2017/09/03 | 0 | 2619
الانتقادات التي وجهها بعض اتباع العرفان والفلسفة المتعالية للشيخ الأحسائي والرد عليها.
جوبه الشيخ أحمد الأحسائي من قبل أتباع بعض دعاة العرفان وفلسفة ملا صدرا بسيل عارم من الانتقادات التي لا تستند إلى مبرر علمي ولا أخلاقي سوى أن الشيخ قام بتشخيص ونقد أقوال ملا صدرا الشيرازي التي تابع فيها الفلاسفة والصوفية خلافا لمذهب أهل البيت صلوات الله عليهم، وإليك بعض تلك الحملات التي شُنّت على الشيخ الأوحد وتعليقنا عليها:
قال محمد حسين الطهراني: "والشيخ أحمد الأحسائيّ لا تخفى ترجمة حاله اليوم على أحد؛ فهو رجل زاهد عابد يمتاز بقدرة جيّدة علي الحفظ والاستظهار، لكنّه سعي إلي فهم مطالب الحكماء بدون الاستعانة بأُستاذ، وشرع بمطالعة كتب الحكمة فلم يُدرك حقيقة مطلبها فتحيّر. وبما عنده من اطّلاع كافٍ بالأخبار، فقد حاول موافقة حقائق المعاني الحكميّة مع ظواهر عبارات الأحاديث، فلم يوفّق في ذلك. ثمّ صار يعتقد بأصالة الوجود وكذلك بأصالة الماهيّة في مسألة توحيد الوجود والأصل القديم للعالم، وهو خطأ فادح يمثل عين الثنويّة ومذهب المجوس قد سجّله له التأريخ".
أقول: كيف يصح مثل هذا القول في الشيخ الأحسائي الذي كان أكبر همه تخليص عقيدة التوحيد من شوائب الفلسفة الفارسية واليونانية ومن أوهام الصوفية وإظهار حكمة آل محمد صلوات الله عليهم ناصعة من مكنون آثارهم، ولكن صدق القائل حيث قال: "رمتني بدائها وانسلت"، ألم يقرأ الطهراني إقرار ملا صدرا في الأسفار بأنه المحيي لحكمة الفهلويين من الفرس وقال في الأسفار: " إن الظل من مراتب تنزلات النور إذ المعنى من الظل ليس أمرا وجوديا بل هو من مراتب قصورات النور والقصور عدمي، وكذلك تنزلات مراتب الوجود الذي هو حقيقة النور عند هؤلاء العظماء من الحكماء الفهلويين وقصوراتها إنما تنشأ من خصوصيات هوياتها التي لا تزيد على حقيقتها المتفقة في أصل الوجود والنورية"، انظر كيف يبجل الملا صدرا أسلافه من فلاسفة الفرس الثنويين ويصفهم بالعظماء.. إذ اختار ملا صدرا ما ذهب إليه هؤلاء من القول بأن الوجود حقيقة واحدة مشككة، وهي فكرة تتماشى تماما مع عقيدة وحدة الوجود التي أخذها من المتصوفة، ذكر الشيخ محمد تقي المصباح اليزدي في تعليقته على نهاية الحكمة: "أن القول بالتشكيك في الوجود منسوب إلى الفهلويين، واختاره صدر المتألهين".
وقال السيد محمد حسين الطباطبائي في بداية الحكمة في الفصل الخامس من المرحلة الأولى تحت عنوان (في أن الوجود حقيقة واحدة مشككة): "اختلف القائلون بأصالة الوجود، فذهب بعضهم إلى أن الوجود حقيقة واحدة مشككة، وهو المنسوب إلى الفهلويين من حكماء الفرس".
ثم اتهم الطهراني الشيخ بعدم الفهم فقال: "وحين عجز عن إدراك مسائل الحكمة ولم يصل إلي مغزى ومفاد آراء الحكماء، فقد دعا جميع الحكماء زنادقة ومُلحدين، وأيضاً سمّى جميع أهل العرفان زنادقة وملحدين، لأنه عدّ ظواهر كلامهم غير منطبقة -كما هي الحال لدى الإخباريين- مع ظواهر الكلمات الواردة في الأحاديث".
أقول: من العجيب أن يصدر مثل هذا الكلام الواهي العاري عن الصحة والمشحون بالمغالطات من رجل يدعي العرفان، فأين يا ترى ذكر الشيخ الأحسائي أن الحكماء كانوا جميعهم زنادقة وملحدين؟ هل يدرك هذا الرجل ما يقول؟ أم أنها مجرد لقلقة لسان واضطراب جنان وبارقة سنحت له من كشف الشيطان، جعلته لا يدري ما يقول، فحين يتهم الشيخ بعدم إدراك مسائل الحكمة فعن أية حكمة يتكلم عن حكمة الفرس أم حكمة اليونان؟
وقد أوغل في هذا البهتان جماعة من أتباع مدرسة ملا صدرا وفي مقدمتهم جلال الدين الأشتياني الذي زعم في مقدمته للشواهد الربويبة: "لقد قرأت وبشيء من الدقة آثار الشيخ أحمد لعدة مرات وارى في نفسي الجرأة لأقول أن الشيخ أحمد لم يدرك قاعدة من قواعد الفلسفة والعرفان، وقد عجز من حيث لا يشعر في جميع المباني الفلسفية.
