2026/06/28 | 0 | 57
قراءة في كتاب الموت
عبد الله حسين اليوسف
مع كتاب الموت – بصائر وأحكام -، للمؤلف: العلامة الشيخ عبد اللطيف علي الشبيب، الطبعة الأولى :1422 هــ / 2001م
بين يدي الكتاب:
ومن المهم أيضاً أن يكون لموضوع الموت الذي نفر منه – دائماً - بطبعنا البشري حضور في نفس الإنسان لما سنأتي على ذكره من أسباب وعلل.
الرضا والتسليم:
من سنن الله الثابتة في هذا الكون والحياة البشرية (سنة الابتلاء) فالإنسان في معرض الابتلاء في كل ساعة من ساعات حياته إلى أن يلاقي ربه إما شاكرا وإما كفورا والابتلاء أنواع شتى، إبتلاء في المال غنى وفقرا، وابتلاء في البدن صحة وسقما وإبتلاء في الدين، كفورا وشكرا، إلى غير ذلك من الابتلاءات والفتن والأحداث التي تمر على الإنسان أيام حياته.
ولهذه الابتلاءات (بشتى أنواعها) حكمها البالغة ولسنا في صدد التعرف عليها إذ للحديث عنها مجال آخر.
يقول تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ۞ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:140- 141].
ويقول عز وجل: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾[ سورة آل عمران: 142].
ويقول جلت عظمته: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ ﴾[ آل عمران: 154].
وقال (جل من قائل): ﴿۞ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ﴾[ آل عمران: 186].
ويقول تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ ﴾[ الأنعام: 165].
ويقول جل وعلا: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾
[ الأنبياء: 35].
ولان البلاء والابتلاء سنة إلهية فهو غير مختص بأحد من الخلق، بل يعم الناس كافة، بل كلما ارتقت مرتبة الإنسان في الإيمان ازداد بلاءا.
والمطلوب من الإنسان المؤمن أمام هذه الابتلاءات والامتحانات الصبر والرضا والتسليم وعدم السخط. يقول الإمام الصادق(ع): (قال رسول الله (ص):
(إن أعظم البلاء يكافأ به عظيم الجزاء، فإذا أحب الله عبداً ابتلاه بعظيم البلاء، فمن رضي فله عند الله الرضا ومن سخط البلاء فله عند الله السخط).
ومن أهم الأمور التي تساعد الإنسان بالصبر علـى المكاره وتسليمه عند حلول المصائب وتبعده عن الجزع من البلاء تذكر الموت، فهو من جهة يمثل المصيبة الكبرى التي تهون كل مصيبة، ومن جهة أخرى يهون على الإنسان ما فيه باعتبار تذكره أن الحياة مهما طال عناؤها وبلاؤها فإن نهايتها الموت ولقاء الله عز وجل، والابتلاء فيها ليس بدائم لا ينقطع فأن يتحمل الإنسان بلاء سنة أو سنوات ويخرج من دنياه فائزا بالنعيم الأبدي خير له من أن يجزع ليخرج من دنياه إلى الشقاء الأبدي.
نعم، من يجعل الموت نصب عينيه تهون عليه الشدائد وترسم في نفسه ملكة التسليم لقضاء الله وقدره والرضا بإرادة الله فيما يكتب لعباده.
يقول الإمام علي (ع): (أكثروا ذكر الموت ويـــوم خروجكم من القبور وقيامكم بين يدي الله عز وجل تهون عليكم المصائب).
القناعة:
وهي فرع من فروع الرضا بقضاء الله وقسمه، ذلك أن الإنسان مجبول على الحرص والاقتناء والتطلع إلى ما تحت يد الغير والسخط على ما تحت يده. ولقد أصبحنا في زمان لا يهم الإنسان فيه سوى الركض واللهاث وراء الاقتناء والتزين والكنز، وكأن الواحد منا سيعمر في هذه الدنيا آلافا من السنوات، فيعود يلاحق فنون المادة ويتتبع (الموضات والموديلات) تنقلا بين الأسواق ومحلات العرض ومن ثم يعود شاكيا من أوضاعه الاقتصادية وسوء المعيشة وقلة المال، وكأنه غفل عما أعطاه الله ومكنه منه، من أنواع النعم، وأصناف من الرزق حتى أنك لا تجد بين الناس من يشكر الله أو يحمده إلا من عصم وإن جرت لفظة الحمد والشكر على الألسن إلا أنها ليست حقيقة راسخة في قلوب الأكثر. قلب بصرك حيث شئت، فهل تجد إلا ناقماً على أوضاعه أو متبرماً من أحواله، أو شاكيا من قلة ماله، أو ساخطا على ربه (والعياذ بالله) في قسمته.
