2017/05/11 | 0 | 2019
الشيخ الأوحد بيين الحكمة والفلسفة
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد واله الطاهرين
منذ أقدم الأزمنة والإنسان يحاول بلوغ الحكمة أو الوصول إلى منهج تحصيلها، وكان الفلاسفة الأوائل مثل سقراط وأفلاطون وارسطو يدركون أن سبيل الوصول الى الحكمة غير متاح ولا متيسر لمن لم تكن له من الله عز وجل عناية خاصة تؤهله لفهم نظام الكون وفهم سر الوجود وصفات الملك المعبود، وكانوا يدركون أن الطريق النظري لفهم الكون بواسطة العقل غير كاف في تحصيل الحكمة، فالأسرار التي ينطوي عليها النظام، وقرانات الكواكب الأجرام، وكيفية نشوء الأجسام، والتأثيرات السماوية في المواليد الأرضية وأخبار الملأ الأعلى واصناف الملائكة وحقيقة العرش ولكرسي...، كل هذه عدت من توابع الحكمة الالهية، وقلما يصل الانسان إلى فهم ظواهرها من خلال العقل والتفكير واما فهم كنه حقيقتها فدون بلوغه خرط القتاد.
فلابد من تعليم إلهي خاص، وهذا التعليم يلتمس من الوسائط بين الله وخلقه وهم الأنبياء عليهم السلام، ولذلك كان العقلاء يعتقدون بأن الذي يتلقى من الله عز وجل الوحي هو المصداق التام لكلمة (حكيم)، كيف لا يكون حكيماً من اختاره الله تعالى لأداء مهمة ارشاد العباد وهدايتهم إلى الطريق المستقيم؟ ولكن الأنبياء الذين وهبوا الحكمة من الله عز وجل لم يكن غرضهم تعليمها للناس وذلك لتفاوت الناس في القابليات والاستعدادت، فإن وجد من يكون اهلاً لها ألقى الله في فؤاده نورها... انما بُعث الانبياء لإرشاد الناس وتوجيههم طبقاً للحكمة، وكانت قضية التوحيد والمعاد (الإيمان بالله واليوم الآخر) من أجل المعارف الحكمية التي ألبسها الله تعالى ثوب االشرائع وتعبّد الخلق بالاعتقاد بها، ووكل الرسل والانبياء بتبليغها.
وقد أوجد الله تبارك وتعالى عند خلقه حساً فطريا للايمان بالله واليوم الآخر، وهذا الإيمان الفطري هو حس وجداني بوجود سبب لكل شيء موجود، وصانع لكل مصنوع ومحرك لكل متحرك، لكن الإنسان قد تساءل منذ أقدم الأزمنة عن ماهية الاسباب القصوى لنظام الكون، وكيفية نشوء العالم بكل ما يتجلى فيه من التنوع والترابط والانسجام، وجميع المحاولات التي قدمها البشر للاجابة عن هذه الاسئلة قد شكلت عبر التاريخ ما يسمى بالفلسفة. وقد كانت الركيزة الأولى التي استند إليها الأنبياء في تبليغ رسالاتهم إلى الخلق هو توكيد هذا الحس الفطري بحسب ما يفهمه الناس، وهو وجود خالق لهذا الكون العظيم، وأنه واحد لا شريك له، وانه مستحق للعبادة، دون سائر الأسباب التي ربما عدها بعض الاقوام (نتيجة لقصور مداركهم) أرباباً مستحقة للعبادة كذلك، فذهبوا إلى وجود إله للمطر، وآخر للرياح، وثالث للخصب...الخ.