أقول: متى تسنى لهذا الرجل قراءة آثار الشيخ جميعها؟ وكم استغرق من الوقت لكي يقرأها بدقة عدة مرات؟ إن هذا الكلام محض افتراء ودعوى لا يمكن تصديقها، وحينما يقول بأنه يجد في نفسه الجرأة فما أجرأه على الله ورسوله حيث يرمي رجلا كرس حياته كلها في سبيل خدمة أهل البيت صلوات الله عليهم ودرء الشبهات والترهات عن مذهب الشيعة الذي دسوا فيه ما ليس منه بذريعة أو من دون ذريعة كمن يدس السم في العسل".
وثمّ قال الأشتياني: "فالأحسائي كان في العلوم النقلية من أكابر عصره وثمة آثار له تعكس تسلطه وتبحره، لكنه كان خاويا وغير ملم في علم الفلسفة وثمة موضوعات كثيرة جدا في آثاره ليست مبتنية على أي أصل وتبعث على السخرية".
أقول: الحمد لله الذي اعترف بأن الشيخ في العلوم النقلية كان من كبار عصره ما يدل على أنه لم يكن معرضا عن القرآن والسنة كما أعرضوا هم عنهما واتبعوا فلاسفة الإغريق والفرس، والمتصوفة الذين هم أعداء أهل البيت عليهم السلام، ثم من يكون هذا حاله من التسلط والتبحر في العلوم النقلية كيف يصح أن يقال فيه انه لا يفهم؟ وكيف يصح أن تكون آثاره مبعثا للسخرية؟ فإذا جاز للأشتياني أن يسخر من أحد فليسخر من نفسه حيث أراد أن يصنع من فلسفة ملا صدرا علما برأسه، مع أنها قراءة فلسفية لمقولات ابن عربي بشهادة جمع من الباحثين من مناصري هذه المدرسة.
ولعل السر وراء محاولات أتباع الحكمة المتعالية وصف فلسفته بالعلم هو لأجل أن يسهل الحكم على من يخالف ملا صدرا في الرؤية والفكر والمنهج بأنه ليس فيلسوفا، وهذا ما فعلوه بالضبط مع الشيخ أحمد الأحسائي... مع أن التفلسف في نفسه نزعة إنسانية وثمرته حكمة ربانية وهو ليس حكرا على شخص أو جهة أو تيار أو طائفة، ولذلك فإن محاولة حصر الفلسفة بما قاله ملا صدرا وإقصاء أي أطروحة فلسفية أخرى ما هو إلا تحجير للعقول ومصادرة للأفكار وممارسة مستبدة للآراء... وهي أيضا محاولة لاستبعاد أي جديد في الفلسفة، فإما أن يندرج النتاج الفلسفي تحت مقولات صدرا الفلسفية فيستحق أن يوصف بأنه فلسفة، وإما أن يتقاطع معها فلا يعد فلسفة وحينئذ سيحكم على من تكون أصوله الفلسفية غير مستمدة من هذه المدرسة بالخروج عن علم الفلسفة أو أنه لم يفهمها....
وقد انتهى الأشتياني إلى النتيجة التالية فقال: "إن مزاجيات هذا الشيخ العربي الكبير الكثير الكلام قد دفعت بعدد كبير نحو الضلال وأرسلت عددا آخر إلى العدم، وما زالت آثار تلك الفتنة باقية حتى يومنا هذا".
وأنا أقول له: إن هذا هو بيت القصيد في تطاولك على الشيخ الأحسائي وهو كونه عربي وأنت فارسي، ومن العجيب أن توصف أقوال الشيخ بالمزاجيات مع أنه اقتبسها من مشكاة أئمة أطهار أبرار لا ينطقون إلا بالحق، وليس للأحسائي إلا الصياغة الأسلوبية والتعبير البياني عن مطالب الائمة الحكمية في خطاب جديد فريد وبعيد عن التعقيد، أما الفتنة التي دفعت الكثير نحو الضلال وأرسلتهم إلى العدم فهي ما أسسه الأشياخ المفتونون بالفهلويين واليونانيين.
