2026/06/08 | 0 | 105
الأدب والشعر الإداري
لا يزال فن الأدب بشقيه النثر وما يشتمل عليه من الحكمةِ والأمثالِ والأقوالِ، والشق الثاني: الشعر بجميع فنونه، يثري الساحةَ الأدبية والسياسية والاجتماعية ويُـغّذِيها، سيما علم الإدارة منها، إن العلوم الحديثة كالعلمِ الرقمي والصورة المرئية، أضافت على علم الإدارة حلاوة على حلاوة وطلاوة على طلاوة. وما دخل الأدب في بابٍ إلا وكانَ له حصة الأسد والنصيب الأكبر في إيصال الرسالة المبتغاة وبلوغ الهدف إلى مرماه.
ونحنُ هنا في هذه الدراسة البسيطة نسلط الضوء على بعضٍ من تلكم الإضافات الأدبية، أَلاَ وهي تمازج الأدب والإدارة. وإن كان قبلنا ممن تناولوا هذا الموضوع – وهي حالات نادرة - لكن لا يزال الباب مشرعا للولوج فيه، لأن جمال اللغة والأدب يجدد الصورة للقراء والكتاب والأدباء والشعراء.
ولم تكن الإدارة يوماً مجرد علم رقمي حديث، بل هي فن قيادة البشر وتنظيم الموارد الذي تغنى به الشعراء قديماً تحت مسمى "الحكمة" و"السياسة"، وصاغها المحدثون في قوالب تنظيمية مباشرة. وسنتعرض لبعض من تلكم النماذج الأدبية من شعر وحكمة.
1-: الإدارة في الشعر القديم
برع شعراء العرب في وصف الإدارة الناجحة القائمة على العدل، تفويض الصلاحيات، اختيار الكفاءات، وضبط النفس، وغير ذلك كالتخطيط والتنظيم.
في الحكمة والقيادة:
ومما ورد في ذلك قول عنترة بن شداد وهو يبين حاله كيف انتقل من خدمة اجتماعية بسيطة لقومه وهي رعاية الإبل إلى قائد لهم ومدافع ومحام عن ديارهم ومطالب بحقوقهم وذائد المعتدين عنهم. وكل هذا النجاح التدريجي جاء شيئا فشيئا. وقديما قال المثل سيد القوم خادمهم.
قَدْ كُنْتُ فِيمَا مَضَى أَرْعَى جِمَالَهُمُ ... وَالْيَوْمَ أَحْمِي حِمَاهُمُ كُلَّمَا نُكِبُوا
في ضبط النفس والتروي:
نعود مرة أخرى لشاعرنا عنترة بن شداد وهذه المرة في ضبط النفس والتروي. ويحضرني هنا مقولة رائعة لسيد البلغاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: " آلة الرئاسة سعة الصدر" وهي تعد دستور وقاعدة ذهبية في فنون الإدارة والقيادة.
لاَ يَحْمِلُ الحِقْدَ مَنْ تَعْلُو بِهِ الرُّتَبُ ... وَلاَ يَنَالُ العُلاَ مَنْ طَبْعُهُ الغَضَبُ
وهنا إنكار من الشاعر على سبيل الاستفهام: هل يمكن أن يكون صاحب المراتب العالية والمكانة الرفيعة حاقدا وضيق الصدر؟ لا، لأن من يتولى الإدارة يتطلب منه سعة الصدر. ثم يقرر أن ضبط النفس والرياسة والإدارة تتطلب الحلم والأناة.
