2016/06/11 | 0 | 3228
أفضل الأعمال في شهر رمضان
ومتى جسد الإنسان الاستقامة بحافظته على التكاليف العبادية،وامتثل الأوامر،واجتنب النواهي الإلهية،يكون قد حقق الغرض من خلقه وإيجاده في الحياة،المتمثل في تجسيد العبودية الحقة لله تعالى.
فحين يتحدث القرآن الكريم عن غرض خلق الإنسان،وغاية وجوده في الحياة،يبين أن ذلك يتمثل في أن يكون الإنسان عابدا لله عز وجل،فيقول سبحانه وتعالى : (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)
وسبق أن تحدثت عن معنى هذه الآية في موضوع لي بعنوان (الإنسان والكمال) فكان مما قلته هناك تحت عنوان (ما هي الغاية من خلقنا وإيجادنا في الحياة) : (نحن نعلم أن الله عز وجل حكيم،لا يخلق شيئا لهوا ولا لعبا،وأنه لا بد من حكمة إلهية بالغة مترتبة على كل خلق في الحياة،ذلك أن الله تعالى هو الكمال المطلق المنزه عن كل نقص وقبيح، المتصف بالحكمة وحسن التدبير.
فهو سبحاه العليم الحكيم الذي يضع الأمور في مواضعها،ولا يفعل إلا لغاية، ولا يصنع إلا لهدف،وقد قال تبارك اسمه الجليل : (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين،لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين) وقال عز شأنه العظيم : (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون،فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم)
فهو تبارك وتعالى أحكم من أن يخلقنا عبثا،أو يوجدنا لعبا ولهوا،بل خلقنا لحكمة وأوجدنا لغاية،وقد حدثنا القرآن الكريم عن تلك الحكمة في قوله تعالى : (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) مما يعني أنه تعالى إنما أوجدنا لنكون عابدين له عز وجل.
ويجب أن نلتفت إلى أنه سبحانه وتعالى جعل غرض الخلقة هو أن نكون عابدين له عز وجل،فقال : (ليعبدون) ولم يقل ـ مثلا ـ : (لأكون معبودا،أو ليكونوا عبيدا) فلماذا ذلك؟!
الجواب : لم يقل سبحانه (لأكون معبودا) لأنه عز وجل المعبود على كل الأحوال،وبغض النظر عن إيجاد الموجودات،وخلق المخلوقات من عدم ذلك، فكونه سبحانه معبودا ليس متوقفا على وجود العابدين، ولو فرضنا أنه جل وعلا لم يخلق شيئا،فهذا لا ينفي ولن ينفي أن يكون هو المعبود، وذلك لأن هذه الصفة ثابتة له غير متوقفة على وجود غيره،فقبل وجود الخلائق ومع وجودهم وبعد فنائهم هو المعبود سبحانه وتعالى.
ولم يقل (ليكونوا عبيدا) لأنهم عبيد له،سواء آمنوا أو كفروا به،أطاعوه أو عصوا أوامره ونواهيه،عبدوه أو تمردوا على لوازم العبودية ومرقوا منها،فكفر الإنسان بالله لا يصيره حرا، ولا يخرجه عن رق العبودية له سبحانه وتعالى،بل هو مع إيمانه بالله أو كفره به هو عبد له عز وجل،تماما ـ ولله المثل الأعلى ـ كما هو الحال في علاقة الولد بأبيه،فهو ولده سواء أحسن إليه وقام ببره،أو عقه وأساء إليه.
فكما أن عقوق الولد لأبيه لا يخرجه عن كونه ولده حقيقة،فكذلك كفر الإنسان بربه،لا يخرجه عن حقيقة أنه ملكه وعبده سبحانه وتعالى.
وكون كفر الإنسان بربه لا يخرجه من مملوكيته ورق العبودية له،هو المصحح لعقوبته على كفره،وتمرده على سيده،وعدم امتثاله لأوامره ونواهيه،وإلا لو كان الإنسان بمروقه من رق العبودية،يخرج من مملوكية الله،ويكون حرا،ولا سلطان لله عليه،لكان تعذيبه على كفره،ومعاقبته على تمرده ظلما له (وما ربك بظلام للعبيد)
وإذا كان الأمر كما شرحناه، فعليه لا يصح أن يكون التعبير في الآية الكريمة بـ (لأكون معبودا،أو ليكونوا عبيدا) وإنما الصحيح ما ورد في الآية الكريمة (ليعبدون) أي ليلتزموا بلوام العبودية لله جل وعلا.
