2016/09/16 | 0 | 1952
نشأة الاحتفالات الدينية في الأحساء بصورتها الحديثة
مما يعطيها أهمية تاريخية كونها تعد من بدايات النشاطات الدينية المنظمة والمنهجية في الأحساء، إضافة إلى كونها مرحلة تاريخية ونقلة نوعية يستطيع القارئ أن يتلمس من خلالها بداية المحافل الدينية وكيفية تطورها في البلاد، والنخب التي كان لها دور في القفز النوعي لمثل هذا النشاط ومن ثم تلمس من جاء بعدهم الخطوات التي ساروا عليها وحذوا حذوها، لذا جعلت هذه الوثيقة الهامة محل بحث ودراسة، سأتناولها بالاستفادة من نصوصها المقتضبة، كما دعمتني هذه الوثيقة للبحث عن أجوبة بعض الأسئلة شفاهياً بالاتصال ببعض الشخصيات لأتمكن من رسم مشهد الحفل الديني في ذلك الوقت. هادفاً من هذه الورقة محاولة الوصول إلى تأصيل بعض الحراك الأدبي والثقافي في الأحساء.
وصفها:
هي: رسالة من ورقة مفردة، ظهرها فارغ، تتألف من اثني عشر سطراً تقريباً غير متناسقة الطول، كتبت بواسطة لجنة تنظيم الحفل بالرفعة الشمالية في مدينة الهفوف، ودون تحتها ثلاثة أسماء، يمثلون لجنة الإشراف على قيام الحفل، وقد قدمت هذه الدعوة إلى العالم السيد محمد بن السيد حسين العلي القاضي الشرعي للمحكمة الجعفرية بالأحساء (ت: 1388هـ)، تدعوه بتشريف حفلهم المزمع إقامته بمناسبة الغدير الأغر الموافق 18 ذي الحجة.
فالوثيقة عبارة عن: بطاقة دعوة لحضور حفل، وتشريفه بشخصية بارزة في البلاد؛ لتكون عنصر دعم وتشجيع للحضور والقائمين على الحفل.
- نص الوثيقة:
بسم الله
مولانا المؤيد، ثقة الإسلام، السيد محمد السيد حسين. متعنا الله بطول بقاه.
السلام عليكم.
بعد الاحترام لمقامكم، ثم المعروض لشريف نضركم[ii]، إن في حسينيتنا بفريق الشمالي[iii]، عصر الأربعا[iv] من الساعة الثامنة إلى نهاية الحادية عشر يقام احتفال بمناسبة العيد الأكبر عيد الغدير، تتلى فيها قصائد ومقالات وكلمات، نرجو تشريفكم وساتأتيكم[v] السيارة. وبحضوركم يتم سرورنا وتتم النعمه[vi] بسعيد عيدنا ( وإنما ندعوكم لما هو لكم ) فنرجو عدم الاعتذار. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
خدامكم
اللجنة لتنظيم الغدير
بفريق الشمالي
ملحوظة: ومعكم من تحبون.
نترجى أن تجيبوا دعوة المؤمنين
الداعي: كاظم محمد صالح.
يوسف بن السمين.
حسين اليوسف.
تاريخها:
الوثيقة لم تتضمن تاريخ لكتابتها، وإنما كتب فيها اليوم والوقت الذي سيقام فيه الحفل، ولعلها كتبت وأرسلت في نفس الأسبوع المراد فيه دعوة السيد لحضور الحفل، وهو عيد الغدير الأغر، وهذا يعني إن الرسالة بعثت بين تاريخي 11 – 17 من شهر ذي الحجة بعد عيد الأضحى، ويبقى مسألة السنة التي عُقد فيها الحفل.
في هذا الأمر يميل الباحث الأستاذ سلمان الحجي والمتخصص في تاريخ (الرفعة الشمالية بالهفوف) أن تكون السنة المقصودة هي عام 1373هـ،إذ يذكر أنه يتناقل بين كبار السن بالرفعة أنه في هذه السنة أقيم حفل كبير بهذه المناسبة حضرهُ جمع من العلماء والفضلاء، والأدباء والشعراء والمثقفين والمتدينين.
كاتب الوثيقة:
أمَّا كاتب الوثيقة كما دون أسفل الرسالة، فهو: (الداعي: كاظم محمد صالح، يوسف بن السمين، حسين اليوسف)، تضمنت الوثيقة أسماء ثلاثة أشخاص لعلهم من يمثل اللجنة أو هم من قاموا برسم نظام اللجنة والعمل على ترتيبات الحفل. وقد بذلت الجهد في معرفة أسماء اللجنة فلم أتمكن، ولكن يظهر أن اللجنة كأعضاء لم تشكل من حي فريج الشمالي وإنما من عموم مدينة الهفوف، بدليل أن اسم الشخصين الذين وردا مع الخطيب الشيخ كاظم لم يعرفا في فريج الشمالي.
