2017/05/21 | 0 | 1644
موجز لظهور فكرة العليّة في التاريخ
فكرة العليّة التي أدت إلى ظهور التفلسف في الكون والخليقة لها تاريخ طويل، فمنذ أن قال هيراقليطيس بفكرة (اللوغوس) logos وعنى به العقل الكلي الذي نجم عنه النظام السائد في الكون، شرع الفلاسفة في شبه سباق مراثون من أجل تقديم تصوراتهم عن العلية ونشأة الكون، وأجد من المهم أن أمر مرورا سريعا على أبرز الأفكار التي تطرقت إلى هذا الموضوع، فبالعرض التاريخي يتسنى لنا ادراك مدى الهوة التي تفصل بين الرؤية التي يقدمها الشيخ وبين سائر الرؤى السابقة عليه، حيث تتبدى لنا القطيعة المعرفية بأجلى صورها بين فكر الشيخ الأوحد وفكر من سبقه من الفلاسفة.
إن الاساطير القديمة التي سبقت ظهور التفلسف تشير إلى ابتداء الكون من حالة من العماء المائي غير المنشكل في زمن سرمدي متماثل، لا ينتابه تغيير ولا تبديل كأنه عدم، وفي لحظة معينة ينبثق الكون من لجة العماء ويبدأ النظام من قلب الفوضى، ويتحدد الشكل من صميم الهيولى، إن فكرة العماء الأول هذه سابقة في الميثولوجيا على فكرة الآلهة، فالعماء هو الشكل الأقدم للوجود والألوهية.
لقد تصور هيراقليطيس الذي يعتبر أول فيلسوف يوناني يفكر خارج نطاق الميثولوجيا والأساطير أن اللوغوس عقل كلي محايث للطبيعة ومنظم لها، فهو بالنسبة إلى العالم أشبه بالروح بالنسبة إلى الإنسان، ونرى بوضوح في هذا التفسير البذرة الأولى لمذهب وحدة الوجود، إذ يرى هذا الفيلسوف محايثة اللوغوس للطبيعة وشيوعه في جميع مفاصلها في وحدة لا تنفصم. وبالاستناد إلى هذه الفكرة تأسست فلسفات عديدة في المغرب والمشرق من ابرزها الفلسفة الرواقية والإفلاطونية المحدثة المؤسسة على خليط من الفلسفة الشرقية والأفلاطونية، والغنوصية (فرقة دينية فلسفية متعددة الصور مبدؤها أن المعرفة الحقة هو الكشف عن طريق الحدس الحاصل عن اتحاد العارف بالمعروف وليس عن طريق العلم والإستدلال) التي روّجها أبو حامد الغزالي والتي سيتبناها فيما بعد محي الدين بن عربي ويؤسس بموجبها مذهبه في وحدة الوجود والموجود، وفلسفة الإشراق للسهرودري التي أحيت الحكمة الفهلوية الفارسية ومزجتها بالفلسفة المشائية، وأخيرا فلسفة الحكمة المتعالية لصدر الدين الشيرازي التي هي مزيج لجميع تلك الفلسفات .
وفي نفس العصر الذي ظهر فيه هيراقليطيس في حدود سنة 500 قبل الميلاد ظهر فيلسوف آخر هو اناكساغوراس الذي طرح فكرة (النوس) Nous وهي تعني كذلك العقل الكلي، لكنه جعل هذا المبدأ مفارقاً للطبيعة لا مندمجاً فيها. ولقد افترض انكساغوراس أن الكون كان في أول أمره عبارة عن خليط فوضوي يسمى كاوس chaos أي عبارة عن عماء مطلق، وأن النوس (العقل الكلي) هو الذي نظم الفوضى وكان هو العلة لوجود جميع الأشياء.
وإذا كانت فكرة هيراقليطيس عن اللوغوس هي التي تأسست عليها كل الفلسفات التي تميل إلى نوع من وحدة الوجود فإن فكرة انكساغوراس عن النوس هي التي كانت وراء ظهور فلسفة سقراط التي شيدت على أصولها فلسفة كل من أفلاطون وأرسطو، بل إن هذه الفكرة ستطبع كل تاريخ الفلسفة الغربية في عصورها الثلاثة: الوسيطة والحديثة والمعاصرة.