في الاستشارة وإعمال العقل:
قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: " رأي الشيخ إليَّ أحب من جلد الغلام" وفي رواية أخرى: " رأي الشيخ خير من مشهد الغلام". ومن هذا المعنى انطلق الشاعر الكبير أبو الطيب المتنبي حيث يقول:
الرَّأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشَّجْعَانِ ... هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ المَحَلُّ الثَّانِي
فَإِذَا هُمَا اجْتَـمَعَا لِنَفْسٍ مَـرَّةٍ ... بَلَغَتْ مِنَ العَـلْيَاءِ كُلَّ مَكـَانِ
وفي هذه الأبيات ترتيب جميل لمقومات الإدارة وهو الرأي والمشورة قبل الشجاعة والإقدام، لأن الشجاعة في بعض الأحيان لا تبلغ بك المرام والنجاح بل إذا جمعت عقولا مع عقلك فذلك غاية الكمال والجمال، ومن " شاور الناس شاركهم في عقولهم واستفاد من تجاربهم ومعرفتهم وسنتعرض لمقولة وحكمة الإمام الجواد في هذا الشأن في ذيل المقال.
في إدارة الموارد وإعطاء الأجير حقه:
وهو حفظ حقوق العمال وقد وضع الشارع المقدس قاعدة لحفظ أجرة العامل عندما أطلقت هذه القاعدة عبر الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: " أعطوا الأجيرَ أجرَهُ قبل أن يَجِفَ عَرَقُه"
وهذا المعنى تناوله الشعر الجاهلي حيث قال شاعر الحكمة " زهير بن أبي سلمى"
أَعْطِ الأَجِيرَ حَقِيقَةً مِنْ أَجْرِهِ ... قَبْلَ العَرَقْ يَجِفُّ فِي المِعْصَمْ
والشطر الثاني " قبل العرق يجف في المعصم" كناية عن سرعة الوفاء بالأجر، أي أعطه حقه فور انتهائه من العمل، قبل أن يزول أثر الجهد والتعب الذي بذله، وهذا عين ما رام إليه الحديث الشريف.
2-: الإدارة في الشعر الحديث:
المهارات والتنظيم
مع تطور المؤسسات، ظهر ما يُعرف بـ " الشعر الإداري "، الذي يربط بين فنون الإدارة العملية (التخطيط، التحفيز، الإتقان) والأبيات الشعرية البليغة، ومن أبرز ما قيل
قصيدة "في الإدارة" للشاعر الدكتور عمر فريد مصطفى، التي تُلخص ركائز الإدارة الناجحة:
وَيَسْأَلُنِي الصَّـدِيـقُ وَقَــدْ أَثَـارَهُ ... نُـبُـوغُ الـغَـرْبِ مَا فَــنُ الإِدَارَة؟
فَـقُـلـْتُ لَهُ: الإِدَارَةُ يَا صَدِيـقِـي ... هِيَ السِّتْرُ الَّذِي خَلْفَ الحَضَارَة
هِيَ التَّخْطِيطُ وَالتَّنْظِيمُ يَمْـضِي ... مَعَ التَّــوْجــِيهِ حَـيْـثُ الاسْتِنَـارَة
هِيَ الرَّجُلُ المُنَاصِبُ تَصْطَفِيهِ ... إِذَا مَا أَنْــتَ أَحْــسَـنْــتَ اخْتِيَارَهُ
هِيَ الـتَّـقْدِيــرُ لِلأَفْـرَادِ يُـعْـطَى ... عَلَى حَــسَبِ الكَــفَاءَةِ وَالجَـدَارَة
ويقول في الإبداع والتحفيز:
هِيَ الــتَّـجْدِيــدُ وَالإِبْـدَاعُ دَوْماً ... هِيَ الإِتْــقَــانُ إِذْ نَــجْـنِي ثِـمَـارَهُ
هِيَ التَّحْـفِيـزُ لِلإِنْــجَازِ يُــزَكِّي ... لَــدَى الأَفْــرَادِ رُوحاً مُــسْتَـنَارَة
في هذه الأبيات جواباً لسؤال صديقاً له وقد أعجبه ما حققته الأمم الغربية من تقدم عن سر الإدارة الناجحة وحقيقتها، فأجابه: بأن الإدارة هي القوة الخفية التي تقف وراء الحضارة والتقدم، وهي ليست مجرد أوامر ومناصب، بل منظومة متكاملة من التخطيط والتنظيم والتوجيه واختيار الأشخاص الأكفاء. وقد بين فيها وظائف الإدارة الأساسية وهي:
التخطيط للمستقبل
تنظيم الموارد والأعمال
توجيه العاملين وارشادهم
الإتقان وتحفيز العاملين
فهذه الأعمال تقود إلى النجاح والرشد.
