2014/11/02 | 0 | 3786
الشريف الرضي وكربلاء
وقلما لا نجد شاعر يتصف بأنه شيعي لا ينظم في يوم عاشوراء وما جرى على أهل البيت ولو ببيت واحد ، بل هي سنة في الشعر الشيعي ومن أولئك في القرن الخامس الهجري العالم الفقيه الأديب السيد محمد بن أبي أحمد الحسين بن موسى المعروف بالشريف الرضي الذي ينتهي نسبه إلى إبراهيم بن موسى الكاظم عليه السلام المتوفي سنة 406هـ فقد نظم في سيرة الطف خمس قصائد مما تعد من أهم القصائد التي أوردت المشاهد المحزنة و الفظاعة التي لحقت الأمة من العار الذي لا يطهره مياه العالم اجمع .
وقصائده الخمس الواردة في ديوانه 2 في مختلف قوافيها البالغة مائتين وثمانية وثلاثون بيتا موزعة على قصيدته " كربلاء لا زلت كربا وبلا وفيها اثنان وستون " و" هذي المنازل بالغميم فنادها ثمانية وخمسون" و " وراءك عن شاك قليل العوائد ستة وعشرون " و "صاحت بذودي بغداد فآنسني أربعون " و " راحل أنت والليالي نزول اثنان وخمسون " وبقية ما ذكره عن سيد الشهداء فقد كانت مقطوعة في قصائد أخرى فقصيدة " ألا لله بادرة الطلاب " مشتركة مع أهل البيت جميعا ، وأخرى يفتخر الشاعر بحسبه ويذكر من مفاخره جده السبط عليه السلام في قصيدة " أمن شوق تعانقني الأماني " وبذلك تكونت صورة جمالية محزنة عن واقعة الطف وما جرى بها .
والبعض استنكر نسبة قصيدته " كربلا لا زلت كربا وبلا " إلى الشريف لأسباب منها عدم وجودها في ديوانه الأصلي ، ثم لو عارضتها مع أخوتها أو القصائد الأخرى لوجدتها لينة التراكيب 3، إلا أننا ولشهرتها أخذنا من أبياتها ما يتفق مع أبيات قصائده الأخرى أو الأقرب إليها لتكتمل الصورة .
وسوف ندرس القصائد من خلال مجموعة من العناصر التالية .
أولا : مقدمة قصائده .
بدأ رحمه الله قصيدته بذكر بعض المنازل " هذي المنازل بالغميم فنادها " حين يتذكر أصحابها ، فمن تلك المنازل " بالغميم "موضع بالحجاز . وفي قصيدته الثانية ذكر "بغداد" صاحت بذودي بغداد فآنسني ، وفي بداية قصيدة أخرى ذكر " كربلا لا زلت كربا وبلا " لكن القصيدتان الأخريتان اختلف عنوانها " راحل أنت والليالي نُزُول " و" " وراءك عن شاك قليل العوائد " .
- · ثانيا : الدخول للغرض .
لم يدخل رحمه الله تعالى إلى غرضه الأصلي إلا بعد أن وضع سلم لنفسه ليشد انتباه السامع ، وليدلل أن كل حزن أمام غرضه الأصلي يتصاغر ، فقصائده ألأربع اشتركت في :
البكاء على ديار قد فارقها أو خلت من أهلها فبكى لأجل ذلك ، وامتزج بكاؤه بالهم الذي ملأ وجدانه ، وهذا من طبيعة الدنيا التي وُصفت بأنها زوال وفناء .