فنحن نعلم أن لكل منصب وظيفة ولوازم، فالمعلم له وظيفية هي تعليم الطلاب وتدريسهم، وواجبه أن يلتزم بلوازم هذه الوظيفة من القيام بالتربية والتعليم،ورب الأسرة له وظيفة هي إدارة شؤون الأسرة وتربيتها وتوفير احتياجاتها،وواجبه هو الالتزام بلوازم هذا المنصب الذي هو فيه،والقاضي له وظيفة،هي أن ينظر في القضايا المرفوعة إليه ويدرسها ويقضي بين المترافعين بالحق والعدل، وواجبه هو الالتزام بلوزام وظيفته،وأداء الدور الذي يوجبه عليه منصبه وموقعه...وهكذا كل وظيفة لها لوازم،وعلى من يشغلها أن يلتزم بلوازمها.
وإذا كان الحال كذلك، ونحن نعلم أن الإنسان عبد لله لأنه سبحانه وتعالى خالقه ومالكه،فهذا يعني أن للإنسان وظيفة تجاه ربه هي الالتزام بلوازم العبودية، المتمثلة في أن لا يجد الإنسان لنفسه استغلالا عن الله عز وجل في كل شؤون حياته الخاصة والعامة، وعلى جميع الأصعدة والمستويات،وأن تكون حركته في الحياة على مستوى الأقوال والأعمال وفق إرادة الله جل وعلا،كما تقتضي ذلك وظيفته التي يشغلها،وهي العبودية لله تعالى.
وإذا وضح لنا ذلك نعود الآن إلى الآيات الكريمات لنرى أن الله جل وعلا ـ بعد أن بين أن الغرض من خلق الإنسان وإيجاده في الحياة هو أن يلتزم بلوازم العبودية, عقّب على ذلك بقوله سبحانه وتعالى : (ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون،إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين)
وبهذا البيان ينفي سبحانه أن يكون محتاجا إلى خلقه،إذ هو القوي المتين الذي يستحيل عليه العجز والضعف والحاجة والافتقار، ويبين جلت قدرته وعز سلطانه أنه تعالى إنما خلق الخلق وأمرهم بالعبادة ليعود النفع والخير إليهم دونه عز وجل.
وبهذا البيان الإلهي الذي تؤكده البداهة العقلية، يتضح لنا أن ثمرة العبادة وفوائدها تعود إلينا وليس إليه سبحانه وتعالى،إذ أننا الفقراء على الإطلاق،وهو الغني المطلق الذي لا يحتاج إلى أحد من خلقه،ولا يفقره كفر العباد كما لا يغنيه إيمظانهم،ولا تنفعه طاعتهم وعبادتهم كما لا تضره معصيتهم وتمردهم،وقد قال عز سلطانه : (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد) وقال تبارك اسمه : (إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد)
فنسب الفقر إلينا على الإطلاق،والغنى إلى ذاته المقدسة على الإطلاق،وهذا يعني أننا الفقراء إليه في كل شيء على الإطلاق،وهو الغني عنا وعن كل شيء في كل شيء على الإطلاق.
وإذا كان الإنسان هو المستفيد من العبادة،فلعل من أهم وأعظم الثمرات التي يجنيها من وراء عبادته،هي أن العبادة لله تعالى،تمنح الإنسان الحرية الكاملة، وتعتقه من ذل العبودية لكل شيء،ولأي شي آخر في الحياة.
فمتى آمن الإنسان بربه، وجسد العبودية الحقة له سبحانه وتعالى،تيقن أن لا سلطة لأحد عليه إلا لله،وأنه ليس مملوكا لأحد سواه سبحانه وتعالى،حينها يتحرر من ذل العبودية للآخرين،ولا يسمح لأي قوة في الوجود أن تستعبده وتسترقه،لا سلطة المال والثروة،ولا سلطة الجاه والمكانة الاجتماعية المرموقة،ولا سلطة الوظائف الكبيرة والمناصب الرفيعة،ولا سلطة الغرائز والشهوات...فهو متيقن أنه فقط عبد لله،ولن يركع ولن يخضع لأحد سواه سبحانه وتعالى،لأنه لا يقبل ولن يقبل أن يكون عبدا،وقد ولدته أمه حرا.