ونرى هذا اللون من الشعر عند الدكتور غازي القصيبي - رحمه الله – فإنه لما كتب قصيدته (أَقمتَ بدوحكَ النائي تُغنّي) التي أهداها إلى الشاعر الكبير عبد الله بن خميس ردًّا على قصيدته (ثالثة الأثافي)، وتعكس طرافة أدبية بدأت بمطالبة ابن خميس للقصيبي بإيصال الكهرباء لوادي بن عمار " العمارية " التي كانت محرومة من نعمة الكهرباء في ذلك الحين، وكان مطلعها:
أعــبد الله يــا شيــخ الــقوافي ... ومــرتـجل الــبديـعات الظرافِ
وقد ألبسها القصيبي ثوبًا إداريًّا، ومما ورد فيها:
وأقرأُ ألفَ معروضٍ وشكوى ... وتـقرأ أنـتَ أشــعارَ الرصـافي
فــبالتـصـمـيم نــبـدأُ ثـم تـأتي ... مُـنَــاقَــصَةٌ وفَــتــحٌ للــغِـــلافِ
وَيعــقُــبُ ذاكَ تحــليلٌ طويلٌ ... وقــد يــتلوهُ تــقــيـــيـمٌ إضــافي
فهذا العَرضُ نَزرٌ غـيرُ كافٍ ... وهــذا العَــرضُ فـجٌّ غيرُ وافِي
وهذا العَرضُ جاءَ بلا ضَمَانٍ ... وهذا العَرضُ ذو سِعـرٍ جُزافي
فَــتَرْسِــيَةٌ فـإخـــطارٌ فَــعَـقْــدٌ ... فــتوقــيعٌ على بِيضِ الصِّحَـافِ
وَرُبَّ مُــقاولٍ نَشــِطٍ ويـجري ... كما تجري القصائد في الشِّغَافِ
يـشــيّد في صــباحٍ أو مــسـاءٍ ... عـــوامــيد كأعــناقٍ الــــزَّرَافِ
وَرُبَّ مُــقاولٍ بالــزّحــفِ يُبلى ... كما تُبــلى القــصائـدُ بالـزِّحَافِ
ويمكن أن يدخل في نسق هذه القصيدة الإدارية كلُّ شعرٍ إداريٍّ يتخذ من فضاء الإدارة
أفقاً له.
ولا يخفى على القارئ من رد الشاعر غازي القصيبي، حيث يعتذر لصديقه بن خميس ويقول له: أنت تعاتبني بسبب تأخر الكهرباء، بينما لا تدرك حجم الأعباء والإجراءات التي أقاسيها، فالأمر لا يتوقف على رغبتي الشخصية، بل تحكمه أنظمة ومراحل إدارية طويلة، تبدأ بالتصميم وتنتهي بالتنفيذ.
ولا يخفى على القارئ التشبيه الجميل في البيت الأخير بين زحف المقاول والزحاف في الشعر. وهو تشبيه طريف حيث أن اساسات المبنى تبلى ويصيبها الضعف بسبب العمل البطيء للمقاول وطول المدة والتأخير، كما أن القصيدة تصاب بالضعف إذا كان بها زحاف زائد عن حده، وهو بحذف حرف أو بتسكين حرف متحرك.