فكل إنسان يملك في وجدانه قناة دمعية لا يعلم كم تحمل مثاقيلا من المياه إلا الله تعالى ، فعند تذكر أماكن لها في نفس الشاعر من ارتباط يعبر بالانسكاب الذي يوحي بأنه انسكاب غير مكلف و بغير اختياره :
- هذي المنازل بالغميم فنادها واسكب سخي العين بعد جمادها
إن كان دين للمعالم فاقضه أو مهجــة عــند الــطلول ففادها
ثم يتكلم وكأنه يريد وصف سحابة مثقلة بالماء ، كقوله " الطلول (جمع طل وهو أخف المطر )4 تبل ، بالبكاء عيونها ، والدمع ماء مزادها ، قطر المدامع ، ديمة ، عبراتها " لكن يظهر لنا حزنه وكمده حين نرى وصف خديه كما يستفاد من كلمة " نؤيُّ" بأنها حفرة حول الخباء لئلا يدخله ماء المطر، و ميلانه كالقوس حتى صار أسودا كالفحم من ذلك :
- نؤي كمنعطف الحنية دونه سُحُم الخدود لهن إرث رمادها
وفي قصيدته الثانية يبدأ بالحيرة والشك التي تنتابه حين رؤيته للنجوم وقد امتلأ هماً في داخله ففكرة تأتيه وأخرى تفارقه :
- وراءك عن شاك قليل العوائد تقلبه بالرمل أيدي الأباعد
يراعي نجوم الليل والهم كلما مضى صادر عني بآخر وارد
توزع بين النجم والدمع طرفه بمطروفة إنسانها غير راقد
فالسبب الذي أفزعه كان اشتغاله بالبكاء على رسم الديار التي خلت من أهلها :
- ذكرتكم ذكر الصبا بعد عهده قضى وطرا مني وليس بعائد
وقال :
- هي الدار لا شوقي القديم بناقص إلــيها ولا دمــــعي عليها بجامد
ولي كبد مــقروحة لـو أضاعها من السقم غيري ما بغاها بناشد
تــأوبني داء من الهم لـــم يــزل بـــقلبي حتى عادني منه عائدي
ولمكانة بغداد جعل لها نصيب من حزنه وكمده فهي ميلاده وفيها تربى :
- صاحت بذودي بغداد فآنسني تقلُبي في ظهور الخيل والعير
وكلما هجهجت بي عن منازلها عارضتها بجنان غير مذعور
ويقول :
- خطب يهددني بالبعد عن وطني وما خُلقت لغير السرج والكور
فالهم قد ملأ وجهي المظلم كالبر الخالي مما يزينه من ظبي وغزلان ، فيقول :
- عجلان أُلبس وجهي كل داجية والبر عريان من ظبي ويعفور
ورب قــــائلة و الهم يــتحفنــي بناظر من نطاف الدمع ممطور
فيسأله سائل : ما قيمة هذا الحزن ؟ ألا ينقضي ؟!
- خفض عليك ، فللأحزان آونة وما المقيم على حزن بمعذور
ولا بد من تنقص عيش الفتى مهما طال به الزمن فإنه سيرحل من هذه الدار على أي حال :
- راحل أنت ، والليالي نزول ومضرُّبك البقاء الطويل
وهذا القانون لا يستثنى منه أحد مهما أُوتي من قوة :
- لا شجاع يبقى فيعتنق البـــ يض ولا آمل ولا مأمول
بل وحتى غير البشر فهي عرضة للفناء :
- غاية الناس في الزمان فناء وكذا غاية الغصون الذبول
ويصور أن المنية تترصد للإنسان في كل وقت حرب أم سلم فهو كالغيم المملوء ماء فجاءت ريح ففرقته أو كالقابلة التي تتعهد المرأة حين الولاة فتسحب الجنين من بطن أمه :
- فهو كالغيم ألفته جنوب يوم دجن ، ومزقته قبول
عادة للزمان في كل يوم يتناءى خلُّ ، وتبكي طلول
فهي الدنيا يوم لك فتفرح به ، ويوم حزن على غيرك ، فهي كالمرأة الجميلة " عطبول" إذا وصلت هذا تركت ذاك لكن الجميع في عزاء سيبكي ويُبكى :
