2026/10/30 | 0 | 111
د. أحمد المضحي.. مسيرة علم وعطاء وإنجاز
بمناسبة تقاعده من ميدان التعليم، نقف أمام مسيرة ثرية بالإنجازات والمواقف الإنسانية، وتجربة تستحق الوفاء والتقدير، لرجل لم يكن حضوره محصورًا في قاعات الدراسة، بل امتد أثره إلى ميادين الإرشاد النفسي والأسري، ورعاية الموهوبين، والبحث العلمي، والعمل الاجتماعي والتطوعي.
إنه الدكتور أحمد بن باقر محمد المضحي (أبو مفيد)، أحد النماذج التربوية والاجتماعية المشرّفة التي جمعت بين الطموح العلمي، والإخلاص المهني، ونبل الأخلاق، والتواضع، والتفاني في خدمة الإنسان والمجتمع.
لقد جمع الدكتور أحمد المضحي بين التأهيل الأكاديمي الرفيع والخبرة الميدانية الواسعة والحضور المجتمعي الفاعل، مقدمًا نموذجًا للمربي الذي يؤمن بأن قيمة العلم الحقيقية تتجلى في تحويله إلى عمل نافع، وأن نجاح الإنسان يُقاس أيضًا بما يتركه من أثر إيجابي في حياة الآخرين.
طموح علمي ومثابرة لا تعرف المستحيل:
من أبرز ملامح شخصية الدكتور أحمد المضحي ذلك الطموح المتجدد الذي رافقه منذ سنوات الدراسة الأولى، والعزيمة الصلبة التي جعلته يواصل طريق العلم رغم ما يتطلبه من جهد وصبر وتضحيات.
فقد عرفه زملاؤه منذ مقاعد الدراسة مثالًا للجد والاجتهاد والمثابرة، لا يعرف اليأس طريقًا إلى نفسه، ولا يرى في الصعوبات عائقًا أمام تحقيق طموحاته.
انطلقت مسيرته العلمية من جامعة الملك سعود بالرياض، حيث حصل على درجة البكالوريوس في علم النفس التربوي عام 1414/1415هـ، ثم واصل دراساته العليا ليحصل على درجة الماجستير في علم النفس عام 1423هـ.
ولم يتوقف طموحه عند هذا الحد، بل واصل مسيرته الأكاديمية حتى نال درجة دكتوراه الفلسفة في التربية، تخصص علم النفس التربوي، من جامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية عام 2021م، بتقدير ممتاز، مع التوصية بتبادل الرسالة بين الجامعات.
ويكتسب هذا الإنجاز أهمية خاصة؛ لأنه جاء بعد سنوات طويلة من العمل التربوي والخبرة الميدانية، ليجمع بذلك بين عمق التجربة العملية ورصانة التأهيل الأكاديمي.
كما حرص على تطوير أدواته المهنية، فحصل على عدد من الشهادات والدورات التدريبية في مجالات الاستشارات الاجتماعية، والتدريب التربوي، والحوار الوطني، والكشف عن الموهوبين، والبرمجة اللغوية العصبية.
ولعل هذه المسيرة بما تحمله من كفاح وإصرار تقدم درسًا عمليًا للأجيال الناشئة في أن التفوق لا يتحقق بالأمنيات، وإنما بالصبر والمثابرة والإيمان بالقدرة على بلوغ الأهداف.
أكثر من ثلاثة عقود في خدمة التربية والتعليم:
لم يكن الدكتور أحمد باقر المضحي معلمًا يؤدي واجبًا وظيفيًا خلال ساعات محددة، بل كان صاحب رسالة تربوية آمن بأهميتها، وأدرك أن بناء الإنسان هو أعظم استثمار يمكن أن تقدمه المجتمعات لمستقبلها.
فقد بدأ مسيرته المهنية معلمًا، متنقلًا بين عدد من المدارس في الأحساء والرياض، وعمل في المرحلتين الابتدائية والثانوية، قبل أن ينتقل إلى مجال الإشراف التربوي.
