2025/02/10 | 0 | 1101
الخروج .. للقاء الله
﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ, أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
توضح الآية الكريمة أهمية لقاء الله, وأن يسعى الإنسان للقاء الله. وإذا كان غاية وجود الإنسان هو معرفة الله, فإن لقاء الله هو الوسيلة لمعرفته والقربى منه, وتقديم قرابين الحمد والشكر له, وإشراق النور في قلب المؤمن. وفي المقابل, فإن الذين لا يرجون لقاء الله, ولا يعملون للقاء الله, ويفسدون حياتهم بتعلّقهم بالحياة الدنيا, وغفلتهم عن آيات الله وذكره, فإنّ مأواهم ومصيرهم إلى النار, وذلك لأنهم لم يحققوا الغاية من وجودهم.
هل من الممكن لقاء الله في الدنيا
ما معنى لقاء الله, ومتى وأين يكون لقاء الله, ومن يستطيع لقاء الله, وما هي الآثار الإيجابية أو السلبية للإيمان أو إنكار لقاء الله عزّ وجل, وما هو الطريق إلى الله.
قد يعتقد البعض أن لقاء الله فقط في الآخرة, وأنه لا يمكن لقاء الله في الحياة الدنيا. وطبعاً هذا المفهوم ليس فقط فيه حد لصفات الله, وأنه موجود في عالم دون آخر, أو أن بعض العوالم تحجبه عن العوالم الأخرى, تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا. بل فيه أيضاً حرمان للإنسان عن لقاء الله, والعمل للقاء الله. وإذا كان العبد ينكر لقاء الله في الحياة الدنيا, ولا يعمل لذلك, فكيف له أن يوفق للقاء المولى عزّ وجل.
من الناحية الفلسفية, إنكار لقاء الله عزّ وجل في الحياة الدنيا هو حد لصفات الله. وكأنّ المولى عز وجل فقط موجود في عالم الآخرة, وهذا يؤدي إلى خلل في التوحيد. فالمولى عز وجل لا يحده مكان ولا زمان, ولا يحده عالم عن آخر (هو الذي في السماوات إله وفي الأرض إله ). فالمولى عزّ وجل كما هو إله في عالم الآخرة والملكوت, هو أيضاً إله في عالم الملك والدنيا. وكما أنه مسيطر على عالم الملكوت ومتحكم به (فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء), هو أيضا مسيطر ومتحكم بعالم الملك (تبارك الذي بيده الملك هو على كل شيء قدير). فإنكار إمكانية لقاء الله في الدنيا فيه حد لصفات الله.
من جهةٍ أخرى, إذا أنكر الإنسان إمكانية لقاء الله في عالم الدنيا, فقد حرم نفسه من لقاء المعشوق, وحرم نفسه من الفيوضات النورانية, وحرم نفسه عن إشراق النور, ومعرفة الأسماء, وحجب قلبه عن ذكر الله (ولا يذكرون الله إلا قليلا). والذكر المعنوي النوراني هو الذكر الكثير, بينما الذكر اللفظي الذي لا يصل إلى القلب, ومهما كثر, فإنه يعتبر من الذكر القليل.
فقليل الذكر القلبي كثير, وكثير الذكر الظاهري مع غفلة القلب هو ذكرٌ قليل. ولذلك ركعتان من عالم خير من ألف ركعة من عابد وألف ركعة من زاهد, كما في حديث الرسول الأعظم (ص). وكذلك في حديث الإمام علي زين العابدين (ما أكثر الضجيج, وأقل الحجيج). إذاً علينا أن نؤمن بإمكانية لقاء الله عزّ وجل, وأن نعمل على ذلك, ولا نكون من الغافلين المبعدين (ماذا فقد من وجدك, وماذا وجد من فقدك).
الآثار السلبية لإنكار لقاء الله
إذا أنكر الإنسان إمكانية لقاء الله في الحياة الدنيا, ولم يعمل للقاء الله, فهو في الآخرة أبعد عن لقاء الله. ومن كان قلبه منكراً للقاء الله في الحياة الدنيا, فكيف له أن يطمع بلقاء الله في الآخرة (ومن كان في هذه أعمى, فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا). فعندما ينكر الإنسان لقاء الله, فإن قلبه يتوجه نحو الأغيار ونحو الدنيا, وبالتالي تصبح حركته الجوهرية عبادة للدنيا, مهما كان ظاهره. فإذا كان ظاهر الإنسان العبادة والزهد, أو كان ظاهره المعصية والبعد, فكلاهما يحملان نفس العبودية للدنيا, وإن كانا بصورتين مختلفتين, (ولا يذكرون الله إلا قليلا).
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ, أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. توضح الآية الكريمة أن إنكار لقاء الله, يؤدي بالإنسان إلى حب الدنيا. وعندما يطمئن القلب لحب الدنيا, ويتعلّق بشجرتها, يغفل عن ذكر الله, ويعيش البعد عن خالقه, فتصبح حياته قربانا للأصنام والأزلام, ويستحق بذلك عذاب النار.
بل إن إنكار لقاء الله قد يؤدي بالإنسان ليس فقط الى الكسل عن عبادة الله, بل الى الكفر وإنكار وجود الخالق, والعياذ بالله. لذلك فإن إصلاح وتمحيص الباطن في غاية الأهمية لسلوك درجات القرب.
﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: 54], إن الإيمان القلبي بلقاء الله هو من الخطوات الأولى للمسير للقاء الله , وهو ملاك قبول الأعمال أو رفضها. فإما أن يتوجه القلب للقاء الله, فيخرجه الله من الظلمات إلى النور, وإما أن يتوجه لحب الدنيا, فيخرج من النور إلى الظلمات.