- ربما وافق الفتى من زمان فرح ، غيره به متبول
هي دنيا إن واصلت ذا جفت هذا ملالا ، كأنها عطبول
كل باك يُبكى عليه وإن طال البقاء ، والثاكل المثكول
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- · الدخول إلى القضية
توجد مجموعة من العناصر استطاع الشريف الرضي توظيفها ، والرجل عالم بحيث عنده من النصوص المستفادة في هذه القضية مما يجعله لا يقول مبالغة يخرجه من الكذب ، فمن تلك العناصر :
1- ليس بعد كربلاء حزن وبكاء يساويه ، كقوله :
- فقلت : هيهات ! فات السمع لائمه لا يفهم الحزن إلا يوم عاشور
- أي يــوم أدمى الــمدامع فــيه حادث رائع وخطب جليل
يوم عاشوراء الذي لا أعان الصحب فيه ، ولا أجار القبيل
- كربلا ، لا زلت كربا وبلا ما لقي عندك آل المصطفى
كم على تربك لما صرعوا من دم سال ومن دمع جرى
2- المعزى في أغلب قصائده هي فاطمة الزهراء عليها السلام ، يقول :
- شغل البكاء عن الديار بكاؤنا لبكاء فاطمة على أولادها
- يوم حدا الظعن فيه لابن فاطمة سنان مطرد الكعبين مطرور
- لا يبالي الــحمام أيــن تـــرقّى بعدما غالت ابن فاطم غُول
- ميت تبكي له فاطمة وأبوها وعلي ذو العلى
لو رسول الله يحيا بعده قعد اليوم عليه لـــــلعزا
3- ثقافة " الظمأ و العطش" اللسان المشترك في هذه القضية بل عند كل شاعر يريد النظم في هذه القضية ، يقول :
- وقبرا بالطفوف يضم شِلوا قضى ظمأً إلى برد الشراب
- كم حصان الذيل يروي دمعها خدها عند قتيل بالظما
وضـــيــــوف لـــفلاة قـــفــرة نزلوا فيها على غير قِرى
لم يذوقوا الماء حتى اجتمعوا بحِدا السيف على وِرد الردى
- لم يخلفوها في الشهيد وقد رأى أن الفرات يذاد عن أورادها
- وظام يريغ الماء قد حيل دونه سقوه ذبابات الرقاق البوارد
- ظمآن سلّى نجيع الطعن غلته عن بارد من عُباب الماء مقرور
4- الحقد الأموي الدفين الذي ظهر للناس في كربلاء عيانا :
- أترى درت أن الحسين طريدة لقنا بني الطرداء عند ولادها
كــانت مـآتم بالـــعراق تعدها أموية بـــالشام من أعـــيادها
باعت بصائر دينها بضلالها وشرت معاطب غيّها برشادها
جعلت رسول الله من خصمائها فلبئس ما ذخرت ليوم معادها
طلبت تراث الجاهلية عندها وشفت قــديم الــغِل من أحقادها
واستأثرت بالأمر عن غُيّابها وقضت بما شاءت على شهادها
وقال :
- تذكرت يوم السبط من آل هاشم وما يومنا من آل حرب بواحد
بنى لهم الماضون آساس هذه فعلّوا على آساس تلك القواعد
رمونا كما يرمي الظماء عن الروا يذودوننا عن إرث جد ووالد
أ ألله ! ما تنفك في صفحاتها خُمُوشٌ لكلب من أمية عاقد
وقال :
ألا ليس فعل الأولين وإن علا على قُبح فعل الآخرين بزائد
- أغرى به ابن زياد لُؤم عنصره وسعيه ليزيد غير مشكور
وود أن يتلافى ما جنت يده وكان ذلك كسرا غير مجبور
- أدرك الكفر بهم ثاراته وأُزيل الغي منهم واشتفى
5- لم تراع هذه الأمة حق نبيها صلى الله عليه وآله الذي أوصى كما هو الوارد في شأن الآية :" قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " فهم أبناؤه ونسله وثمره الذي خلفهم في أمته :