ولكون الإنسان في بدو تحضرّه لم يكن يلقي بالاً للأسباب المعتادة في حياته اليومية كسببية الماء لنمو الأشجار وسببية الوالد لوجود الولد وسببية المؤثرات الجزئية في إيجاد الآثار الخارجية، بل كان كل اهتمامه منصباً على الأسباب القوية التي تنشأ عنها ظواهر كبرى كونية كالضوء والمطر والعواصف وما تنطوي عليه من المعاني المجردة من الحب والكره والقهر والتدمير والنور والظلام ونحو ذلك، فقد رأى الانسان أن لهذه الأسباب هيمنة على سائر الأسباب الأخرى، وتصور أن الظواهر الصادرة عنها أمارات وعلامات ونذر بالخير والشر، وأنه يتوجب عليه استجلاب خيرها ودفع شرها، ولم تكن للإنسان وسائل متطورة تؤهله للانتفاع بالنافع منها أو دفع الضار، سوى ذلك الحس الوجداني الغامض بأن القوي قد يرحم الضعيف لو تلطف هذا الضعيف إليه بنحو من أنحاء التلطف، ولذلك لجأ الإنسان إلى نوع من التفكير الرمزي فجعل بإزاء تلك القوى الطبيعية رموزاً مادية أو معنوية وصار يتوسل إليها بالنذور والأضاحي والهبات، وصارت هذه القوى في عينه وبحسب مداركه البسيطة آلهة تعبد.
في هذه المرحلة من تاريخ البشرية ظهرت الأساطير التي تمجد تلك الآلهة وحيكت حولها القصص الرمزية، واحتاج القاص إلى إعمال عدة عناصر درامية من الخيال فنسب إلى الآلهة الطبيعية بعض الكمالات البشرية كالكلام والخصام والغضب والشهوة والزواج والتوالد، واخترع لها شخوص تمثلها بهيئات بشرية أو حيوانية، وبدأت تظهر لتلك الآلهة أشكال من الجسم والوجه واليدين والقدمين ونحو ذلك. وكانت هذه المرحلة قد آذنت بتشويه فطرة الإنسان عن السبب الأول للكون والنظام، وتجزئته إلى أسباب أخرى هي الأسباب الطبيعية الملحوظ آثارها في الخارج، ومع ذلك فلم تقض على هذه الفطرة كلياً بل بقي في وجدان الإنسان محلاً لها ولو كان متسماً بالغموض والضبابية. ولكون بعض الناس لا يستوعبون جيداً الرمزية المعنوية كالحب والكره والغضب والقوة ولم يجدوا في الخارج مصاديق مجسدة للآلهة الطبيعية كالمطر والخصب والنور فقد انتقلت الرمزية إلى مرحلة أخرى حينما عمد الناس إلى تجسيد تلكم الآلهة بالصور والتماثيل، وصارت النذور تقدم إليها مباشرة عوضاً عن تقديمها إلى الرموز المعنوية الحاملة لمعنى الإلوهية. فظهرت نتيجة لذلك عبادة الأصنام، وتشوهت على إثرها الفطرة الانسانية تشوهاً كبيراً أوشك أن يقضى معها على الإيمان بلسبب الأول والعلة الأولى، ما استدعى ظهور مصلحين سعوا جاهدين إلى إرشاد الناس وتوعيتهم بمخاطر هذا التجسيد والتمثيل الوثني للإله أو السبب الفطري وهم الأنبياء عليهم السلام.
وكانت تعاليم أولئك الأنبياء تتسم بإبراز الأدلة الوجدانية والعقلانية على صدق دعواهم بوجود الإله الواحد، وأحياناً ينجر الأمر إلى الاستجابة لطلب قومهم بتقديم المعجزات، مع أن المعجز في نفسه ليس دليلاً مباشراً على ما يريدون إثباته ولكنه دليل صدقهم في الجملة، وبالتالي صدقهم في دعوى النبوة. فالمعجز هو الطريق إلى التصديق بالدعوى وليس هو دليل الإثبات. ناهيك عن أساليب أخرى لجأ إليها الأنبياء لتمهيد تقبل فكرة الإلوهية والوحدانية، ومنها المحاجة الواعية بلزوم طاعة الإله وشكره وعبادته والتخلص من عبادة الأوثان.