وقد أحسن السيد محمد حسن آل الطالقاني حين قال: "فالإيرانيون في الغالب ينظرون إلى العرب نظرة ازدراء واحتقار ويعتقدون بتخلفهم الذهني، وهم بعد ذلك علماء، والحسد من خصائص أهل العلم، فكيف يروق لهم أن يأتي رجل من أطراف الأحساء وأبناء الصحراء فيتفوق عليهم في بلادهم ويحظى بإقبال ملكهم وشعبهم؟ ولكن ذلك قد حصل بالرغم منهم وأجبرهم على الاعتراف بتفوقه وتقدمه".
أما وصفه للشيخ بكثرة الكلام فيكذّبه ما ذكره التبريزي في ترجمته حين قال: "وكان (أي الشيخ الأحسائي) قليل النطق كثير الصمت، لو نطق فبالحق، ولو سكت فعن الباطل، جامعا بين الشريعة والحقيقة، مرتاضا زاهدا، معرضا عن الدنيا و أهلها، ساعيا في إظهار ما أراده الله من التدبر في آيات الأنفس والآفاق، وكان وجهة همته رد ما أسسه المحقق صدر الدين الشيرازي، وقد شرح كتابيه " العرشية " و " المشاعر".
كما أورد التنكابني في قصص العلماء جملة من الاتهامات ضد الشيخ قالها خصومه الذين عجزوا عن فهم مبانيه لبعدهم عن طريقة أهل البيت عليهم السلام في الخطاب وأنسهم بمباني ملا صدرا وأتباعه:
قال التنكابني: "والحاصل أن الشيخ أحمد تميز عن أهل الزمان وصار المسلم عند الكل، لكن لم يكن له وقع عند العلماء ولم يروا له فضيلة ومعرفة بالمعقولات وقد سئل الاخوند الملا علي النوري عن فضيلة الشيخ فقال: عامي صافي الضمير".
أقول: كلام التنكابني هذا متناقض متهافت يبطل أوله آخره، إذ كيف يكون الأحسائي مسلّما عند الكل وفي نفس الوقت لا وقع له عند العلماء؟ أما هذا الملا النوري فقد كان من كبار أتباع ملا صدرا الشيرازي ومريديه وهو أول من تطاول على الشيخ الأحسائي أعلى الله مقامه ووصفه بعدم الفهم للفلسفة، وقد وجه إليه كلاما جافيا بعدما اطلع على ردوده على صدر الدين الشيرازي قائلا له: ما هذا الخلط انك لا تفهم كلام الملا صدر الدين، وكان ذلك في مجلس مناظرتهما في أصفهان.
ثم خلص التنكابني إلى هذه النتيجة الغريبة فقال: "وتحقيق الكلام أن نسبة الملا صدرا إلى الشيخ أحمد كنسبة الأستاذ إلى التلميذ، وإن كان الشيخ جامعا أكثر؛ لأن الشيخ له مهارة في علم الفقه وتأليف الكتب الفقهية الكثيرة والرسائل أيضا، ولكن الملا صدرا في المعقول هو أستاذ الشيخ أحمد قطعا ". وحينما ارتطم حمار التنكابني في الوحل وعجز صاحبه عن تفسير تلك النسبة بين الشيخ والملا قال: "والتفكير (يعني في هذا الذي قاله) في غاية الصعوبة وهو أمر اجتهادي". فاقض بالعجب العجاب من هؤلاء العلماء، وانظر إلى مبلغ تحقيقاتهم البعيدة عن الواقع بعد الأرض عن السماء.
جديد الموقع
- 2026-05-14 أمين الحباره يتوج بجائزة الأحساء للاستدامة البيئية
- 2026-05-14 "مزاج الكتابة ومجازها"...أمسية حوارية تُبحر في فلسفة الحرف مع الأديب جاسم المشرف بنادي ابن عساكر.
- 2026-05-14 تأملات حول مفهوم الرومنطيقية عن حازم صاغية
- 2026-05-14 < < الصادق الأمين > >
- 2026-05-13 السِّيَر ومفهوم كتابة الحياة
- 2026-05-13 الكافكائية الأدبية
- 2026-05-13 التدريب التقني بالمنطقة الشرقية يطلق النسخة الأولى من جائزة التميز ويكرّم الفائزين
- 2026-05-13 سمو أمير المنطقة الشرقية يرعى حفل جمعية إيثار لتكريم الشركاء والداعمين ويُدشّن مبادرة “مسيرة إيثار”
- 2026-05-13 سمو محافظ الأحساء يرعى الحفل الختامي لجائزة الأحساء للاستدامة البيئية ويكرّم الفائزين في نسختها الأولى
- 2026-05-13 جامعة حفرالباطن تشارك في ورشة «نقل المهام التشغيلية من الجامعات الحكومية إلى شركة تطوير التعليم القابضة»