- ما راقبت غضب النبي وقد غدا زرع النبي مظنة لحصادها
نسل النبي على صعاب مطيها ودم النبي على رؤوس صعادها
- لقد علّقوها بالنبي خصومة إلى الله تُغني عن يمين وشاهد
- ما أطاعوا النبي فيك ، وقد ما لت بأرماحهم الذحول
- يا رسول الله لو عاينتهم وهم مابين قتلى وسِـــــبا
- ليس هذا لرسول الله ، يا أمة الطغيان والبغي جزا
غارس لم يأل في الغرس لهم فأذاقوا أهله مُر الجَنى
- رب ما حاموا ولا آووا ولا نصروا أهلي ولا أغنوا غُنا
بدلوا ديني ونالوا أسرتي بالعظيمات ولم يرعوا أَلَى
- حُرمي مستردفات وبـــــــنو بنتي الأدنون ذِبح للعِدى
رب إني اليوم خصم لهم جئت مظلوما وذا اليوم القضا
6- مسوغات قتل الحسين عليه السلام بنظر أولئك الطغاة واستندوا بشرعية ذلك إلى أمر غير مقبول :
- زعمت بأن الدين سوّغ قتلها أو ليس هذا الدين عن أجدادها
- إن قوضت تلك القباب فإنما خرت عماد الدين قبل عمادها
إن الخلافة أصبحت مزوية عن شعبها ببياضها وسوادها
طمست منابرها علوج أمية تنزو ذئابهم على أعوادها
هي صفوة الله التي أوحى لها وقضى أوامره إلى أمجادها
- يا قتيلا قوّض الدهر به عُمُد الدين وأعلام الهدى
قتلوه بعد عــلم مــنهم أنه خامس أصحاب الكسا
ثم من هم أهل البيت ؟ أليس الذي نزل القرآن في بيوتهم ! أليس منهم نأخذ معارف الدين !
- نزل الدين عليكم بيتكم وتخطى الناس طُرّا وطوى
لكن باسم الدين يقتّلونهم ويذاد الدين عنهم كما تذاد غريبة الإبل عن الماء :
- ضربوا بسيف محمد أبناءه ضرب الغرائب عدن بعد ذيادها
فهم كالصفحة البيضاء التي أراد القوم تشويهها :
- وكل يوم لهم بيضاء صافية يشوبها الدهر من رنق وتكدير
وقد سوغ لهم أن آمنوا بالجبر وقالوا : إن ذلك كله بقضاء وقدر :
- وأحالوا على المقادير في حربك لو أن عذرهم مقبول
7- هل يمكن نسيان هذا الأمر و نسوي في ما بيننا :
- يريدون أن ترضى وقد منعوا الرضى لسير بني أعمامنا غير قاصد
كذبتُك ، إن نازعـــتني الــحق ظــالما إذا قلتُ يوما إنني غير واجد
- جـــعــل اللــه الــــذي نــابــكـــم سبب الوجد طويلا و البُكا
لا أرى حزنكم يُنسى ولا رُزءكم يُـــسلى وإن طــال الـمدى
قد مضى الدهر وعــفّى بــــعدكم لا الجوى باخ ولا الدمع رقا
8- الأخذ بالثأر مهما طال الزمن فإن لنا يوما مذخور ويقتص المظلوم ممن ظلمه وسترجع كربلاء ثانية وسيرجع حسيننا ويزيدهم :
- يا غيرة الله ! اغضبي لنبيه وتزحزحي بالبيض عن أغمادها
من عصبة ضاعت دماء محمد وبــنيه بـــين يــزيدها وزيادها
- بني أمية ! ما الأسياف نائمة عن شاهر في أقاصي الأرض موتور
والبارقات تلوّى في مغامدها والسابقات تمطى في المضامير
إني لأرقب يوما لا خفاء له عـــريان يــقلق منه كــل مغرور
وللصوارم ما شاءت مضاربها من الرقاب شراب غير منزور
- يا غريب الديار ! صبري غريب وقتيل الأعداء ، نومي قتيل
وقال :
- ليت أني أبقى ، فأمترق الناس وفي الكف صارم مسلول
وأجُر القنا لثارات يوم الطف يستلحق الرعيل الرعيل