وأضحت تعاليم الأنبياء تلك هي البذرة الأولى لنشوء التفلسف بالمفهوم المتعارف، حيث ظهر في بعض الحقب التاريخية جماعة من الناس آمنوا بفكرة الإله الواحد كما طرحها الأنبياء، وأعملوا تفكيرهم في تفسير النظام العام على ضوئها. وكان هؤلاء المفكرون يرون أن معرفة ذلك الإله ومصنوعاته وكيفية نشوء العالم عنه هو الحكمة، وأن الحكماء هم أولئك الأنبياء الذين أرشدوا الناس إلى الإيمان به وتوحيده، وأما هم فليسوا سوى محبون للحكمة، فظهرت لأول مرة في التاريخ لفظة فلسفة philosophia التي كانت تعني باللغة اليونانية (محبة الحكمة)، واشتق منها كلمة (فليلسوف) philosophe بمعنى: محب الحكمة. وقد دون بعض هؤلاء الفلاسفة أنظارهم في قراطيس فصارت أصولاً للتفلسف لمن أتى بعدهم واحتذى حذوهم، ثم نضجت الفلسفة وكثرت التفسيرات في نشوء الكون ومعنى الوجود، وبحث الفلاسفة الأوائل مفهوم العلة بشكل عام، ثم بحثوا في معنى علة العلل والسبب الأول بحثاً نظرياً مستندين فيه على تعاليم النبوات، ولكن أيضاً على ما تبقّى من الشعور الوجداني بالإلوهية أو فطرة السبب الأول.
وهكذا فإن نشأة التفلسف كانت مرتبطة بوعي المعرفة ومحاولة تحصيلها بقدر الوسع الإنساني أو بحسب الطاقة البشرية، وأن أقصى حد يمكن أن يبلغه البحث النظري في الوجود والإلوهية هو الاقتراب من إدراك الحقيقة وليس إدراكها بالكنه. وربما أحسن المهتمون بمطالعة نتاج هؤلاء الذين يطلقون على أنفسهم الفلاسفة (محبو الحكمة) وبرروا لهم هذا الإطلاق بالتواضع وإلا فلا مانع من تسميتهم بالحكماء، فالحكيم والفيلسوف عند المحصلين للفلسفة تعبيران عن معنى واحد، وأن الفلسفة هي الحكمة من دون أدنى فرق.
غير أن تسويغ توحيد اللفظين في المفهوم وتصييرهما من قبيل المترادفات يعارضه تعريف الفلسفة نفسه، فهي تعني باتفاق جميع الفلاسفة: معرفة الوجود من حيث هو وجود بحسب الطاقة البشرية، وتقييد التعريف بالطاقة البشرية فيه إشارة جلية إلى أن المعرَّف وهو الوجود (موضوع الفلسفة) لا يمكن بلوغ كنه حقيقته، إذ أن طاقة العقل الإنساني لإدراك ذلك الموضوع محدودة وليست مطلقة عن الحدود. لذلك فنحن لا نوافق هؤلاء الذين يحسنون الظن بالفلسفة فيما يذهبون إليه من مطابقتها بالحكمة، إذ الحكمة معرفة الحقيقة كما هي لا مجرد الاقتراب من فهمها ومعرفتها، ولا هي محض محبتها.
وقد ظهر في تاريخ الفلسفة مفكرون انتسبوا إلى بعض الأديان الكبرى وخاصة الرسالات السماوية الثلاثة: اليهودية والنصرانية والإسلام، كانوا يشاركون أهل مللهم فيما جائت به هذه الرسالات من التعاليم والشرائع. اذ وصلت إلى أيدي أولئك المفكرين مدونات الفلاسفة الأوائل فانبروا لتدارسها واستيعاب أصولها ومسائلها، وربما برع فيها بعضهم فاشتهر باسم الفيلسوف، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الفلاسفة من أتباع الأديان كانوا أقرب من غيرهم إلى استحقاق اسم الحكماء، وذلك لاشتغالهم بالتوفيق بين التعليم الديني والتعليم الفلسفي، وإن كانوا بطبيعتهم أميَل إلى التفلسف منهم إلى التدين، إلا أنهم كانوا يدركون بالحدس أو بالتجربة أن مؤدى المعرفة الدينية والمعرفة الفلسفية واحد وغايتهما مشتركة، نعم لكل منهما أصول مختلفة، فمصدر أحدهما هو الوحي ومصدر الآخر هو العقل.