وأمضى ثماني سنوات مشرفًا تربويًا في مركز رعاية الموهوبين التابع للإدارة العامة للتعليم بالأحساء، وهي تجربة أتاحت له التعامل مع الطلاب المتميزين، والإسهام في اكتشاف قدراتهم وتنمية مواهبهم.
ثم عاد إلى ميدان التعليم الثانوي، حيث التحق بمدرسة هوازن الثانوية ابتداءً من عام 1429هـ، وواصل فيها أداء رسالته التعليمية والتربوية حتى تقاعده.
وهكذا امتدت مسيرته التعليمية لأكثر من ثلاثة عقود، تنقل خلالها بين التعليم المباشر والإشراف التربوي ورعاية الموهوبين.
وقد جسّد أبو مفيد في مسيرته المهنية معاني الإخلاص والجدية والصبر، والحرص على الجمع بين المعرفة والقدوة الحسنة، وبين الانضباط المهني وحسن التعامل.
فالتعليم في نظر المربين المخلصين لا يقتصر على نقل المعلومات، وإنما يتجاوز ذلك إلى بناء العقول، وتهذيب السلوك، وغرس القيم، وتنمية الشخصية، وإعداد الأجيال لتحمل مسؤولياتها.
رعاية الموهوبين وتنمية القدرات والإبداع:
يشكل الاهتمام بالموهوبين جانبًا بارزًا من تجربة الدكتور أحمد المضحي، فقد أدرك أهمية الاستثمار في الطاقات البشرية، واكتشاف قدرات الطلاب، وتوفير البيئة المناسبة لنمو مواهبهم.
وإلى جانب عمله مشرفًا تربويًا في مركز رعاية الموهوبين بالأحساء، شارك في تنفيذ برامج تدريبية للكشف عن الموهوبين خلال الفترة من 1424 إلى 1427هـ.
كما قدم ورشًا تدريبية تناولت الاكتشاف المبكر للموهوبين والمبدعين وأساليب رعايتهم وتنمية قدراتهم، وشارك في الملتقيات الإثرائية الصيفية والبرامج التعليمية المساندة.
وأسهم كذلك في إعداد معارض وأنشطة تربوية تهدف إلى إبراز القدرات الطلابية وتحفيز الإبداع والابتكار.
وتعكس هذه الجهود فهمًا عميقًا لأهمية الموهبة بوصفها ثروة وطنية تحتاج إلى الرعاية والتوجيه، وأن اكتشاف الموهوب ليس نهاية المهمة، بل بداية مسؤولية تربوية تتطلب المتابعة والتشجيع.
حضور اجتماعي وإسهامات في الإرشاد الأسري:
لم تقتصر جهود الدكتور أحمد المضحي على المؤسسات التعليمية، بل امتدت إلى المجتمع، حيث سخّر جانبًا من علمه وخبرته لخدمة الأسرة وتعزيز استقرارها.
ومن أبرز مسؤولياته توليه رئاسة الوحدة النفسية الاجتماعية بمركز الخدمات الأسرية بالمبرز خلال عامي 1426–1427هـ، وعمله مستشارًا أسريًا واجتماعيًا.
كما تولى إدارة مركز الإرشاد الأسري بجمعية الحليلة الخيرية ابتداءً من عام 1444هـ، وفق ما ورد في سيرته الذاتية.
وشارك في برامج تأهيل المقبلين على الزواج، وتشير سيرته إلى إسهامه في تأهيل أكثر من 300 شاب مقبل على الزواج ضمن مهرجان الزواج الجماعي بالحليلة.
وتكتسب هذه الجهود أهمية خاصة؛ لأنها تتصل ببناء الأسرة، وتعزيز الوعي بالعلاقات الزوجية، وتنمية مهارات الحوار والتفاهم، والوقاية من المشكلات الأسرية.