ثم يذكر الأئمة واحد تلو الآخر إلى أن يقول :
- وعلي , وأبوه وابنه والذي ينتظر القوم غدا
ويظهر الشكاية على نفسه وإن كان في مضمونها أنه يستحث الإمام الغائب :
- يا بني أحمد! إلى كم سناني غائب عن طعانه ممطول
و جيادي مربوطة ، والمطايا ومقامي يروع عنه الدخيل
كم إلى كم تعلو الطغاة وكم يحكم في كل فاضل مفضول
قد أذاع الغليل قلبي ولكن غير بدع إن استطب العليل
9- وقد مزج رثاؤه رحمه الله ببيان منزلة أهل البيت بكلمة صدق يقوله فيهم :
- أ أقول : جادكم الربيع وأنتم في كل مــــنزلة ربــيع بلادهـــا
أم استزيد لك عُلا بمدائحي أين الجبال من الرُّبى و وِهادها
- صبغ القلب حبكم صبغة الشيب وشيبي لولا الردى لا يحول
أنا مولاكم وإن كنت منكم والدي حيدر وأمي البتول
وإذا الناس أدركو غاية الفخر شآهم من قال جدي الرسول
- فأجهر بالولاء ولا أُوري وأنطق بالبراء ولا أُحابي
ثم يوضح أن الشعر في حقهم لهم مزية عظيمة :
- فهم بين منشد ما أُقفيه سرورا وسامعٍ ما أقول
- بكم في الشعر فخري لا بشعري وعنكم طال باعي في الخطاب
10- أما حول القبر الطاهر ، فلشاعرنا أمنيتان :
فالأولى الاستغراب كيف يضم القبر هذه الأعظم والأمانة الجسيمة :
- أما شُرِق التراب بساكنيه فيلفظهم إلى النعم الرغاب
والثانية : الزيارة مهما حصل وبعُد :
- محبكم ولو بُغِضَت حياتي وزائركم ولو عُقِرَت ركابي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- · مناظر كربلائية .
المنظر الأول : صفات الحسين والأنصار الخَلقية و الخُلقية قبل المعركة :
- أخذت بأطراف الفخار فعاذر أن يُصبح الثقلان من حسادها
وبسبب حسد القوم عليهم وأن لا تجتمع النبوة والخلافة فيهم قالوا في فضائلهم :
- تروي مناقب فضلها أعداؤها أبدا ، وتسنده إلى أضدادها
ولجمال الوجوه التي تحلوا بها مع أخلاقهم لم ير مثيل لهم على وجه الأرض كما يصفهم أئمة الهدى
- تكسف الشمس شموسا منهم لا تدانيها ضياء وعلى
ووجوه كالــــمصابـــيح فمِن قمر غاب ونجم قد هوى
- كيف الثناء على النجوم إذا سمت فوق العيون إلى مدى أبعادها
أغنى طلوع الشمس عن أوصافها بــجلالها وضــيائها وبـعادها
- أ كل يوم لآل المصطفى قمر يهوي بوقع العوالي والمباتير
وأبيض الوجه مشهور تغطرفه مضى بيوم من الأيام مشهور
- يا جبال المجد عزا وعُلى وبُدُور الأرض نورا وسنا
المنظر الثاني : خذلان المناصر والصاحب وإن كان لا يعذر فيه حتى يجري ما جرى :
- لئن رقد النصار عما أصابنا فما الله عما نيل منا براقد
- يا ابن بنت الرسول ضيعت ال عهد رجال ، والحافظون قليل
إلا أن شجاعتهم لا ينكرها أحدا :
- عُصُب يُقمط بالنجاد وليدها ومُهُود صبيتها ظهور جيادها
المنظر الثالث : الجسد الشريف :
بتمزيقه وتقطيعه بفعل سيوفهم وحوافر خيولهم أصبح جسد سيد الشهداء رمزا للكرامة والبطولة ، ولكن بهذه الصورة الوحشية تبين أن الرجل الشجاع إذا قتل في المعركة صارت سمة يُعرف بها كما يصف ابن هانئ الأندلسي :
لا يأكل السرحان شلو طعينهم مما عليه من القنا المتكسر