وتلك ـ لعمري - البلية العظمى والداهية الكبرى في عصر لا يعرف أهله إلا المادة وما يتعلق بها، وما يتعلق بقضاياها وفنونها وكأن الناس في غفلة عن شيء اسمه (الآخرة) أو لفظ اسمه (القناعة).
والغريب ممن لم يتخذ القناعة دثاراً كيف غفــل عــن حقيقة أساسية وهي أن عدم قناعته لن يغير من وضعه شيئاً فمن (حرم القناعة فافتقد الراحة، وحرم الرضا فافتقد اليقين) كما يقول الإمام الصادق (ع).
وهو القائل (ع)، أيضاً: (الغنى موجود في القناعة فمن طلبه في كثرة المال لم يجده). ويبقى أن حقيقة القناعة وهي الرضا بما يصيب الإنسان من دنياه، قانعاً بالقليل، شاكراً لليسير، كما ورد في حديث للنبي الأعظم (ص)، لا تؤتى لمن غفل عن ذكــر الآخرة، وحجب عن حقيقة الموت.
إن تذكر الموت دائماً يجعل الإنسان قانعاً بما آتاه الله، زاهداً في الدنيا راضياً منها باليسير، فعن أبي عبيدة قال: قلت لأبي جعفر (ع) جعلت فداك، حدثني بما أنتفع به، فقال: يا أبا عبيدة ما أكثر ذكر الموت إنسان إلا زهد في الدنيا. وهكذا يكون ذكر الموت باعثاً للزهد وما أحوجنا إليه في عصر يسوده اللهث والحرص والجشع.
المسارعة إلى الخيرات:
إن أكثر ما يبتلى به الإنسان في حياته التسويف، وقد مر معنا أن أكثر ضجيج أهل النار من (سوف)، فهو مبتلى بتأخير توبته وتسويف أوبته، وذلك من وساوس الشيطان حين يصور للإنسان أن بإمكانه تأجيل فعله للخيرات وتدارك ذلك في مستقبل أيامه، وكأنه في مأمن من بغتة الأجل وفجأة الموت، حتى إذا أدركه نادى
﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ۞ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا ﴾[ سورة المؤمنون:99- 100].ويأتيه الندا جواباً
﴿ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾[ المؤمنون: 100]. وحين
يكون الإنسان ذاكراً للموت ومستحضراً للأجل يقصر أمله، فيسارع في كسب الحسنات وفعل الخيرات إمتثالاً لأمر الله ﴿۞ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 133]،﴿ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾[ سورة البقرة: 148].
وقد روي عن رسول الله (ص) قوله: إغتنم خمساً قبل خمس، شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك.
الصدقة: عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: الصدقة تمنع ميتة السوء.
جزء من دعاء زمن الغيبة:
(للّهمَّ عرِّفْنِي نَفْسَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْ رَسُولَكَ، أَللّهمَّ عَرِّفْنِي رَسُولَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي رَسُولَكَ لَمْ أَعْرِفْ حُجَّتَكَ، أَللّهمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي، أَللّهمَّ لاَ تُمِتْنِي مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَلاَ تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي).
جديد الموقع
- 2026-06-28 (كربلاء قنطرة بين الأرض والسماء ) لـــ (العلامة السيد أبو عدنان)
- 2026-06-28 *"التمكين الشامل" تطلق أكبر مبادرة تأهيلية مجانية بعسير بـ2.2 مليون ريال بشراكة استراتيجية مع وزارة الموارد البشرية*
- 2026-06-28 *«قمر المانجو» يضيء سماء الوطن العربي*
- 2026-06-27 الحسين عِبْرَةٌ
- 2026-06-27 تطبيقات الصحة الرقمية: بين تعزيز العافية وصناعة الهوس بـ “الذات المحسنة”
- 2026-06-26 سماحة العلامة " السيد أبو عدنان" يُشيد بالتنظيم والخطابة والكوادر الشابة في حسينيات الاحساء خلال شهر محرم
- 2026-06-26 كربلاء والطقوس والهوية : تأملات في فرادة التجربة الإيرانية.
- 2026-06-24 جمعية مهندسات سعوديات تحتفل باليوم العالمي للمهندسات
- 2026-06-24 سلسة الذهب ومعرفتهم من محب
- 2026-06-23 الوقف والتنمية الثقافية .. قراءة في المرتكزات والآفاق