستجاب،وعمله مضاعف،إن للصائم دعوة عند إفطاره لا ترد)
وفي الحديث القدسي : (الصوم لي،وأنا أجزي به)
وفي حديث قدسي آخر : (والصائم يفرح بفرحتين: حين يفطر فيطعم ويشرب،وحين يلقاني فأدخله الجنة) إلى ما هناك من النصوص الإسلامية المقدسة الواردة في هذا المعنى،التي نكتفي منها بما ذكرناه،ولا نستطرد في إيرادها أكثر،لأنها أكثر من أن تحصر،وأشهر من أن تذكر.
- أهمية شهر رمضان في حياة الإنسان :
إن شهر رمضان محطة من أهم المحطات،بل هو أهم المحطات الإيمانية الروحانية التربوية في حياة الإنسان المؤمن،إذ فيه ومن خلاله ـ كما أشرنا ـ يجدد الفرد المؤمن علاقته مع الله عز وجل،ويبدأ هجرته إليه سبحانه وتعالى،من خلال رحلته الملكوتية من عالم الملك إلى عالم الملكوت، حيث الله والدار الآخرة والنعيم المقيم.
كما أنه فرصة حقيقية لتطهير النفس الإنسانية الأمارة بالسوء،مما ران عليها من الذنوب والآثام التي شكلت حجابا بين الإنسان وبين ربه،بتوبة نصوح لا يحتاج بعدها إلى توبة،من خلال إقلاعه عن الذنوب صغيرها وكبيرها،وصيام جوارحه كلها عن الآثام،قبل صيام بطنه عن الطعام، ليساعده ذلك على إعادة بناء ذاته،وتهذيب نفسه،وتقويم سلوكه،إلى أن يكون ملكا كريما يمشي على الأرض.
إنه الشهر الذي تتوطد فيه علاقة الإنسان بربه، وتزداد صلته به،وقربه منه، إلى حد أن يدنو فيتدلى، فيكون قاب قوسين أو أدنى، دنوا وقربا من العلي الأعلى، فتتجلى لقلبه عظمة الذات الإلهية المقدسة بكل ما لها من عظمة وجلال وجمال وبهاء،فيرى الله بعين القلب والبصيرة،وتصبح روحه معلقة بعز قدسه تبارك وتعالى،فيسجد له تذللا، ويصلي خشوعا،ويناجيه تضرعا،ويتلو كتابه مرتلا متدبرا،ويستغفره منيبا، ويبكي بحضرته شوقا ورغبة ورهبة،فيطمئن قلبه بذكره، وتسكن روحه بمناجاته، ويتذوق حلاوة حبه ولذة عشقه،وجمال القرب منه، ولذة الاتصال به،فيسلو الدنيا كلها،فلا يروم منه بدلا،ولا عنه متحولا
جديد الموقع
- 2026-04-04 افراح العباد اتهانينا
- 2026-04-04 بر الفيصلية يكرم المشاركين في برنامج (ساعاتي حسناتي )
- 2026-04-04 مع عروج أريب - لِوَاءُ الْمَنَابِرِ
- 2026-04-04 عيناك تسبرني
- 2026-04-02 متى يكون نوم الزوجين على سريرين منفصلين أفضل؟
- 2026-04-02 ( ( صراع الجهل والعلم) )
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*