وهكذا نرى أن تجسيد العبودية لله تعالى،والتزام الإنسان بلوازمها،يمنحه الحرية التي يبحث عنها، والتي لا قيمة للحياة بدونها، إذ أنها تحرره من الخنوع للطواغيت،وتخلصه من عبودية الهوى،والانسياق مع الغرائز والشهوات والمغريات، وتبعده عن الرذيلة والفجور، وتربيه على العفة والطهارة والفضيلة،وتوصله إلى أعلى درجات الكمال الإنساني، ليكون كاملاً شأنه شأن المخلوقات الأخرى التي خلقها الله كاملة.
فلوا ألقينا نظرة فاحصة على هذا الكون العظيم لرأيناه ـ بكل أجزائه ومن أصغر ذرة إلى أكبر مجرة فيه ـ يسير وفق نظم وقوانين دقيقة جداً لا يتعداها ولا يحيد عنها ولو بمقدار شعرة،كما أكدت ذلك البحوث العلمية الحديثة، باكتشافاتها المهمة جداً حول دقة نظام الكون،وعظمة الإبداع في خلقه وتكوينه.
وفي القرآن الكريم بعض الآيات التي تتحدث عن النظام الكوني مثل قوله سبحانه : (وآية له الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون،والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم، والقمر قدّرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم، لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء)
فكل شيء في الوجود خلق بإبداع فريد،وبإتقان وإحكام لا نظير لهما أبدا،فهو متكامل في خلقه من جميع الجوانب والجهات.
والإنسان هو سيد المخلوقات،وأشرف الموجودات،فلا يمكن أن يشذّ عن هذه القاعدة، ويتخلف عن الكمال،وهو يعيش في عالم الكمال.
فالإنسان متكامل من جهة الخلق المادي،فقد خلقه الله في أجمل صورة وأحسن تقويم،وركّب فيه جميع الأعضاء التي يحتاج إليها، ومكّن هذه الأعضاء من القيام بوظائفها على أكمل وجه،و من دون أي تدخل من الإنسان في ذلك،لا بتوجيه ولا إرشاد ولا أمر ولا نهي.
بل أن أكثر هذه الأعضاء تقوم بوظائفها من دون أن يشعر الإنسان بها وبعملها،كما هو الحال في المعدة وهضمها للطعام،والكبد واستخلاصه المواد النافعة من الغذاء،والقلب وضخه الدم إلى جميع أجزاء الجسم،وتزويدها بالغذاء والأكسوجين..إلى غير ذلك من المهام التي تمارسها الأعضاء من دون أن يشعر بها الإنسان إطلاقاً.
كما أن الإنسان في إحساسه بالتعب والإرهاق، والجوع والعطش،وشعوره بالحاجة إلى النوم والراحة، والطعام والشراب،وكذا تحرك الغريزة الجنسية لديه...وما شابه ذلك من أمور،هو غير محتاج إلى معلم يعلمه ذلك،بل أنه يحس بهذه الأشياء بنفسه، من دون أي تدخلات خارجية مهما كان نوعها.
وإن دل هذا على شيء، فإنما يدل على كمال الإنسان في بنيته المادية،وخلقته الجسدية،شأنه في ذلك شأن سائر المخلوقات الأخرى التي خلقها الله كاملة.
وكما أن الإنسان كامل في بنيته المادية،كذلك هو على مستوى الروح،إذ أن الله تبارك وتعالى خلقه حراً مختاراً،وأودع فيه نفساً ألهمها الفجور والتقوى، ومكنها من التفريق بينهما، كما أعطاها القدرة على فعل ما تشاء منهما،كما يقول سبحانه : (ونفس وما سوها فألهما فجورها وتقوها،وقد أفلح من زكاها،وقد خاب من دساها)
فمن كمال النفس الإنسانية أن الله عز وجل حين خلقها، ميزها بأن ألقى في روعها الخير والشر،أو الفجور والتقوى حسب التعبير القرآني،كما منحها القدرة على التمييز بين ما هو شر ومن الفجور،وبين ما هو خير ومن التقوى،حتى في الفعل الواحد،كما هو الحال ــ مثلا ــ في معرفتها وتفريقها بين النكاح الشرعي،وبين الزنا، وأن الأول من الخير والتقوى،والثاني من الشر والفجور،رغم عدم الاختلاف بينهما من حيث الفعل والممارسة.