إن وعي هذه القضية قد حمل بعض هؤلاء المفكرين على جعل الفرق بين المعرفتين منحصراً في الدرجة والرتبة أكثر من حصره في المضمون المعرفي، وهذا الأمر قد أدى في نهاية المطاف إلى الخروج عن الحياد، إذ عُدّت المعرفة النظرية أرقى بسبب مخاطبة أصحابها (الفلاسفة) للخاصة، وعدت المعرفة الدينية أدنى بسبب مخاطبة أصحابها (الأنبياء) للعامة. ومن أسباب عدّ المعرفة الفلسفية أرقى هو الظن بكونها تفتقر إلى نضوج في العقل يؤهله لأدراك البراهين والأدلة المعقدة، والعقل هو أرقى مدارك النوع الإنساني لكنه يتفاوت في قوته ونضجه من شخص لآخر، بينما لا تفتقر المعرفة الدينية بحسب الظاهر إلى ذلك النضوج الخاص في العقل، بل يكفي لمنتحلها أن يوصف بالإنسان البالغ سن الرشد في قبال غير البالغ وهو الطفل والسفيه. ولذا فإن البحوث الأولى الساعية إلى التوفيق بين العقل والدين كانت منحازة إلى جانب الفلسفة ابتداءً.
وعلى الرغم من دعوى أولوية أولئك المفكرين في استحقاق اسم الحكماء بالنسبة إلى نظرائهم من الفلاسفة العقليين، إلا أن مصطلح الحكيم لم يتبلور فيهم إلى الحد الذي يغني عن استعمال المصطلح القديم (الفيلسوف)، بل لم يزل المصطلح الأخير هو الغالب عليهم مهما استفرغوا وسعهم في طرح نظريات التوفيق بين العقل والدين، ومهما حسبوا على التيار الديني حتى عصر ملا صدرا الشيرازي رحمه الله. وكان للشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي قدس سره الفضل في حصول الفصل بين الحكمة والفلسفة وبيان موضوع كل منهما ومشعره الخاص، وقد خاض الشيخ الأوحد أعلى الله مقامه في كثير من اجوبته على المسائل ورسائله وكتبه ولاسيما في ردوده على ملا صدرا الشيرازي فيما خاض فيه الفلاسفة، وناقشهم بالبرهان الفلسفي الذي جعله تابعاً لديل المجادلة بالتي هي أحسن (وهو اضعف الادلة)، وأما الحكمة فقد ألقى منها اشارات ونثر شذرات ونبّه فيها إلى قواعد علمية وأخرى عملية.
فهذا جواب من يسأل: هل أن الشيخ الأوحد فيلسوف أم حكيم؟
جديد الموقع
- 2026-05-14 أمين الحباره يتوج بجائزة الأحساء للاستدامة البيئية
- 2026-05-14 "مزاج الكتابة ومجازها"...أمسية حوارية تُبحر في فلسفة الحرف مع الأديب جاسم المشرف بنادي ابن عساكر.
- 2026-05-14 تأملات حول مفهوم الرومنطيقية عن حازم صاغية
- 2026-05-14 < < الصادق الأمين > >
- 2026-05-13 السِّيَر ومفهوم كتابة الحياة
- 2026-05-13 الكافكائية الأدبية
- 2026-05-13 التدريب التقني بالمنطقة الشرقية يطلق النسخة الأولى من جائزة التميز ويكرّم الفائزين
- 2026-05-13 سمو أمير المنطقة الشرقية يرعى حفل جمعية إيثار لتكريم الشركاء والداعمين ويُدشّن مبادرة “مسيرة إيثار”
- 2026-05-13 سمو محافظ الأحساء يرعى الحفل الختامي لجائزة الأحساء للاستدامة البيئية ويكرّم الفائزين في نسختها الأولى
- 2026-05-13 جامعة حفرالباطن تشارك في ورشة «نقل المهام التشغيلية من الجامعات الحكومية إلى شركة تطوير التعليم القابضة»