أما (كاظم محمد صالح) فهو الخطيب الشهير وصاحب المدرسة الخطابية، الشيخ كاظم بن الشيخ محمد صالح بن عبدالحسين المطر. لقب بـ خطيب الأدباء وأديب الخطباء، المولود عام 1312هـ والمتوفى سنة 1390هـ، فهو أحد ثمرات الخطابة الحسينية في بلادنا، نزل من البصرة بمعية آية الله العظمى الشيخ حبيب بن قرين وسكن فريج الشمالي بالهفوف. وهو صاحب فكرة الحفل[vii].
المرسل له:
وهي الشخصية التي وجهت لها الدعوة في هذه الوثيقة، وهو العالم والفقيه السيد محمد نجل المقدس السيد حسين القاضي الأول في الأحساء (1280 – 1369هـ)[viii]، بن السيد محمد بن السيد علي بن السيد حسين بن السيد سلمان العلي. لقب بالقاضي لتوليه القضاء، والعالم لمكانته العلمية بعد رحيل والده السيد حسين.
ولد في مدينة المبرز عام 1320هـ، وبعدما تعلم القراءة والكتابة في الكتاتيب وحفظ القرآن الكريم، تتلمذ على يد والده مقدمات الدروس الحوزوية، وتدرج في التعلم الحوزوي في الأحساء على يد مجموعة من علمائها الأعلام منهم السيد ناصر السلمان (1291 - 1358هـ)، وفي عام 1349هـ شدَّ الرحال إلى النجف الأشرف وبقي فيها يتلقى علومه على لفيف من علمائها، ودرَّس عدداً كبيراً من طلاب العلم الأحسائيين والبحرانيين والعراقيين وغيرهم، وجاور أمير المؤمنين عليه السلام إلى عام 1361هـ
انتقل إلى رحمة الله ليلة الأربعاء الثالث من شهر شوال من سنة 1388هـ، من مؤلفاته: دورة فقه استدلالي، حواشي على رسائل الشيخ الأنصاري، كتاب في الإمامة، رسالة في صلاة الجمعة، منظومة في علم الكلام[ix].
وقت الحفل وفقراته:
ذكر وقت إقامة الحفل المنظم في الوثيقة سيبدأ من الساعة الثامنة إلى نهاية الحادية عشر، أي سيكون مدة الحفل ثلاث ساعات من عصر يوم الأربعاء.
وهو التوقيت العربي الشرعي كما يراه العلماء والفضلاء، ويبدأ توقيته وساعته الأولى من عند الغروب إلى غروب اليوم الثاني ويقسَّم فيه اليوم إلى قسمين، كُل قسم اثني عشرة ساعة.
وسيبدأ الحفل الساعة الثامنة من القسم الثاني أي قرابة الساعة الثالثة عصراً إلى غاية الساعة السادسة مساءاً.
والحفل سيقام في الحسينية وإن لم يذكر اسمها ولكن الراجح أنها الحسينية الجعفرية؛ لشهرتها كأقدم حسينية في الفريج الشمالي وأكبرها مساحة.
وفقرات الحفل كتبت مجملة في الوثيقة، ليس بالتفصيل كما تمنيناه وإنما مقتضبه، بالنص التالي: (تتلى فيها قصائد ومقالات وكلمات) هذه الفقرة الجميلة والتي تعطي انطباعاً أن للشعراء حظوة وللأدباء مكانة وأن المتلقي المتمثل في الجمهور سيسعد ويستفيد من حضوره وهو عكس ما كان يطرح ويتردد على مسامعنا بأن الحفل في السابق عبارة عن قراءة المولد فقط. أقول: قراءة الحفل بالطريقة القديمة لعلها في البيوت أو العادات فقط، وأما الاحتفالات الكبيرة لا شك أن تذكر فيها القصائد والكلمات الهادفة البناءة.
وقد أفادنا الباحث الأستاذ سلمان الحجي بأن عريف الحفل كما ينقل كبار السن ممن حضر الاحتفال هو الخطيب الكبير الشيخ كاظم المطر، وذكر أسماء الشعراء الذين شاركوا في المهرجان، على النحو التالي: الشاعر ياسين بن عبدالله الرمضان، والشاعر السيد يوسف الحسين، والشاعر عبدالحميد بن يوسف البو علي، والملا محمد جواد المطر نجل عريف الحفل الشيخ كاظم.