وما أروعه من تصوير حين جاءت إليه الرماح ونصول السهام :
- قبّلته الرماح وانتضلت فيه المنايا وعانقته النصول
فمن السنن التي يستحب أن تجرى للمحتضر أن يسقونه ماء ، يظلنونه من أشعة الشمس ، يديرون بوجهه نحو القبلة ، لكن ما حصل يختلف حاله هنا :
- لرأت عيناك منهم منظرا للحشى شجوا ، وللعين قذى
وفي سكرة الموت :
- وصريعا عالج الموت بلا شد لحيين ولا مد رِدا
بل الذي قام هي الخيول بعدوها هي بمثابة الأكف التي تقلبه :
- وخر للموت لا كف تقلبه إلا بوطء من الجرد المحاضير
وشموس رماحهم مع شمس الظهيرة هي الأخرى نالت منه :
- كأن بيض المواضي وهي تنهبه نار تحكم في جسم من النور
لله ملقى على الرمضاء عضّ به فم الردى بين إقدام وتشمير
- من رميض يمنع الظل ومن عاطش يسقى أنابيب القنا
ويتعمدون ترك الجسد ثلاثة أيام حتى تأتي الوحش والسباع فتستفيد من لحمه فقد عبر بأرجل السبق في الجهاد ، وبالعطاء بالكف الندى :
- وتنوش الوحش من أجسادهم أرجل السبق وأيمان الندى
هذه الأجساد التي مزقتموها كانت أثم وذنب كبير عليهم لكن طهارته وقدسيته لم تنالوا منها شيء والسبب أن الله سبحانه قد سبقكم برفعها إليه :
- الله سابقكم إلى أرواحها وكسبتم الآثام في أجسادها
وبمنع الظل وحرارة الشمس عن هذا الجسد فكرامة الرب جاءت إليه حين تدلت تلك السحابة تظلله ، ولا يُرى من جسده الطاهر بفعل الغبار المانع :
- تحنو عليه الرُّبى ظلا وتستره عن النواظر أذيال الأعاصير
لكن مقولة أن الوحش تأكلهم كانت بنظر أولئك ، ولكن الواقع ظل ثلاثة أيام وقد أصبح مزارا للوحش والطير :
- تهابه الوحش أن تدنو لمصرعه وقد أقام ثلاثا غير مقبور
وأما كيف استقبل جسد الإمام عليه السلام الرماح والسيوف فعلى غير العادة ، فمرة يقول لك العتبى يا رب حتى ترضى :
- من بعد ما رد َّ أطراف الرماح به قلب فسيح ورأي غير محصور
ومرة يفتح أزاراه للشمس وهو دليل على التضحية والإباء :
- والنقع يسحب من أذياله ولـــه على الغزالة جيب غير مزرور
في فيلق شرِق بالبيض تحسبه بــــــرقا تدلّى على الآكام والقور
وأما عن التغسيل والتكفين فالرماح والسيوف والتراب هي التي قامت بذلك ، فقال :
- غسّلوه بدم الطعن ، وما كفّنوه غير بوغاء الثرى
- تكفنه ظُبى البيض المواضي ويغسله دم السمر اللدان
وقال في شأن موت سيد الشهداء :
- مغوار قوم ، يرُوع الموت من يده أمسى وأصبح نهبا للمغاوير
ولخيل الحسين موقف فقد كان موقفه أشرف من ألف أموي فله نصيب من الضرب والطعن :
- يا جوادا أدمى الجواد من الـــــطع ن ، وولى ، ونحره مبلول
حجل الخيل من دماء الأعادي يوم يبدو طعن وتخفى حجول
يوم طاحت أيدي السوابق في النقع وفاض الونى وغاض الصهيل
ولعل ما ذكره الشريف الرضي عندما يفتخر بجده الحسين بكرمه وشجاعته أن شبهه كأنه ضرب الصحراء ضربا شديدا واستخرج ماء الغدير تحت الجبل ليروي الضيوف ، ولكنه وعياله و جياده قضوا ظمأ :
- وجدي خابط البيداء حــــــتى تبدى الماء من ثغب الرعان
قضى ، و جياده حول العوالي ووفد ضيوفه حول الجفان
المنظر الرابع : الحرب .