وقد سرت فكرة اللوغوس إلى الديانة المسيحية ولكن تم تحميلها معنى جديداً فأصبحت تعني (الكلمة)، كما يدل عليه هذا النص الوارد في انجيل يوحنا: ((في البدء كان الكلمة (اللوغوس) والكلمة كان لدى الله، والكلمة هو الله)) [الكتاب المقدس: الانجيل واعمال الرسل، منشورات دار المشرق، الطبعة السادسة، بيروت 1982 ص 138]. وليس اللوغوس وحده هو الذي تم توظيفه توظيفاً دينياً ليدل على الله أو المسيح، بل لقد جرت محاولة أخرى في تعميد (النوس) هو الآخر بالمعمودية النصرانية، فقد صرح الفيلسوف الألماني هيغل في كتابه دروس في فلسفة التاريخ: إن انكساغوراس هو أول من قال بأن النوس أو العقل يحكم العالم... إلى أن يقول: ويمكن أن يصاغ ذلك في شكل ديني وأن يكون مؤداه: العدالة الإلهية تهيمن على العالم... فالحكمة الإلهية هي العقل... والعقل في تمثله الأكثر عيانية هو الله. [دروس في فلسفة التاريخ ص23 و ص39].
وعلى الرغم من أن (نوس) انكساغوراس قد كان هو الأصل الذي انطلقت منه الفلسفة بعد سقراط، فإن فكرته كانت بسيطة وساذجة الى الحد الذي دفعت بأفلاطون أن يضع على لسان معلمه سقراط في محاورة فيدون نقدا للنوس الانكساغوري باعتباره ليس وافياً بتعليل كل شيء في الوجود على حدة، إذ أن انكساغوراس يضع إلى جانب (النوس) عللاً أخرى هي الهواء والأثير والماء، ما يعتبره أفلاطون أمرا مخيباً للظن. [أفلاطون: محاورة فيدون ص97). وقد وجه أرسطو هو الآخر نقدا مشابهاً لانكساغوراس مشيراُ في كتابه (ما بعد الطبيعة) أن انكساغوراس قد خطا بمقولة العقل خطوة كبيرة إلى الأمام، إذ جعل منه ((علة النظام والتساوق الكوني))، إلا أنه كان يداور هذه المقولة خبط عشواء وبغير ما علم أو منهج، قال أرسطو: ((فعندما يحرجه (انكساغوراس) أن يفسر ما علة وجوب كون هذا أو ذاك الشيء على ما هو عليه، يسوق عندئذ إلى المسرح العقل، ولكنه في الحالات الأخرى يعزو بالأوْلى حدوث التغيير إلى سائر المباديء الأخرى دون العقل)) [أرسطو: ما بعد الطبيعة م1 ص38].
وقد لاحظ بحق بعض شراح أرسطو أن كل فلسفة انكساغوراس ترتد إلى محض (مكيكانيكا) تقوم على فكرة التأليف والتفريق بدلاً من فكرة الكون والفساد، ففي الكتاب الأول من مؤلفه ((في الطبيعة)) كتب انكساغوراس يقول: ((إن اليونانيين لا يتصورون التولد والموت على الوجه الصحيح، فما من موجود يولد أو يعدم، بل كل شيء يؤلف ويفرّق بدءاً من الأشياء الموجودة)) [سنبليقيوس: شرح على كتاب (الطبيعة) لأرسطو ف35]، وستفرض هذه الميكانيكا بعد ذلك نفسها على أفلاطون وارسطو، وتكون نواة لنشوء نظرية المحرك الأول الذي هو علة حدوث الأشياء في الكون. فقد استلهم افلاطون فكرة انكساغوراس الميكانيكية ليوظفها في فكرته عن الحركة الكونية، ففي محاورة السياسي: ((إن هذا الكون الذي نحن فيه تارة يوجه الإله مساره ويتحكم بدورته، وطوراُ يتركه وشأنه)) [أفلاطون: السياسي ص269]، ويترتب على هذه الحركة وضدها حصول الكون والفساد في العالم. وأما أرسطو فإنه قد ارتقى بفكرة المحرك الأول درجة من التجريد حينما جعله فعلا محضاً، أو كمالاً مطلقاً عرياً عن المادة، ولا تعريف له عند ارسطو إلا أنه (عقل أعلى) أو عقل يعقل ذاته. [انظر: ارسطو: ما بعد الطبيعة ص698].