كما شارك في أنشطة جمعية الحليلة الخيرية، والإشراف على مجموعة من رواد الكشافة، وتنظيم فعاليات اجتماعية وتربوية.
البحث العلمي والمشاركة في المؤتمرات:
لم تكن تجربة الدكتور أحمد المضحي قائمة على العمل الميداني وحده، بل امتدت إلى البحث العلمي والمشاركة في المؤتمرات والملتقيات المتخصصة داخل المملكة وخارجها.
ففي عام 2019م، نشر دراستين في مجلة العلوم التربوية بكلية الدراسات العليا للتربية بجامعة القاهرة؛ تناولت الأولى أثر برنامج قائم على استخدام بعض استراتيجيات التعلم في تنمية مهارات التفكير الناقد لدى طلاب المرحلة الثانوية، بينما تناولت الثانية أثر برنامج قائم على استخدام بعض استراتيجيات التعلم في تنمية فاعلية الذات الأكاديمية لدى الفئة نفسها.
ويكشف اختيار هذين الموضوعين عن اهتمامه بقضيتين أساسيتين في التربية الحديثة، هما تنمية التفكير الناقد، وتعزيز ثقة الطالب بقدرته على التعلم والإنجاز.
كما شارك في مؤتمر القدرة التنافسية للجامعات العربية بجامعة عين شمس عام 2018م، ومؤتمرات تكنولوجيا التعليم بجامعة القاهرة، ومؤتمرات علم النفس التربوي بدولة الإمارات العربية المتحدة عامي 2019 و2021م، إضافة إلى الملتقى الثالث للجمعية العلمية السعودية للإرشاد النفسي عام 2022م.
وتعكس هذه المشاركات حرصه على مواكبة المستجدات العلمية، والتواصل مع البيئات الأكاديمية والبحثية، والاستفادة من الاتجاهات الحديثة في التربية وعلم النفس والإرشاد.
عطاء مجتمعي يتجاوز حدود التخصص:
من الجوانب المضيئة في مسيرة الدكتور أحمد المضحي تعدد مشاركاته المجتمعية، فقد كان حاضرًا في البرامج التدريبية والتوعوية والثقافية، وأسهم في تنظيم المعارض والفعاليات التعليمية والاجتماعية.
وكان له حضور فاعل في أنشطة جمعية الحليلة الخيرية، من خلال المشاركة في البرامج الأسرية والتربوية والمبادرات الاجتماعية.
كما شارك في لجنة تحكيم جائزة الأسرة المثالية بجمعية الحليلة الخيرية عام 1444هـ، إلى جانب عضويته في الجمعية العلمية السعودية للإرشاد النفسي، والجمعية السعودية للعلوم التربوية والنفسية «جستن».
وتكشف هذه المشاركات عن شخصية تؤمن بأن صاحب العلم والخبرة يحمل مسؤولية تجاه مجتمعه، وأن المعرفة تزداد قيمة حين تتحول إلى مبادرات نافعة ومواقف إنسانية مؤثرة.
أخلاق رفيعة وتواضع يسبق المكانة العلمية:
إذا كان التفوق العلمي والإخلاص المهني من أبرز ملامح شخصية الدكتور أحمد المضحي، فإن أخلاقه العالية وتواضعه الجم يمثلان جانبًا لا يقل أهمية عن إنجازاته.
فقد عُرف أبو مفيد بدماثة الخلق، وطيب المعشر، ولطف التعامل، والهدوء، واحترام الآخرين، وهي صفات جعلته قريبًا من القلوب، محبوبًا بين زملائه وأصدقائه، ومقدرًا في محيطه الاجتماعي.
ولم تكن شهاداته العلمية ولا خبرته الطويلة حاجزًا بينه وبين الناس، بل ظل بسيطًا في تعامله، متواضعًا في حضوره، كريمًا في مشاعره ومواقفه.