وعودا على بدء، كما أشارنا آنفا، عنِ الإمامِ الجوادِ (عليه السلام): " ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ لَمْ يَنْدَمْ: تَرْكُ الْعَجَلَةِ، وَالْمَشُورَةُ، وَالتَّوَكُّلُ عِنْدَ الْعَزْمِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ "
جاء العدد " ثلاث" في صدر الكلام لجذب الانتباه وحصر أسباب النجاة من الندم في هذه الخصال. ويُرشدُنا الإمامُ الجوادُ (عليه السلام) إلى ثلاثِ خُطواتٍ، لو حافظَ الإنسانُ عليها ليس فقط في الإدارة بل في سلوكيات حياتِه، لَمَا وقعَ في ندم، وهيَ:
- تركُ العَجَلَةِ
عدم التسرع في اتخاذ القرار والتخطيط للأمور والتروي في اتخاذ القرار، فعنِ الإمامِ الصادقِ (عليه السلام): " مَعَ التَّثَبُّتِ تَكُونُ السَّلَامَةُ، وَمَعَ الْعَجَلَةِ تَكُونُ النَّدَامَةُ "
- وعدم الاستبداد بالرأي وتبادل الأفكار والمشُورَةُ
وهيَ أن يجمعَ المرءُ إلى رأيهِ آراءَ أصحابِ الحكمةِ والمعرفةِ، فيتأمّلَ في مشورتِهم، ويتّبعَ الصواب؛ وبذلكَ يأمنُ العواقبَ، سواء أصابَ أو أخطأ؛ فعنِ الإمامِ الكاظمِ (عليه السلام): " مَنِ اسْتَشَارَ لَمْ يَعْدَمْ عِنْدَ الصَّوَابِ مَادِحاً، وَعِنْدَ الْخَطَأ عَاذِراً "
نعم، لا بُدَّ من حُسنِ الاختيارِ لمن تُشاورُه؛ فعن أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام) - من كتابِهِ إلى الأشترِ لمّا ولّاهُ مصرَ-: " لَا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلاً يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ وَيَعِدُكَ الْفَقْرَ، وَلَا جَبَاناً يُضْعِفُكَ عَنِ الْأُمُورِ، وَلَا حَرِيصاً يُزَيِّنُ لَكَ الشَّرَهَ بِالْجَوْرِ".
وهو ما يسمي بالعصف الذهني بالمصطلح الحديث.
- و اتخاذ القرار العزم
فبعد الإتيان بهذه الأمور يأتي التوكُّلِ على اللهِ عزَّ وجلَّ؛ قال سبحانه وتعالى في كتابِه:
"وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " المائدة "23 "، وفي الحديثِ عن أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام): " أَقْوَى النَّاسِ إِيمَاناً، أَكْثَرُهُمْ تَوَكُّلاً عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ "
في هذه الحكمة القصيرة برنامج متكامل للإدارة الحديثة: التخطيط فالمشورة فاتخاذ القرار فالتوكل على الله سبحانه.
لا يزال الأدب والشعر ينبوعاً جارياً يدخل في جميع المجالات والعلوم الحديثة فيزيدها رونقاً وجمالاً وابداعاً.
جديد الموقع
- 2026-06-08 سمو محافظ الأحساء يستقبل مدير الدفاع المدني بالمحافظة
- 2026-06-08 افراح الملا والسليمان بالهفوف في كرستال
- 2026-06-08 ختام حملة التبرع بالدم9 بمركز برّ النجاح بالمبرز
- 2026-06-07 قراءة في كتاب نفحات بيانية من دعاء الصباح
- 2026-06-06 (كيف يكون الدرس النحْوي الجديد حاضراً حضوراً إبداعيّاً؟)
- 2026-06-06 الإدمان: خلل مزمن يهدد الصحة والمجتمع
- 2026-06-06 المعرفة بين عمر الإنسان والقراءة
- 2026-06-06 عبثية الآلة بوعي الإنسان
- 2026-06-06 سمو أمير المنطقة الشرقية يشرف حفل زواج آل مبارك
- 2026-06-06 افراح بوصبيح والشواف بالهفوف في الكرستال