سنستعرض مجموعة من الصور البيانية التي تنبو عن وحشية وفظاعة المنظر ، فقد بلغوا أن قتلهم الحسين سبط نبيهم لم يكن لأجل مال أو ولاية فحسب بل وكأنهم يريدون بتمزيقه أن يبردوا النار التي في قلوبهم ، هذا أمر لا يفعله الكافر ، يقول :
- لو بسبطي قيصر أو هرقل فعلوا فعل يزيد ما عدا
كم رقاب من بني فاطمة عُرقت ما بينهم عرق المِدى
لو ولي ما قد ولوا من عترتي قائم الشرك لأبقى ورعى
نقضوا عــهدي وقــد أبــرمته وعُرى الدين فما أبقوا عرى
وقال واصفا أن الصحراء المقفرة قد اعشوشبت ، والطير قد ارتوت ، والوحش بات عندها :
- بالطف حيث غدا مراق دمائنا ومُناخ أينُقها ليوم جلادها
القفر من أرواقها والطير من طرّاقها والوحش من عوادها
حتى الموت نفسه قد رجع وهو شبعان غير جائع :
- إن يظفر الموت منا بابن منجبة فطالما عاد ريان الأظافير
ثم ينتقل إلى كيفية التقطيع والتمزيق البشع بصور عديدة ، فمن تلك الصور :
- جزروا جزر الأضاحي نسله ثم ساقوا أهله سوق الإما
المنظر الخامس : الاستغاثة
يستغيث الإمام عليه السلام ولا من مغيث ، فرفع صوته مناديا ياجداه ، يا أبتاه ، يا أماه ، وكأنه يذكّر القوم :
- مرهقا يدعو ولا غوث له بأب بر وجد مصطفى
وبأم رفع الله لها علما ما بين نسوان الورى
أيُّ جد وأب يدعوهما جد ، يا جد ، أغثني يا أبا
يا رسول الله يا فاطمة يا أمير المؤمنين المرتضى
كيف لم يستعجل الله لهم بانقلاب الأرض أو رجم السما
كيف لم يرع حق لهذا السبط الشهيد :
- حملوا رأسا يصلون على جده الأكرم طوعا وإبا
المنظر السادس: ما بعد الحرب ( السبي ) :
من هم الأسارى الذين سقتموهم كسوق العبيد والإما ، فالعار أن مال الله يكون في أيدي الطغاة ، والكفوف التي ينهلَّ منها العطاء تصفّد وتُغل :
- صفدات مال الله ملء أكفّها وأكفُّ آل الله في أصفادها
هذا السير والسفر الشاق الطويل كان متعمد ومقصود فكما يحتاج إلى مركوب قوي ، نرى الشاعر يسلط مرآته على تلك الإبل العجاف التي تتعثر في مشيتها وخلقها سيئا :
- يحدو بعوج كالحني أطاعه معتاصُها ، فطغى على منقادها
ويريدون منها أن تصل إلى الشام بوقت قياسي بمسير لا ينقطع كالماء الجاري :
- حتى تخيل من هباب رقابها أعناقها في السير من أعدادها
وهذا الذي حصل نجد أن المستنكر قليلون وكأن قد أبيح في شرع الله تعالى :
- تُسبى بنات رسول الله بينهم والدين غض المبادي غير مستور
وأما عن حال بنات الرسالة فهو يصورهم في أبياته :
- والسبايا على النجائب تستاق وقد نالت الجيوب الذيول