وقد جسّد الدكتور أحمد هذا المعنى الجميل، فكان من أولئك الرجال الذين تتحدث أعمالهم عنهم، وتشهد مواقفهم بفضلهم، دون حاجة إلى استعراض الإنجازات أو طلب الثناء.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في وصفه أن علمه لم يطغَ على تواضعه، وأن مكانته لم تبعده عن الناس، وأن حضوره الإنساني ظل أعمق أثرًا من أي لقب أو منصب.
التقاعد نهاية مرحلة وبداية عطاء متجدد:
إن التقاعد في حياة أصحاب الرسالات لا يعني نهاية العطاء، وإنما يمثل انتقالًا من مرحلة المسؤوليات الوظيفية إلى آفاق أرحب من العمل الفكري والاجتماعي والإنساني.
والدكتور أحمد المضحي، بما يمتلكه من تأهيل علمي وخبرة تربوية طويلة وتجربة واسعة في الإرشاد الأسري والعمل المجتمعي، يحمل رصيدًا معرفيًا وإنسانيًا يمكن أن يظل مصدر نفع وإلهام للأجيال القادمة.
ولعل أجمل ما في مسيرته أنه لم يجعل من طول سنوات الخدمة سببًا للتوقف عن طلب العلم، بل واصل دراسته حتى نال درجة الدكتوراه بعد رحلة مهنية طويلة، مقدمًا رسالة عملية مفادها أن التعلم لا يرتبط بمرحلة عمرية، وأن الطموح العلمي لا ينبغي أن يتوقف عند حدود الوظيفة.
كلمة وفاء وتقدير لقامة تربوية وإنسانية:
إن الحديث عن الدكتور أحمد باقر المضحي ليس مجرد استعراض لسيرة ذاتية حافلة بالمؤهلات والمناصب والمشاركات، وإنما هو وقفة وفاء أمام تجربة إنسانية تستحق الإشادة والتقدير.
إننا نحتفي بالمربي الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود في خدمة التعليم، وبالباحث الذي لم يتوقف عن طلب العلم، وبالمستشار الذي سخّر خبرته لخدمة الأسرة، وبالإنسان الذي جعل من العمل الاجتماعي امتدادًا طبيعيًا لرسالته التربوية.
ونحتفي كذلك بالرجل الذي جمع بين الطموح والتواضع، وبين المثابرة والهدوء، وبين الإنجاز العلمي ونبل الأخلاق.
وإذا كانت الشهادات توثق التحصيل العلمي، والمناصب تسجل المسؤوليات، فإن محبة الناس واحترامهم، والأثر الذي يتركه الإنسان في طلابه وزملائه ومجتمعه، تبقى من أصدق الشواهد على قيمة مسيرته.
جديد الموقع
- 2026-10-30 محامون تحولوا إلى الكتابة
- 2026-10-30 ضمن جناح المملكة ضيف شرف المعرض في دورته الـ29..الشؤون الإسلامية تشارك في معرض الجزائر الدولي للكتاب 2026م
- 2026-10-30 معرض الجزائر الدولي للكتاب يطلق برنامجه الثقافي ويستقبل زواره
- 2026-10-30 ريان الزكري يرفع راية الوطن عاليًا في سماء دبي ويحقق إنجازًا عربيًا مشرّفًا
- 2026-10-29 محمد العلي... قرنٌ من الأسئلة وشاعر لم يتقاعد عن التنوير
- 2026-10-29 رحيل الأديب محمد العلي.. شاعر تجاوز حدود القصيدة
- 2026-10-29 طلاب قانون البيئة بجامعة الملك فيصل يزورون جمعية البيئة الخضراء بالأحساء
- 2026-10-29 ليس كلُّ إنفاقٍ مكسبًا
- 2026-10-29 لقاء في بيت الثقافة
- 2026-10-29 قراءة كتاب المدينة الفاضلة