2026/08/31 | 0 | 105
سَكَنًا… مودةً… و رحمة…
قال تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
[الروم: 21]
حين أراد الله أن يصف لنا العلاقة الزوجية، لم يقل: لتستمتعوا بها، ولا لتعيشوا معها، ولا لتتقاسموا شؤون الحياة ، وإنما اختار كلمة عميقة الدلالة: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾.
وكأن الزواج في التصور القرآني ليس انتقالًا من الوحدة إلى المشاركة ، بل انتقالٌ من القلق إلى السكينة، ومن الوحشة إلى الأنس، ومن اضطراب الروح إلى طمأنينة القلب.
فالإنسان قد يجد بيتًا يأويه، لكنه لا يجد فيه سكنًا، وقد ينام إلى جوار إنسان أعوامًا طويلة، لكنه لا يشعر معه بالأمان. ولذلك كان السكن أعمق من مجرد الاجتماع؛ إنه أن تجد في شخصٍ آخر موضعًا تهدأ فيه روحك، وتضع عنده أثقالك دون خوف، وتعود إليه من ضجيج الحياة فتشعر أنك عدت إلى نفسك.
واللافت أن القرآن قال: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾.
لم يقل من غيركم، بل من أنفسكم؛ لأن الزوجين وإن اختلفت شخصياتهما وطباعهما، يجمعهما أصل الإنسانية، وتشترك أرواحهما في حاجتها إلى الحب والأمان والرحمة.
ثم يقول : ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً﴾.
والمودة ليست مجرد حب عابر تشتعل جذوته في البدايات ثم تخبو مع الأيام؛ فالحب قد يكون شعورًا، أما المودة فهي الحب حين يتحول إلى سلوك.
أن تقول كلمة جميلة ، وأن تبتسم حين تكون النفس مثقلة، وأن تغض الطرف عن الهفوة… تلك هي المودة حين تغادر القلب لتظهر على الجوارح.
ثم تأتي الرحمة، وكأن القرآن يضع للزواج جناحين: مودةٌ في أوقات الصفاء، ورحمةٌ في أوقات العتاب والضعف.
فالإنسان لا يبقى على حال واحدة؛ يمرض، ويتعب، ويغضب، ويخطئ، ويضعف، وتمر به أيام لا يكون فيها ذلك الشخص الذي عرفناه في أيامه الجميلة.
وهنا تظهر قيمة الرحمة.
المودة تجعلك تحب شريكك حين يكون في أجمل حالاته، أما الرحمة فتجعلك تحتضنه حين يكون في أضعف حالاته.
فالزواج الناجح ليس زواج شخصين لم يختلفا يومًا، وإنما زواج شخصين عرفا كيف يختلفان دون أن يهدم أحدهما ما بناه الآخر.
ليس أن يخلو البيت من الخلاف، وإنما أن لا يتحول الخلاف إلى خصومة، ولا الخصومة إلى قطيعة، ولا القطيعة إلى كراهية.
فالبيت الذي أراده الله ليس بيتًا بلا مشكلات، وإنما بيتٌ يعرف أهله كيف يعبرون المشكلات دون أن يفقدوا بعضهم في الطريق.
ومن أجمل ما في الآية أنها نسبت المودة والرحمة إلى الله فقال: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
وكأن الله يقول لنا: إن الألفة التي تنشأ بين قلبين ليست أمرًا عابرًا، وإن اجتماع روحين على المحبة ليس مجرد مصادفة؛ إنها من آيات الله.
ولذلك ختم الآية بقوله:
﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
فالزواج آية تستحق التفكر.
ولعل أجمل ما في الزواج أن الإنسان لا يبحث فيه عن شخص كامل؛ فالكمال ليس من طبيعة البشر، وإنما يبحث عن قلبٍ يجد عنده السكن، وروحٍ تمنحه المودة، وإنسانٍ يعرف كيف يرحمه حين تعصف به الحياة.
وما أجمل أن يصل الزوجان بعد أعوام طويلة إلى مرحلة لا يحتاج فيها أحدهما إلى كثير كلام؛ يكفي أن ينظر إلى الآخر فيفهمه، وأن يصمت فيجد من يفهم صمته، وأن يتعب فيجد كتفًا يستند إليه، وأن يفرح فيجد من يفرح لفرحه كأنه فرحه.
هناك يصبح البيت أكثر من جدران، ويصبح الزواج أكثر من عقد.
وهكذا تختصر آية واحدة فلسفة الزواج كلها:
أن تسكن إلى من تحب، وأن تودّ من تسكن إليه، وأن ترحم من تحبه حين لا يكون في أفضل حالاته.
فإذا اجتمعت السكينة والمودة والرحمة، صار البيت وطنًا صغيرًا للروح، وصار الزوج للزوجة سكنًا، والزوجة للزوج سكنًا، وأصبح كل واحد منهما يقول للآخر بلسان الحال:
هنا أطمئن… هنا أستريح… هنا أنا في مأمن من العالم.
فالزواج كما أراده الله:
سكنًا لا سجنًا،
ومودةً لا مجاملة،
ورحمةً لا شفقة،
وشراكةً في الطريق… حتى آخر الطريق
جديد الموقع
- 2026-08-31 أكثر من 2000 متدربة وخريجة يشاركن في برنامج التهيئة للتدريب التعاوني بالكلية التقنية الرقمية للبنات بالأحساء
- 2026-08-31 أكثر من عشرة ملايين مستفيد على مدار العام.. وزير الشؤون الإسلامية يدشّن برنامج البناء العقدي لتعزيز العقيدة الصحيحة وترسيخ منهج الوسطية والاعتدال في عموم مناطق المملكة
- 2026-08-31 سعادة وكيل محافظة الأحساء يستقبل أعضاء إنجاد ويؤكد دعم سمو محافظ الأحساء للجهود التطوعية وتعزيز منظومة البحث والإنقاذ
- 2026-08-31 وزير الصحة يبدأ زيارة رسمية إلى البرتغال لتعزيز التعاون الصحي بين البلدين
- 2026-08-31 الصدمة ونمط التفكير..
- 2026-08-31 أعيروا الله أسماعكم..
- 2026-08-31 *تقديراً للتميز.. خيرية الرميلة بالأحساء تكرم متفوقيها في حفل وهج التفوق 2026*
- 2026-08-31 سمو نائب أمير المنطقة الشرقية يستقبل قائد القوة الخاصة للأمن البيئي بالمنطقة
- 2026-08-31 برعاية سمو أمير المنطقة الشرقية سمو نائب أمير المنطقة الشرقية يفتتح غداً الثلاثاء معرض الحرف والأعمال اليدوية 2026
- 2026-08-31 سفيان البرّاق من لقب قارئ العام إلى باحث ومؤلف في الأدب والنقد