من قلوب يدمى بها ناظر الوج د ومن أمع مراها الهمول
قد سلبن القناع عن كل وجه فيه للصون من قناع بديل
وتــــنقبن بالأنامل والدمع على كل ذي نقاب دليل
وتـــــــشاكين والشكاة بكاء وتنادين والنداء عويل
- معجلات لا يوارين ضحى سنن الأوجه أو بيض الطُلى
هاتفات برسول الله في بُهر السعي وعثرات الخُطى
يوم لا كسر حجاب مانع بـــذلة الـــعين ولا ظل خِبا
المنظر الأخير : الحزن واللوعة التي لن تنقضي أبدا
- يا يوم عاشورا كم لك لوعة تترقص الأحشاء من إيقادها
ما عُدتَ إلا عاد قلبي غُلّة حرّى ولو بالغتُ في إبرادها
مثل السليم مضيضة آناؤه خزرُ العيون تعودُهُ بعِدادِها
يا جد لا زالت كتائب حسرةٍ تغشى الضمير بكرِّها وطِرادها
أبدا عليك وأدمع مسفوحةُّ إن لم يراوحها البُكاء يغادها
وقال :
- ما لي تعجبت من همي ونفرته والحزن جرح بقلبي غير مستور
يا جد لا زال لي هم يحرضني على الدموع ووجد غير مقهور
والــدمـــع تــحفزه عين مؤرقة حفز الحنية عن نزع وتوتير
إن السلوَّ لمحظور على كبدي وما السُلُوُّ على قلب بمحظور
وقال إنه لا عز ولا كرامة لنا و لا بعد عطشه ماء معينا :
- أتراني أعير وجهي صونا وعلى وجهه تجول الخيول
أتراني ألذُّ ماء ، ولمــــــا يرو من مهجة الإمام الغليل
وقال وهو متشوق أن يرى الغيث ممتزج بدموعه وهو يروي هذا الغريب العطشان :
- بي نزاع يطغى إليك وشوق وغرام وزفرة وعويل
ليت أني ضجيع قبرك أو أن ثراه بمدمعي مطلول
لا أغب الطفوف في كل يوم من طراق الأنواء غيث هطول
مطر ناعم وريح شمال ونسيم غض وظل ظليل
وفي الختام أختم القول
"السلام على الشهيد المظلوم الغريب العطشان "
وعظم الله أجورنا وأجوركم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
الموضوع كاملا اضغط هنــــــــــــــــــــا
جديد الموقع
- 2026-06-02 بالمطيرفي عيد الاضحى المبارك شعوراً عميقاً بالوحدة والرضا الروحي
- 2026-06-02 حقيقة ام خرافة - تناول الجرز يقوي البصر
- 2026-06-02 أَزْمَةُ الْمَوَاقِفِ .. حِينَ يَضِيقُ الشَّارِعُ وَتَضِيقُ النُّفُوسُ
- 2026-06-02 أكثر من 4300 أسرة تستفيد من 4666 أضحية ببر بالأحساء
- 2026-06-01 ( سيد الفكر والقوافي ) اصدار جديد
- 2026-06-01 احْنَا جِيرَانُهُ - صَادِقُ الْعِتْرَةِ عَلَيْهِ السَّلَامُ
- 2026-06-01 مع عروجٍ أريب .. ما أقصر عمره
- 2026-06-01 "سلسلةٌ وألفيةُ" سيرةٍ .. سيفية وكاظمية
- 2026-06-01 *اعتذار متأخر*
- 2026-05-31 اختتام مسرحية (جنون بشر) على مسرح ثقافة وفنون الأحساء