وبعد أن وصلت فلسفة أرسطو ولاسيما رأيه في علة الكون، إلى طليعة فلاسفة الإسلام في القرنين الرابع والخامس من الهجرة، بفضل حركة الترجمة التي نشطت منذ بداية العصر العباسي الأول وخاصة في عهد المأمون، تبنوا رأيه وشرحوه وأضافوا إليه ما اختلط به من الأفلاطونية المحدثة، وكشاهد على ذلك ننقل ما ذكره ابن سينا في كتاب التعليقات، قال: ((كل ما يصدر عن واجب الوجود فإنما يصدر بواسطة عقليته له، وهذه الصورة المعقولة له يكون نفس وجودها نفس عقله لها، لا تمايز بين الحالين، ولا ترتيب لأحدهما على الآخر، فيكون عقله لها ممايزاً لوجودها عنه. فليس معقوليتها له غير نفس وجودها عنه. فإذن من حيث هي موجودة هي معقولة ومن حيث هي معقولة هي موجودة، كما أن وجود الباري ليس إلا معقوليته لذاته.)) [التعليقات ص52]
وهكذا يتبين أن مبدأ أو علة الكون عند هؤلاء الفلاسفة هو العقل، ولكونه الأصل الأول لانبثاق سلسلة عقول أخرى فقد أسماه بعضهم بالعقل الفعال، مع أن مصطلح (العقل الفعال) قد هبط في فلسفة افلوطين إلى مستوى العقل العاشر، حيث اطلق هذا الفيلسوف على مبدأ الكون اسم آخر هو عقل الكل أو العقل الكلي، وهذا ما نبّه عليه الشيخ الأحسائي (أعلى الله مقامه) في شرح المشاعر حينما قال: واما قوله (ملا صدرا) بالعقل الفعال فاعلم ان العقل الفعال يطلقه الحكماء الالهيون الاولون علي عقل الكل الذي فوّض الله تعالى اليه الايجاد، فهو بالله يصنع ما دونه، وبعضهم وهم اصحاب العقول العشرة يطلقونه على العقل العاشر الذي هو عقل العناصر، وقد قررنا بطلان قول هؤلاء، ولو فرض صحته فالعقل الكلي أحق بهذه الصفة (شرح المشاعر ج2 ص210). أي أن العقل الكلي أحق بأن يوصف بصفة الفعال من العقل العاشر أو عقل العناصر، ونظرية الفيض الأفلوطينية التي تبناها اتباع المشائين من الفلاسفة المسلمين مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتصور القديم لعلم الفلك، فلو كان الفلكيون القدامى قد توصلوا إلى وجود عدد من الكواكب أكثر مما عرفوه من السبعة السيارة، كما هو الحال في عصرنا الراهن، لقالوا بعقول ومعقولات بعددها، فتصل العقول في النظرية إلى أكثر من أحد عشر. وهذا يدل على وهن كبير في بنية هذه النظرية من الناحية الفلسفية.
جديد الموقع
- 2026-05-14 أمين الحباره يتوج بجائزة الأحساء للاستدامة البيئية
- 2026-05-14 "مزاج الكتابة ومجازها"...أمسية حوارية تُبحر في فلسفة الحرف مع الأديب جاسم المشرف بنادي ابن عساكر.
- 2026-05-14 تأملات حول مفهوم الرومنطيقية عن حازم صاغية
- 2026-05-14 < < الصادق الأمين > >
- 2026-05-13 السِّيَر ومفهوم كتابة الحياة
- 2026-05-13 الكافكائية الأدبية
- 2026-05-13 التدريب التقني بالمنطقة الشرقية يطلق النسخة الأولى من جائزة التميز ويكرّم الفائزين
- 2026-05-13 سمو أمير المنطقة الشرقية يرعى حفل جمعية إيثار لتكريم الشركاء والداعمين ويُدشّن مبادرة “مسيرة إيثار”
- 2026-05-13 سمو محافظ الأحساء يرعى الحفل الختامي لجائزة الأحساء للاستدامة البيئية ويكرّم الفائزين في نسختها الأولى
- 2026-05-13 جامعة حفرالباطن تشارك في ورشة «نقل المهام التشغيلية من الجامعات الحكومية إلى شركة تطوير التعليم القابضة»