موسى (ع) .. ولقاء الله
﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: 143], تتحدث الآية عن لقاء النبي موسى عليه السلام بالله عزّ وجلّ. وأن هذا القاء والحديث والحوار حدث في عالم الدنيا. وهذا يؤكد إمكانية لقاء الله في عالم الدنيا. وكذلك في حوار إبراهيم عليه السلام مع الله عزّ وجل (﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [ البقرة: 260]. فالآيات توضح إمكانية لقاء الله عز وجل في الحياة الدنيا, وليس فقط في الآخرة.
أصحاب موسى (ع) ولقاء الله
قد يعتقد البعض أن لقاء الله خاص بالأنبياء والمرسلين. ولكن القرآن يوضح إمكانية لقاء الله لغير الأنبياء والمرسلين, ولكن بشرط القابلية. ﴿ وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا﴾ [ سورة الأعراف: 155]. فموسى عليه السلام اختار سبعين رجلاً من قومه للقاء الله. ولقد اختار من علية القوم, وممن ظاهرهم الصلاح, ليخرجوا معه للقاء الله. ولكن عندما وصلوا إلى الميقات لم يكونوا مناسبين للقاء الله, فرغم صلاح ظاهرهم, فإن قلوبهم فاسدة وغير مناسبة للقاء الله, ولذلك رفضوا الإيمان بالله إلا أن يروا الله جهرة تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [ سورة البقرة: 55].
ما نستفيده من نزول العذاب على أصحاب موسى في الميقات, أنّ الذهاب المادي إلى الميقات لا يضمن بالضرورة لقاء الله. أو بمعنى آخر, قد يذهب الإنسان حسب البعد الزماني والمكاني, للحج مثلاً, ولكن لا يقبل منه, ولا يسمح له بالمناجاة, ولا بالقرب, فضلاً عن لقاء الله والدخول إلى ساحة القدس. وكذلك أنّ المحسوبيات المعنوية, كأصحاب النبي موسى, فصحابتهم لم تشفع لهم, كما أن قرب زوجة نوح أو لوط من النبي, لم تشفع لهم.
وما نستفيده من الآيات هو إمكانية لقاء الله في الحياة الدنيا, وأن هذا اللقاء ليس مقتصر على الأنبياء, بل حتى المؤمنين قابلين للقاء الله, إذا صلحت قلوبهم وكانوا مناسبين لهذا اللقاء. بل على المؤمنين أن يعملوا على لقاء الله لعلهم يوفقوا ويؤذن لهم بالقرب.
أصحاب الحسين (ع) ولقاء الله
في قبال أصحاب موسى (ع) الذين اختارهم للقاء الله, أختار الإمام الحسين (ع) سبعين ما بين شيخ وشاب ورضيع للقاء الله في كربلاء. وبينما أصحاب موسى أنكروا الإيمان بالله, ولم يكونوا لائقين للقاء الله, وأخذتهم الصاعقة. آمن أصحاب الحسين, وقدموا أنفسهم قرابين للقاء الله.
عندما خرج الإمام الحسين (ع) إلى لقاء الله في مكة, خرج معه مئات الصحابة, وقرابة المئة ألف من التابعين والمسلمين, ليحجوا بحجه. وذلك حباً للإمام الحسين (ع) وتشفعاً به إلى الله, ولكنه عندما أخبرهم بأن لقاءه مع الله سوف يكون محفوفاً بالمكاره, وأنه سوف يقدم روجه الشريفة لهذا اللقاء, وأن جسده الشريف سوف يمزق على مبضع القربان (كأني بأوصالي تمزقها عسلان الفلوات), وأنه سوف يحلّ إحرامه ويخرج إلى كربلاء, لم يوفق معه إلا سبعين رجلاً.
لماذا أخذت الصاعقة أصحاب موسى (ع) والذين كان ظاهرهم الصلاح, بعد أن تطهروا وخرجوا للقاء الله. ولمذا وفّق أصحاب الحسين (ع) ليقدموا أنفسهم قرابين للقاء الله. هنا نجد أهمية اللياقة القلبية للقاء الله. وإن الذين لا يملكون اللياقة الكافية, لن يوفقوا للقاء الله, ولن يسمح لهم بلقاء المولى عزّ وجل ودخول ساحة القدس. وكذلك نجد قدرة الإمام في تشخيص الأصحاب وقابليتهم للقاء الله, وكيف أن الإمام أخذ بأيديهم للوصول إلى المقامات العالية.
جديد الموقع
- 2026-05-10 القادسية يتوج بطلًا للدوري السعودي الممتاز تحت 18 عامًا
- 2026-05-10 ذكاءات التواصل يختتم ملتقى تمكين الفتيات في الذكاء الاصطناعي بالأحساء وسط حراك تقني ومجتمعي لافت
- 2026-05-10 *جمعية الرميلة الخيرية بالأحساء توقع شراكة مجتمعية مع نادي الروضة بالجشة*
- 2026-05-10 الكليه التقنية الرقمية للبنات بالأحساء تنظم معكسر ديتكس العاشر برعاية مدير عام الإدارة العامة للتدريب التقني والمهني بالمنطقة الشرقية
- 2026-05-09 مِن أرشيف الحب .. مع الأستاذ الشاعر عقيل بن ناجي المسكين
- 2026-05-09 *"ابن المقرب" تجمع بين الفصيح والشعبي في أمسية استثنائية بالدمام*
- 2026-05-09 اليوم العالمي للعمال
- 2026-05-08 ( قبسات من سيرة الشيخ الأوحد )
- 2026-05-08 لا تقرأ!
- 2026-05-07 بين برهان العقل وإشراق الروح ملامح التجديد عند الشيخ أحمد الأحسائي