وكما أن الله عز وجل ألهم النفس الإنسانية الفجور والتقوى،وأعطاها القدرة على التفريق بينهما حتى في الفعل الواحد،كذلك جعلها نفسا حرة مختارة،يمكنها أن تفعل ما هو فجور،أو أن تفعل ما هو تقوى،فإن فعلت الفجور أصبحت نفسا شيطانية،وإن فعلت التقوى أصبحت نفسا ملائكية،مما يعني أن جوهر الإنسان الحقيقي ليس في بنيته المادية،وإنما في نفسه حقيقة.
ولا يمكن للإنسان أن يصل إلى الكمال ما لم يهتم بهذه النفس وبتربيتها على العفة والفضيلة،تمام كما يقول أحد الشعراء :
أقبل على النفس واستكمل فضائلها
فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
فعلى الإنسان أن يبحث عن كماله،ويجهد نفسه في الوصول إليه،وذلك بسلك جميع الطرق التربوية،التي تزكي النفس،وتطهر القلب، وتبني الإنسان...فإنه متى استقامت النفس،وصفت الروح،وتعلقت بخالقها، وتقيدت بأحكامه وتشريعاته الراشدة،أصبح الإنسان إنسانا كاملا،حتى وإن كان فاقدا لبعض الأمور المادية الفانية،كالمال والجاه والمنصب والشهرة،أو كان مصابا ببعض العاهات الجسدية،كالصمم والعمى والعرج... فكل هذه الأمور لا تؤثر على إنسانية الإنسان، ولا تخدش كماله،إذا كانت النفس صافية، والروح نقية.
أما إذا انحرفت النفس عن الصراط المستقيم، وتشوهت الروح بالآثام، واسود القلب بالذنوب والمعاصي،فإن الإنسان يخرج من إنسانيته،ويصبح كالبهيمة، حتى وإن أعطي بهاء محمد،وجمال يوسف، وملك سليمان.
وكما أن الإنسان كامل في خلقته المادية،مطلوب منه أن يتكامل أيضاً على مستوى النفس والروح، ليكون كاملاً من كل الجوانب والجهات،ويصبح ملكاً يمشي على الأرض.
والواقع أن الفرق كبير جداً بين الكمال الجسدي والكمال الروحي للإنسان،إذ أن الكمال الجسدي كمال قسري لا دخل للإنسان فيه، أما الكمال الروحي فهو إنما يتم باختيار الإنسان ورغبته، ذلك أن الله تبارك وتعالى حينما خلق الإنسان هيأ له الأسباب التي تبني روحه وتهذب نفسه وتقوم سلوكه وترفعه إلى أعلى عليين، وتأخذ بيديه إلى الخير و تهديه إلى الحق والنور والهدى...كما هيأ له جميع الأسباب التي توصله إلى الشقاء والتعاسة، وترده إلى أسفل سافلين، وترديه في الأخطار والمهالك.
فالله عز وجل أوضح الطريق وأنار السبيل للإنسان،وبين له الهدى والضلال والحق والباطل، والخير و الشر...ثم وهبه الحرية والإرادة والاختيار،وأعطاه حق تقرير مصيره، وجعله المسؤول الأول والأخير عن نفسه وتصرفاته في الحياة.
فقد قرر المولى الباري جل وعلا بأنه : (لا إكراه في الدين) (فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها)(إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها)(من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها)(بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره)
فالإنسان هو المسؤول عن نفسه،وهو الذي يتحمل نتيجة تصرفاته في الحياة، ذلك أن الله تعالى ـ كما أشرنا ـ أعطاه نفساً أودع فيها غرائز الفجور والتقوى، وأعطاه القدرة على تربيتها وإيصالها إلى الكمال،كما أعطاه القدرة على إهمالها ودسها في الذنوب والمعاصي والآثام،فهي نفس قابلة للنقص والكمال،وكل إنسان بإمكانه أن يختار من الأمرين ما يشاء.
والإنسان الواعي هو الذي يختار لنفسه الكمال على النقص،والتقوى على الفجور،لأنه يعلم أنه إنسان بروحه وليس ببدنه،فإن البدن يبلى ويفنى،وأما الروح فإنها باقية خالدة حتى وإن مات البدن ودس في التراب.