الأهمية التاريخية للوثيقة:
من خلال هذه الوثيقة وما حوته من إشارات غاية في الأهمية نستطيع أن نستشف التالي:
- ينبغي الإشارة إلى أنه قبل كتابة اسم الناسخ أو الداعي كتبت عبارة، وهي: (خدامكم: اللجنة لتنظيم الغدير بفريق الشمالي)، وهي إشارة أن كاتب الوثيقة ضمن فريق عمل، شارك في إعداد الحفل، وتم إطلاق اسم على فريق العمل، وهو (لجنة تنظيم الغدير) هذه اللجنة مكونة من عدة أفراد، كل فرد ساهم بتغطية مهمة عمل مناطة به، وهذا سلوك وطريق حضاري راقٍ لا يقوم به إلا المتحضرين مع قلة الإمكانيات المشجعة على العمل التنظيمي في ذلك الوقت، ولكن يظهر أن الناس لديها الاستعداد والقبول لخوض التجارب وإثبات النجاح بجدارة، وإذا عمل به لاشك أن ثمرة العمل والجهد النجاح والديمومة ستكون حليفه، ولعل هذا ما كان يبتغى من تنظيم الحفل بهذا الشكل.
- ومن مهام اللجنة إعداد قائمة بشخصيات ورموز البلاد، وإرسال بطاقات دعوة لحضور الحفل من العلماء الأفاضل والطلبة المحصلين، والأدباء والشعراء والوجهاء، وقد وقفنا على مجموعة من أسماء السادة والعلماء والأفاضل ممن تشرف بحضور هذا الحفل، وهم: القاضي السيد محمد بن السيد حسين العلي (ت: 1388هـ)، والشيخ محمد بن علي بن عبد الله بن سليمان البقشي (ت: 1375هـ)، والخطيب الشيخ أحمد بن صالح الطويل (ت: 1404هـ)، والشيخ عبدالوهاب بن سعود الغريري (ت: 1418هـ)[x].
- إن هذه الوثيقة تحدد لنا بدايات النشاط الجمعي في تنظيم الاحتفالات والعمل بنظام مؤسساتي ولجان في النشاطات الدينية والتي يمكن تحديدها بالعقد السادس من القرن الماضي أي قبل ما يقارب ثمانين سنة، وهذا مؤشر عن مدى وعي النخبة الدينية بأهمية العمل الجماعي؛ لما له من قوة ودقة في التنظيم والعمل، وما نجاح هذا الحفل إلا ثمرة جهود متظافرة.
- إن المحافل الدينية كانت تمتلك من الرؤية الثاقبة في جعل الحفل يمتلك من التنوع الكثير في الفقرات مشابه بما هو معمول عليه اليوم، وأنهم في الأحساء تأثروا وأثروا بمن حولهم من مراكز دينية.
صورة الوثيقة:
جديد الموقع
- 2026-05-18 سمو محافظ الأحساء يطّلع على جهود وبرامج بنك التنمية الاجتماعية بالمحافظة
- 2026-05-18 عائلة المجحد بالأحساء تحتفل بزفاف ابنها “خليل "
- 2026-05-18 عضو نادي جافل فخر توستماسترز الأحساء المشترك ثنائي اللغة جافيلرنزار بوخمسين يتأهل لنهائي "الخطب العالمية" باللغة الأنجليزية ويحرز المركز الأول مكرر في مؤتمر ساتاك السعودي السنوي للتوستماسترز..
- 2026-05-18 *الأحساء تشارك في المنتدى الحضري العالمي بباكو لاستعراض تجربتها التنموية ومشروعاتها الحضرية*
- 2026-05-18 التوازن الدقيق بين المشاعر الايجابية والسلبية
- 2026-05-18 *تلوّن الهويات الإنسانية*: من جدران القبيلة والقرية إلى فضاء العالم الجديد
- 2026-05-18 «الأدب واقتصاديات الاستدامة الروحية».. أحدث أطروحات نادي النورس الثقافي
- 2026-05-18 القراءة والتحصين الفكري
- 2026-05-18 (زهوكَ لا يُعطيكَ ما تبتغيه)
- 2026-05-16 بحضور 15 متدرب .. "زينب الخليف" تقدم ورشة التصوير والمونتاج بالجوال في مساحة الشايب بالأحساء