ومن أجل هذا اهتم الإسلام بالروح،وحث على تربيتها، وأكد على ضرورة إصلاحها،وبين للإنسان المناهج التربوية الصحيحة التي يجب أن يلتزم بها، ويسير على نهجها،من أجل إصلاح نفسه،وبناء روحه، وتقويم سلوكه،ليصل إلى أعلى درجات الكمال الإنساني،ويصبح إنسانا ملائكيا يمشي على الأرض.
وتأتي العبادة في مقدمة هذه المناهج التربوية المهمة، وذلك لما للعبادة من دور مهم و كبير في نزع الإنسان من عالم الماديات،وربطه بعالم المعنويات،حيث الله والدار الآخرة والنعيم المقيم.
هذا ما قلته في موضوعي (الإنسان والكمال) وعلى ضوئه نخلص إلى نتيجة مهمة جدا،ملخصها : أن هدف الإسلام هو بناء الإنسان،وإعادة صياغته من جديد،ليكون إنسانا سويا، مجسدا للاستقامة في كل شؤون حياته،وذلك من خلال الاهتمام ببناء روحه، وتهذيب نفسه،وتطهيرها من كل الشوائب التي تعيق الإنسان من الوصول إلى كماله المنشود،الذي يمكنه من تأدية دوره في الحياة، وهو أن يلتزم بلوازم العبودية لله سبحانه وتعالى.
ولا يمكن للإنسان أن يتخلص من الرذائل،ويتحلى بالفضائل،ويعمل على بناء نفسه،وإيصالها إلى أعلى مدارج الكمال الإنساني،إلا من خلال التزامه بمنهجين، هما على النحو التالي :
المنهج الإيجابي :
ويتمثل في ضرورة الالتزام بالتكاليف العبادية التي فرضها الله على عباده، سواء كانت واجبة أو مستحبة، كالصوم والصلاة والحج، والدعاء وتلاوة القرآن...وكذا الامتثال للأوامر الإلهية المتعلقة بسلوكه العملي في الحياة، كالصدق والأمانة والإخلاص والوفاء...إلى ما هنالك من تكاليف عبادية وأوامر إلهية.
المنهج السلبي :
ويتمثل في ضرورة الابتعاد عن كل ما حرمه الله عليه،أو نهاه عنه،سواء كان من المحرمات أو المكروهات، كشرب الخمر وقتل النفس المحترمة والغيبة والنميمة والزنا والغش والربا والخيانة...إلى غير ذلك مما حرمه الله علينا،ونهانا عن قوله أو فعله.
ولا يغني الإنسان أن يلتزم بأحد هذين المنهجين ويهمل الآخر،كأن يحافظ مثلا على التكاليف العبادية من صلاة وصوم وغير ذلك، ثم يرتع في الذنوب والمعاصي والآثام.
فإن ذلك لن ينفعه شيئا، ولن يفيده في بناء روحه وربطها بالله جل وعلا،بل لا بد له من المحافظة على المنهجين معا،فيؤدي الواجبات من جهة،ويترك المحرمات من جهة ثانية.
بل أن الإنسان لا يمكنه أن يلتزم بالمنهج الإيجابي المتمثل في المحافظة على الواجبات،ما لم يلتزم بالمنهج السلبي المتمثل في هجر المحرمات،فهناك ملازمة بين المنهجين ولا يمكن التفكيك بينهما بأي حال من الأحوال.
وعلى ضوء هذا البيان نصل إلى نتيجة في غاية الأهمية، و يجدر بنا الالتفات إليها، وهي : أن الورع عن المحرمات الذي هو أفضل الأعمال كما يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم،لا يتمثل فقط في ترك المحرم، وإنما في عدم ترك الواجب أيضا.
وكما قلنا في الجزء الأول : الورع عن المحرمات يعني أن لا تترك واجبا،ولا تفعل محرما،فجواب الرسول صلى الله عليه وآله بأن أفضل الأعمال الورع عن محارم الله،هو جواب جامع مانع.
أما كيف يكون ذلك؟فجوابه في الجزء القادم إن شاء الله تعالى.
جديد الموقع
- 2026-04-04 افراح العباد اتهانينا
- 2026-04-04 بر الفيصلية يكرم المشاركين في برنامج (ساعاتي حسناتي )
- 2026-04-04 مع عروج أريب - لِوَاءُ الْمَنَابِرِ
- 2026-04-04 عيناك تسبرني
- 2026-04-02 متى يكون نوم الزوجين على سريرين منفصلين أفضل؟
- 2026-04-02 ( ( صراع الجهل والعلم) )
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*